ضعف في الإقبال، ومن يذهب للتصويت يسهل عليك بمجرد رؤيته معرفة أنه غالبًا لن يعيش ليرى أثر صوته، الإعلاميون يفقدون عقولهم - وأخلاقهم - على الهواء، مصريات يرقصن في الشوارع على أنغام أغنية لمغنٍ إماراتي، وقبل أن ينتهي اليوم الثاني بنسبة تصويت لا تقترب من خُمس النسبة في الانتخابات التي سبقتها، تُعلن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية تمديد التصويت ليوم آخر، بالتوازي مع النداءات التي ارتفعت من مآذن القاهرة العريقة تحذر المصريين من غرامات مالية لمن لا يصوت في الانتخابات، والسيارات التي تحمل أبواقًا تسب المصريين داعية إياهم ألا يشمتوا بهم "الأعداء".

لم يكن ينقص العسكر في مصر سوى هذا المشهد الفاضح ليدرك أن الشعبية التي حصل عليها مرشحهم "عبد الفتاح السيسي" بسبب فشل الإخوان المسلمين في حكم مصر، لن تستمر على الإطلاق في ظل فشله هو الآخر في حكم البلاد. 

https://twitter.com/hamamou/status/471614000795779073

التوقعات التي تداولها كثيرون من أن السيسي - كمرشح للجيش - سيكون قادرًا على اجتذاب قوى الدولة العميقة لتقف في صفه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ليست حقيقية على ما يبدو؛ فطائفة الجيش التي قدمت السيسي للرئاسة، لن يمكنها الصمود أمام التحديات التي تواجهها. 

مصر التي تضج بالاضطرابات لا تمتلك مرشحًا لديه مشروع يمكن تطبيقه، "عبد الفتاح السيسي" يتحدث عن المصابيح الموفرة، وعربات الفاكهة، وكلما أغرق في التفاصيل، كلما ظهر فراغ مشروعه. 

أما "حمدين صباحي" فهو على الرغم من الأخطاء التي ارتكبها خلال الفترة السابقة، إلا أنه كان الخيار المفضل لكثير من الشباب، إلا أن الأكثر منهم من نفس فئتهم العمرية قاطعوا بشكل صارخ. 

البُعد الآخر لفشل الجنرال خلاف نفور المصريين هو فشل السلطة وأدواتها، "وائل عبد الفتاح" كتب في صحيفة السفير اللبنانية يقول "المشهد من هستيريا إلى هستيريا ومن ثقة في أن السيسي لا يحتاج إلى انتخابات تستدعي أدوات الدولة كلها (قرار حكومي بالأجازة للعاملين ثم تمديد الانتخابات ليوم ثالث + تهديد بعقوبات الممتنع من النيابة إلى الغرامة المالية + استدعاء القادة المحليين لشبكاتهم القديمة في حشد الأوتوبيسات)، وهو انتقال صادم لأجهزة تحلّقت حول السيسي لتشغل فراغًا أكبر منها، كما أن الإعلام هو كل ما لدى الجنرال الذي كان يريدها تفويضًا لا انتخابات، متخيلاً أنه ينادي للشعب عبر الشاشات (وهذا يشير إلى أنه يفتقد شبكات سياسية واجتماعية هي أساس الحكم)"

الشبكات السياسية والاجتماعية كان يمتلكها الإسلاميون، واستطاعوا في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية أن يصلوا بكتلتهم التصويتية وحدها إلى جولة الإعادة أمام مرشح نظام مبارك، الإسلاميون يرون - في غالبيتهم - أن الكتلة التصويتية المعادية لهم على طول الخط ستكون أقباط مصر، وهو رأي طائفيّ، لكنه يُفهم في سياق الثنائية التي يعيشها الإسلاميون بين الحق المطلق والباطل المطلق، لكن الأشد خطرًا هو أن تعتمد أجهزة الدولة ذلك الخطاب. 

"لميس الحديدي" إحدى الأصوات الإعلامية الصاخبة، في معرض بكائيتها في غياب المصريين عن الصناديق، دعت المسيحيين للتصويت قائلة إن البديل هو الإرهابيين، الحشد الطائفي بهذه الطريقة لا يشكل خطرًا على الإسلاميين أو على حمدين صباحي، لكنه يمثل خطرًا حقيقيًا على الدولة المصرية على المدى القصير والمتوسط.

لكن لماذا تستخدم لميس ورفقاؤها في الإعلام المصري - المُحددة وجهته مسبقًا من قبل "أبانا الذي في المخابرات" -  تلك اللهجة؟! ولماذا انتشرت تلك البكائية - المبهجة بالنسبة للثوار ومعارضي الانقلاب - على فضائيات النظام ووصلت إلى قنواته الرسمية كذلك؟! 

لا يمكن التنبؤ بالأسباب التي تجعل الإعلام المصري يضلع في تلك "المناحة"، في حين أنهم كانوا جميعًا قادرين على تخفيف حدة الهزيمة بالقول إن المصريين بالملايين في الشوارع، كما فعلوا سابقًا عدة مرات، خاصة "يوم التفويض"، لكن تحليلاً ساقه وائل عبد الفتاح في مقاله في السفير اللبنانية "ليس خافياً أن هناك قوى من الحلف السياسي والاجتماعي المساند للسيسي يريدونه من دون أسطورته، وفي احتياج إلى توصيل رسالة مفادها: (لقد وصلت بأدواتنا)".

هذا التحليل يبدو منطقيًا للغاية في الحالة بين أيدينا، فالسيسي ليس مرشح الدولة العميقة (ونعني بها مؤسسات الدولة غير المنتخبة) بكامل طوائفها، السيسي مرشح الجيش، والجيش هو الطائفة الأهم من طوائف الدولة العميقة، التي تبرز فيها طائفة الشرطة وطائفة القضاء وطائفة البيروقراطية، وإن كانت تلك الطوائف غير متجانسة في ذاتها إلا أنها تمثل مصالح فئات بينها مشتركات متعددة. 

ما يبدو جليًا من تلك البكائية، أن طوائف الدولة العميقة الأخرى ترسل رسالة لعبد الفتاح السيسي - رئيس مصر القادم - أن الشعب لم يشارك في الانتخابات كما تريد، وأنك لم تكن لتنجح لولا تضافر جهودنا لنحملك إلى القصر، وطبقًا للنظرية الميكيافيلية، فإن "لأمير يكون عبدًا لمن جاء به"، فإنه سيكون على السيسي ألا يفكر في الاستقواء بالجماهير، لأنهم لم يكونوا هناك حين احتاج إليهم، ولن يكونوا هناك حين يستقوي بهم، وعليه أن يعلم فقط من عليه أن يسأل العون حين يحتاج العون، ومن عليه ألا يخالف عندما يصل إلى السلطة. 

مع الوقت، يظهر أن عبد الفتاح السيسي ليس إلا واجهة لطوائف ذات مصالح متعددة، ليس من بينها "طائفة الشعب المصري" الذي لا يهتم أحدهم بما يريد. 

رغم أن أحد الكتاب على فيسبوك كتب يقول ساخرا "إن السيسي سيصل بمجهوده، بلا حاجة للتزوير ولا حتى للأصوات"، إلا أن هذا الأمر يحمل من الصواب أكثر مما يحمل من الخطأ، فالسيسي سيصل إلى القصر بمجهود أقل الطوائف عددًا، وأكثرهم كراهية للثورة ولمطالبها، وأقلهم حرصًا على مصلحة المجموع.

لكن السيسي سيحتاج لبعض التزوير لتحسين نسبة المشاركة لا لتحسين نسبة فوزه، وهذا سيكون دينَا على الجنرال لصالح طائفة القضاء التي يزداد أعداءها يومًا بعد يوم، أما طائفة الشرطة فإن دورها لم يتوقف طوال السنوات الثلاث الماضية، وسيحتاج إليها الرئيس الجنرال، ولن يستطيع التخلي عن الشرطة كطرف أصيل في الحكم، لن يلبث إلا أن يجلب عليه المزيد من الغضب الشعبي، مع عدم استطاعته كف أيديهم لو أراد.

لن يستطيع السيسي كذلك التخلي عن رجال الأعمال وداعميه في الإعلام الذين سيقدمون أنفسهم له كأعمدة لحكمه في الفترة القادمة.

إننا أمام نظام يعيد تشكيل ذاته، وبشكل أعنف كثيرًا من أي وقت مضى، وبمصالح أكثر وضوحًا وأكثر تنوعًا. 

وفي ذات الوقت، فإن هذه هي المرة الأولى التي يحكم فيها الجيش بهذا الشكل من الفجاجة، وهو لن يقبل بسقوط السيسي بسهولة؛ ولذلك فإن المرحلة القادمة قد تكون مرحلة صراعات وجودية، يظهر منها ما يظهر من جبل الجليد، يقل فيها الدور الشعبي لحده الأدنى منذ أيام الانتفاضة الأولى في 25 يناير، ويزداد فيها القمع من كل الطوائف لإثبات جدارتهم بالمشاركة في النظام الجديد.