تحتوي التوابيت المصرية على بقايا بشرية وعملات ذهبية وفضية وصور من الجص للمسيح ومخطوطات إسلامية تعود إلى العصور الوسطى فضلا عن تماثيل لبلاد ما بين النهرين وشظايا من معابد وأختام ملكية وتماثيل يونانية وفسيفساء رومانية... ومئات الكنوز التي تعود إلى الحضارات العظيمة في العصر القديم. وتُباع هذه الآثار على الفيسبوك إلى أعلى مُزايد دون أن تكون هناك أية رقابة قانونية أو نظام، والتي من شأنها أن تدر أموالا كثيرة سينتهي بها المطاف بين أيدي عناصر تنظيم الدولة.

عمومًا، يتضح ذلك من خلال التقرير الأخير الذي أعده "مشروع آثار"، الذي يضم مجموعة من الباحثين الأمريكيين الذي يتبعون ويصنفون ويجمعون الأدلة على مواقع التواصل الاجتماعي لمارك زوكربيرج بهدف التنديد بعمليات نهب وتسويق جميع القطع الأثرية الفنية التي تعد من التراث العالمي. ومن أجل القيام بذلك، قاموا بمراقبة سلوك حوالي مليوني مستخدم على الفيسبوك، الذين جرى تنظيمهم في حوالي 95 مجموعة مبيعات، جمعوا منها أكثر من 3.600 صورة من التحف الموجودة في حوالي 3.538 إعلان.

علاوة على ذلك، تُسهّل الميزات التي يوفرّها الفيسبوك، عمل ناهبي الآثار. وبحسب الباحثين، تعمل خوارزمية الشبكة الاجتماعية كسلاح ذو حدين. فمن ناحية أولى، بمجرد أن يتمكنوا من تحديد إحدى المجموعات التي جرى الإعلان فيها عن نهب القطع الأثرية، تمدهم الشبكة الاجتماعية بمجموعات أخرى مماثلة. ومع ذلك تطلب بعض هذه المجموعات دفع "خمس" مقابل الدخول.

منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في سنة 2012، بدأت هذه المجموعة في العمل مع مؤرخين كانوا على الأرض لتتبع القطع الأثرية للحضارات الإسلامية والمسيحية واليهودية واليونانية والرومانية

تعد عبارة "خمس" كلمة عربية يستخدمها تنظيم الدولة، حيث تعني الضريبة. وفي حالة مجموعات الفيسبوك، يعد الخمس نوعًا من رسوم الدخول التي تمنح الحق في النفاذ إلى المجموعة التي تجري فيها عمليات بيع التحف والتي يشارك فيها الأعضاء نصائح حول أفضل الطرق لسرقة ونقل القطع الأثرية المتنوعة من مكانها الأصلي. وعادة ما تكون هذه الأماكن موجودة في بلدان مثل سوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن أو مصر.

من خلال إجراء بحث شامل على مدار أشهر، وضعت هذه المجموعة المتكونة من علماء أمريكيين قطعًا للبيع في مستوطنات أثرية تسيطر عليها مجموعات مثل هيئة تحرير الشام، وهي منظمة جهادية سلفية شاركت في الحرب السورية يقع مركز العمليات الخاصة بها في منطقة إدلب، على الحدود مع تركيا.

بالإضافة إلى ذلك، نجح هؤلاء الأطراف في إثبات العلاقة بين هذه الجماعات وغيرها من المنظمات الإرهابية، على غرار تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، التي تعمل منذ بداية تمردهم على استغلال عمليات بيع القطع الأثرية لتمويل حربها. ومع ذلك، دفع فقدان أراضي هذه الجماعات في الشرق الأوسط، كثمرة لضغط سوريا والعراق والمليشيات الكردية، الإرهابيين والمهربين إلى استخدام الفيسبوك كمنصات للتسويق للأعمال الفنية المنهوبة.

ومنذ اندلاع الحرب في سوريا في سنة 2012، بدأت هذه المجموعة في العمل مع مؤرخين كانوا على الأرض لتتبع القطع الأثرية للحضارات الإسلامية والمسيحية واليهودية واليونانية والرومانية، التي تقع في المنطقة. وعلى مدار هذه السنوات، تمكنت المجموعة من اقتفاء أثر العديد من القطع الأثرية، بداية من المباني التاريخية والحفريات، مرورًا بالمجموعات التي تبيع هذه القطع على الفيسبوك، وصولا إلى منتديات بيع الأسلحة والمعدات العسكرية كخطوة سابقة لإنهاء عملية البيع على الشبكة الاجتماعية.

يعد القرب من المواقع الأثرية حقيقة يجري الإعلام عنها في مجموعات الفيسبوك، وهي ميزة إضافية تسمح لهم بالوصول مباشرة إلى المواد ذات الجودة العالية.

هذا هو الحال بالنسبة للفسيفساء الرومانية المثيرة للانتباه التي تحمل صورة رجل يمارس العلاقة الحميمة مع حورية البحر. ويعود أول ظهور لهذه اللوحة وعرضها للبيع على الإنترنت، إلى حزيران/يونيو سنة 2017 في سوريا. ومنذ تلك اللحظة، اختفت اللوحة لمدة سنتين لتظهر من جديد في شريط فيديو في كانون الثاني/يناير 2019، وهذه المرة في إسطنبول. وبحسب البيانات التي تم جمعها في هذا التقرير الأخير، هناك أكثر من ثلث مجموعات الفيسبوك في المناطق التي تشهد نزاعات، وحوالي 44 بالمئة في البلدان المجاورة لها.

علاوة على ذلك، يعد القرب من المواقع الأثرية حقيقة يجري الإعلام عنها في مجموعات الفيسبوك، وهي ميزة إضافية تسمح لهم بالوصول مباشرة إلى المواد ذات الجودة العالية. ومن جهته، يعدّ اللصوص والإرهابيون حسابات على الفيسبوك حيث يظهرون في مواقع تاريخية تقع في مناطق الحرب.

في المقابل، في بعض الأحيان، يقوم هؤلاء المجرمين بنشر مقاطع فيديو يظهرون فيها أثناء مشاركتهم في عمليات النهب في المواقع الرومانية أو الحفريات المصرية. في غضون ذلك، ينتظر المشترون بعيدًا عن مكان الحرب، على بعد آلاف الأميال، في مدن مثل إسن (ألمانيا)، ليون (فرنسا) أو راندرس (الدنمارك) ينتظرون صفقات حقيقية مثل عملة ذهبية رومانية مقابل 300 دولار التي ستساهم في تمويل آلية الإرهاب.