استمرارًا لسلسلة النجاحات التي حققتها الخطوط الجوية القطرية، فقد دشنت الشركة رحلاتها إلى العاصمة الصومالية مقديشو ضمن مساعي قطر لمساعدة الصومال على التعافي من كبوته التي يعاني منها طيلة السنوات الماضية جراء الحروب والصراعات الأهلية، في خطوة تأتي في إطار الدور التنموي الكبير الذي تلعبه الدوحة داخل القارة الإفريقية.

إيهاب أمين نائب الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وباكستان أعلن أنها تسيّر ثلاث رحلات أسبوعيًا من الدوحة إلى مقديشو عبر جيبوتي، موضحًا أن تلك الرحلات تتيح الفرصة للأجانب الراغبين في السفر إلى العاصمة الصومالية، وتسهل التنقل من الوجهات التي تعمل فيها الخطوط القطرية.

الشركة التي تأسست عام 1993 وباتت في وقت قصير واحدة من أنجح شركات الطیران بتسييرها أسطولًا حديثًا مكونًا من 192 طائرة لأكثر من 150 وجهة عبر العالم، حصدت بسببه العديد من الجوائز، ترسخ اليوم مفاهيمًا جديدة بشأن المزج بين الاقتصاد والسياسة، تلك المفاهيم التي تعززت بصورة أكبر منذ فرض الحصار على القطريين في يونيو 2017.

خندق واحد

حرصت قطر منذ قرار مقاطعتها دبلوماسيًا من الرباعي العربي "السعودية والإمارات والبحرين ومصر" على تجييش قطاعاتها كافة للعمل في خندق واحد من أجل كسر الحصار، كل في مجاله، فنجحت عبر حزمة من التحركات الدبلوماسية المكثفة في كسر هذا الحصار رويدًا رويدًا حتى تخلصت بصورة شبه نهائية من تبعاته التي راهنت أنظمة الحكم في الدول الرباعية على فشل الدوحة في تحمله.

الخطوط القطرية كونها الممثل الرسمي للدولة وخلال العامين الماضيين استطاعت أن تحقق المزيد من النجاحات، مزجت فيها السياسة بالاقتصاد، فكانا وجهان لعملة واحدة، ولعل اختيار الصومال لتدشين رحلات مباشرة إليه في هذا التوقيت دلالة واضحة على التوجه الجديد للشركة ومن يديرونها.

وزير النقل والطيران المدني الصومالي محمد عبد الله صلاد ثمّن هذه الخطوة التي وافقت اليوم الوطني لاستقلال بلاده، مشيرًا إلى وجود طلبات متزايدة من المغتربين الصوماليين الذين يتنقلون من وإلى بلدهم، موضحًا أن الحكومة الصومالية عرضت على الخطوط القطرية اعتماد رحلات من الدوحة إلى الصومال، وسرعان ما جاءت الاستجابة.

من بين 54 دولة إفريقية عضو بالاتحاد لم يستجب لفريق دول الحصار إلا خمس دول (موريتانيا وإريتريا وجيبوتي والسنغال وتشاد)، ثم تراجعت مؤخرًا ثلاث منها (السنغال وتشاد وجيبوتي) عن موقفها السابق

صلاد أضاف أن الرحلات المباشرة ستشكل إضافة نوعية لخدمات النقل الجوي، الذي تسهم فيه أيضًا خطوط طيران ذات مستويات رفيعة ومحترمة كالخطوط التركية والإثيوبية، وغيرهما من الخطوط التي تتمتع بخدمات نقل آمن وجودة عالية، الأمر الذي من المتوقع أن ينعكس على الدولة الصومالية بشكل عام.

وعن المزايا التي من المتوقع أن يحققها الصومال من وراء هذا الخط الجديد، يرى الأستاذ في كلية الاقتصاد بالجامعة الصومالية عبد العزيز أحمد إبراهيم أن الصومال قد يحقق بعض المكاسب بشكل مباشر أوغير مباشر من فتح خط عالمي جديد وموثوق، مثل جذب المستثمرين القطريين والأجانب، وزيادة عائدات المطارات، خاصة المطار الدولي بالعاصمة مقديشو.

إبراهيم في تصريحاته لـ"الجزيرة" أضاف أن هذه الخطوة من شأنها توفير بعض المال للمسافرين الصوماليين وذلك من خلال المنافسة التي ستقدمها الخطوط القطرية مع الشركات الأخرى في محاولة كسب مزيد من الزبائن بسعر تنافسي لتذاكر السفر، لافتًا إلى أن هذا التحرك ربما يشجع شركات أخرى، الأمر الذي ربما يدفع إلى تدشين مطارات حديثة في الصومال تواكب التطور العالمي.

تدشين 15 جهة جديدة للشركة في مختلف بلدان العالم

الحضور الإفريقي

تدشين خط رحلات جديد بين الدوحة ومقديشيو ليس التحرك القطري الوحيد حيال الصومال، فهناك العديد من المشروعات التنموية التي أنشأتها الدوحة لدعم الشعب الصومالي، من بينها إنشاء طريق مقديشو - جوهر بطول 90 كيلومترًا، وطريق مقديشو - أفجوي بطول 30 كيلومترًا، وتأهيل مبنى لرئاسة الوزراء ووزارة التخطيط والاستثمار، وتأهيل مبنى لبلدية مقديشو، ومقر للمعهد الدبلوماسي، وغيرها من المشاريع الأخرى، فضلاً عن تقديمها وعدًا ببناء ميناء هوبيو.

هذا بخلاف الدور الذي تقوم به بعض المنظمات الخيرية القطرية على رأسها "الهلال الأحمر" و"عيد الخيرية" بجانب العديد من المنظمات الإغاثية الدولية والمحلية في تقديم مساعدات إنسانية للصوماليين، وذلك عبر تدشين عشرات المشروعات في مجالات الإغاثة العاجلة والتعليم والمياه والصحة والتمكين الاقتصادي والتنمية المستدامة والأمن الغذائي وإعادة توطين النازحين.

جدير بالذكر أن ما يقرب من 200 ألف صومالي استفاد من المشاريع الخيرية التي نفذتها جمعية قطر الخيرية في الفترة بين 2009 و2017، وبلغت قيمتها 6.3 مليون دولار أمريكي، وذلك وفق تقرير أصدرته الجمعية، الأمر الذي ساعد كثيرًا في إنقاذ الملايين من الصوماليين على مدار السنوات الماضية.

تلك المسيرة كُللت برقم قياسي جديد من حيث عدد الجوائز التي فازت بها الشركة بعد ستة أشهر فقط من بدء الحصار، وذلك بمعدل جائزة كل أسبوع، وبمجموع أكثر من 50 جائزة في العام 2017

الاستثمار القطري للقوة الناعمة في إفريقيا وفي أول اختبار عملي له ثبت أنه لم يضع هباءً، ففي أول قمة للاتحاد الإفريقي بعد فرض الحصار أعلنت مؤسسة الاتحاد موقفًا محايدًا من الأزمة، رغم المجهودات الكبيرة التي بذلتها دول الحصار لمحاولة استقطاب دول إفريقية إلى جانبها.

ومن بين 54 دولة إفريقية عضو بالاتحاد لم يستجب لفريق دول الحصار إلا خمس دول (موريتانيا وإريتريا وجيبوتي والسنغال وتشاد)، ثم تراجعت مؤخرًا ثلاث منها (السنغال وتشاد وجيبوتي) عن موقفها السابق، ويرجع ذلك للحراك الدبلوماسي الدؤوب لقطر في معظم دول القارة.

ففي 3 أشهر فقط زار أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني نحو 9 دول في شرق إفريقيا وغربها وشمالها وجنوبها، تلك الزيارة وغيرها أثمرت فيما بعد عن شراكات اقتصادية وعلاقات ثقافية ورياضية بين قطر وتلك البلدان. وبموازاة هذا الانفتاح القطري على إفريقيا، تعاظم الوجود الإفريقي في الدوحة التي باتت تستضيف حاليًّا 23 بعثة دبلوماسية إفريقية.

صدى كبير لجولة أمير قطر الإفريقية العام الماضي

مسيرة مككلة بالنجاح

سطرت الخطوط الجوية القطرية قصصًا عدة للنجاح خلال الفترة الماضية، لتصبح واحدة من أكثر شركات الطيران في العالم ابتكارًا وتأثيرًا، فخلال العام المالي (2018/2017) نجحت في تدشين 15 وجهة جديدة، على رأسها مدينة غوتنبرغ السويدية لتصبح ثاني وجهات الناقلة في تلك البلاد، هذا بجانب مدن كارديف وميكونوس وملقة.

هذا الحراك المكثف نجح في التغلب على الآثار السلبية المترتبة على إيقاف الرحلات إلى 18 وجهة إقليمية بعد الإجراءات الجائرة التي اتخذتها دول الحصار ضد الشركة القطرية، هذا في الوقت الذي تعاني فيه الخطوط الجوية في تلك الدول من أزمات تلو الأخرى وهو ما تكشفه الأرقام الواردة بحجم الخسائر التي تتعرض لها.

كما ضمت الشركة تزامنًا مع الاحتفال بمرور 20 عامًا على تأسيسها العديد من الطائرات المتطورة ليصل حجم أسطولها قرابة 2013 طائرة، على رأسها طائرة من طراز إيرباص /A350-1000/ في منتصف 2017، هذا بخلاف 37 طائرة أخرى في إطار التفاوض بشأنها.

وفي شهري سبتمبر وديسمبر من عام 2017، أضافت القطرية طائرتي شحن جوي من طراز بوينغ 8-747 إلى أسطول طائراتها من أجل دعم عمليات الشحن الجوي في مجموعة الخطوط الجوية القطرية، حيث تعد القطرية للشحن الجوي ثاني أكبر شركة للشحن الجوي في العالم.

تلك المسيرة كُللت برقم قياسي جديد من حيث عدد الجوائز التي فازت بها الشركة بعد ستة أشهر فقط من بدء الحصار، وذلك بمعدل جائزة كل أسبوع، وبمجموع أكثر من 50 جائزة في العام 2017، حيث تبوأت الخطوط الجوية القطرية الطليعة مرة أخرى، وفازت بجائزة أفضل شركة طيران في العالم العام الماضي، للمرة الرابعة في تاريخها من قبل سكاي تراكس، كما حصدت الناقلة الوطنية لدولة قطر جائزة أفضل درجة رجال أعمال في العالم، وجائزة أفضل شركة طيران في الشرق الأوسط، وجائزة أفضل صالة انتظار لمسافري الدرجة الأولى في العالم.