أجرى رئيس النظام السوري بشار الأسد، تغييرات عديدة طالت أهم المناصب الأمنية في الدولة البوليسية القائمة على حكم الأجهزة الأمنية، كان من أبرزها تعيين رئيس مكتب الأمن الوطني علي مملوك نائبًا له للشؤون الأمنية، فيما حل بديلًا عنه في المنصب اللواء محمد ديب زيتون الذي كان يشغل رئيس شعبة المخابرات العامة.

وشملت التغييرات وفق المصادر، تعيين وجوه جديدة على رأس أبرز أفرع الأمن التي تساهم في تثبيت حكم الأسد وتعزيز سطوته على البلاد، وكما تضمنت الإطاحة بآخرين، من بينهم رئيس فرع المخابرات الجوية اللواء جميل حسن الذي أقيل وعيّن اللواء غسان جودت إسماعيل خلفًا له، وللشخصين سجل إجرامي فاضح في قمع الثورة السورية.

وبالإضافة إلى إدارة المخابرات الجوية، عيّن الأسد اللواء حسام لوقا مديرًا لإدارة المخابرات العامة أو ما يُعرف بأمن الدولة، خلفًا للواء ديب زيتون، وكان لوقا يشغل منصب رئيس شعبة الأمن السياسي فيما عين بدلًا عنه اللواء ناصر العلي، وشملت التعيينات الجديدة وضع اللواء ناصر ديب مديرًا لإدارة الأمن الجنائي خلفًا للواء صفوان عيسى المنحدر من مدينة القرداحة مسقط رأس عائلة الأسد.

وترتبط الأجهزة الأمنية في سورية جميعها بمكتب الأمن القومي الذي يتبع رئاسة الجمهورية مباشرةً، ما يجعله المتحكم الأوحد بكل ما يجري في سوريا، فهو الذي يضع الخطط لإدارة البلد بجميع نواحيها، ويمسك بجميع مفاصل الحياة، دون ترك أي هامش، كما جاء في مقال للمحامي أنور البني على موقع جيرون.

وتحمل هذه التغييرات دلالات عديدة في هذا التوقيت بالذات، خصوصًا في مرحلة تشهد تسويقًا روسيًا لنظام الأسد على الأصعدة كافة، فيقول عضو المكتب التنفيذي في حركة العمل الوطني من أجل سوريا محمد ياسين النجار، في منشور على فيسبوك: "هذا التنوع طائفي الظاهري للقادة الأمنين الجدد، مفيد للتسويق العالمي، فالشخصيات المعينة عربية سنية وشركسية وعلوية"، ويضيف النجار "رأس النظام لديه رغبة بوجود شخصيات جديدة خلال المرحلة القادمة حتى لا تخرج عن سيطرته".

نائب الأسد

اشتهر علي مملوك النائب الجديد لبشار الأسد، بتاريخ قمعي واضح، فبحسب موقع "مع العدالة"، فإنه كان أحد الضباط المشرفين على تجارب الأسلحة الكيميائية خلال الفترة 1985-1995، واستخدامها ضد معتقلين سياسيين بسجن تدمر، حيث تمت تجربتها على المعتقلين، ومن ثم محو آثار الجريمة في المنطقة عبر قصفها بالطيران الحربي.

وفي عام 2005 تولى مملوك رئاسة جهاز المخابرات العامة "أمن الدولة"، وعمل على تطوير الإدارة وتزويدها بأساليب جديدة للمراقبة وقمع الحريات العامة في سوريا، وأصبح منذ ذلك الحين الواجهة المخابراتية للنظام السوري، حيث أوكلت إليه مهمة التنسيق مع أجهزة الاستخبارات العالمية بما فيها الأمريكية والأوروبية والإيرانية وبعض الأجهزة العربية، مما أتاح له الإمساك بعدد كبير من ملفات النظام خلال الفترة 2011-2018.

علي مملوك

وببداية الاحتجاجات في 2011 كلّف بشار الأسد علي مملوك بمهمة قمع المظاهرات فيما استلم مسؤولية غرفة العمليات بإدارة المخابرات العامة. من جهتها وضعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا مملوك على لوائح الأشخاص المفروضة عليهم عقوبات في سوريا نظرًا لسجله القمعي.

سجل إجرامي حافل

لعل أبرز الوجوه التي غيبتها هذه التعيينات هو اللواء جميل حسن الذي خلفه نظيره بالرتبة غسان جودت إسماعيل، وبالكاد ترى إنسانًا سوريًا لا يعرف هذا الاسم، حيث برز اسمه منذ بداية الثورة السورية في 2011 على أنه أحد أقطاب القوة الأمنية في البلاد، وينحدر الحسن من قرية القرنية في ريف حمص من مواليد 1952، وبحسب موقع "العدالة" السوري فإن الحسن هو "أعتى مجرمي الحرب السورية"، وصاحب المقولة الشهيرة: "أنا على استعداد لقتل مليون شخص وبعدها خذوني إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي".

ويعتبر اللواء جميل حسن أحد المسؤولين عن عمليات القتل التي تمت بواسطة طائرات النظام الحربية والمروحية، وأطلق حسن يد عناصر فرعه للتنكيل بالسوريين من خلال قمع المظاهرات، وأجرى آلاف الاعتقالات، فكان يزج بالمعتقلين في مطار المزة العسكري حيث مقره.

غير أن غسان إسماعيل المنحدر من ريف مدينة طرطوس الذي خلف الحسن بإدارة فرعه، لا يقل إجرامًا وبطشًا عن سلفه، فكان نائبه ويده اليمنى، ويعتبر غسان إسماعيل المسؤول عن الاختفاء القسري لآلاف المدنيين، وعن تصفية عدد كبير من المعتقلين في سجن المزة العسكري، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي لوضع اسمه في الحزمة 17 من عقوباته على نظام الأسد، بحسب موقع العدالة.

ويذكر تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، عن الأشخاص المشاركين بالجرائم في سوريا، "أن العقيد غسان إسماعيل قائد وحدة العمليات الخاصة أعطى أوامر شفهية بإطلاق النار على المتظاهرين، وقت أن تم إرسال وحدته لقمع مظاهرات داريا السلمية في أثناء عملية أخرى في يونيو 2011، مع الفرقة الرابعة"، وكانت أوامره تنص على ما يلي: "لا تطلقوا النار في الهواء، صوبوا مباشرة على المتظاهرين".

اللواءان جميل حسن وغسان إسماعيل

وتتبع إدارة المخابرات الجوية لوزارة الدفاع إداريًا، وترتبط بمكتب الأمن القومي، والمفروض أن تتركز مهماتها على ما يتعلق بالطيارين والطيران المدني والعسكري، وتتركز أفرعها وعملها ووجودها في دمشق، ولها مفارز متمركزة في جميع المطارات العسكرية والمدنية بالبلاد، وسمعتها كانت الأسوأ من حيث التعذيب قبل الثورة وخلالها.

إدارة المخابرات العامة

وفي عملية إعادة تدوير للوجوه عيّن الأسد اللواء حسام لوقا بدلًا عن اللواء محمد ديب زيتون الذي حل في رئاسة مكتب الأمن الوطني، ويعتبر زيتون مسؤولًا مباشرًا عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها عناصر إدارة أمن الدولة، وتم إدراجه في العقوبات البريطانية والأوروبية والكندية والأمريكية بسبب مسؤوليته عن عدد كبير من الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب السوري.

أما حسام لوقا فله الدور الأكبر في السيطرة على حي الوعر وتهجيره في مدينة حمص عام 2017، وعرف لوقا بسطوته الأمنية ضد المظاهرات السلمية الأولى في مدينة حمص، كما برز اسمه ضمن قوائم الشخصيات الأمنية التابعة للنظام المسؤولة عن تعذيب المعتقلين في السجون. وفي عام 2012 أدرج الاتحاد الأوروبي اللواء لوقا على قائمة العقوبات، بسبب مشاركته في تعذيب المتظاهرين والسكان المدنيين.

المخابرات العامة هي إدارة مستقلة تتبع رئاسة الجمهورية ومكتب الأمن القومي، تم استحداثها بمرسوم تشريعي ومهماتها تتصل بمراقبة التهديدات على الأمن الداخلي والخارجي، ويتألف هذا الجهاز من فروع عدة مستقلة ومركزية.

جرائم لا تنسى 

مع هذه التغييرات الجديدة يتذكر السوريون هذه الأسماء بكثير من الغضب لما عانوه وكابدوه من تعذيب وقتل وتهجير، فيروي معتز مراد الناشط السوري حكاية اتصال جميل حسن بأول الثورة معه، حيث حذره الحسن قائلاً: "لن نسمح بساحات تحرير في سوريا والدولة ليست ضعيفة".

فيما يتساءل الناشط السوري فراس الواوي عمن يقف وراء هذه التغييرات، متذكرًا أن جميل الحسن هو من فعل المجازر في مدينته المعضمية وداريا.

ويرى نجيب قره محمد أن النظام اليوم "يرمي بالحسن في سلة المهملات وسيتم التَّخلص منه قريبًا"، مضيفًا "ستكون المسرحية كعادة عندما يريدون التخلص من أوساخهم".

ويرى نشطاء ومراقبون، أن هذه التعيينات لم تأت بوجوه جديدة، إذ تمثّل تداولاً لقيادات الأجهزة التي تُحكم القبضة الأمنية للمناطق التي يسيطر عليها النظام، ويبدو ليس سهلاً على بشار الأسد التخلي عن هؤلاء الرجالات بآخرون جدد لما أبدوه من ثقة وإحاطة به، خاصة أنهم ترعرعوا في كنف أبيه.