ترجمة وتحرير: نون بوست

يعدّ "مصرف الاقتصاد الاجتماعي" في ألمانيا مصرفا تقدميا نسبيا لأن عملاءه هم في الغالب منظمات ناشطة في المجتمع المدني. ولكن عندما يتعلق الأمر بحرمان الفلسطينيين من حقهم في مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي والاستعمار، أعتقد أن المصرف من خلال هذا القرار قد انتهك الدستور الألماني، حيث أسكت صوت منظمة يهودية تتضامن مع الجماعات الفلسطينية في ألمانيا.

خلال الشهر الماضي، أغلق المصرف حساب منظمة تضامن يهودية تنشط في ألمانيا تُطلق على نفسها اسم "الصوت اليهودي للسلام العادل في الشرق الأوسط"، التي سبق لها أن حازت على "جائزة غوتنغن للسلام" لسنة 2019.

الإجراء السابق

خلال اجتماع مع رئيس مجلس إدارة المصرف هارالد شميتز، أفاد المسؤولين عن هذه المنظمة بأنه مضطر لأن ينأى بنفسه عن "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات". كما كشف أنه طُلب من عملاء آخرين أن يثبتوا عدم تأييدهم لهذه الحركة كتابيا، وهي خطوة تشير إلى أن هذا المصرف قد اضطلع بدور رقابي لإسكات أصوات الناشطين في هذه الحركة في ألمانيا، على الرغم من أن المصرف ينفي هذا التوصيف.

سبق لهذا المصرف أن اتخذ إجراءً ضد منظمة "الصوت اليهودي للسلام العادل في الشرق الأوسط" سنة 2016، حيث أغلق حساب هذه المنظمة ليعيد فتحه في السنة الماضية بعد ورود المئات من الرسائل الغاضبة من الناشطين والمنظمات، بما في ذلك العملاء الآخرين

في هذا الصدد، اتصل موقع "ميدل إيست آي" البريطاني بمصرف الاقتصاد الاجتماعي للحصول على مزيد من التوضيح. وقد أوضحت المتحدثة باسمه أن المصرف لم يطلب إطلاقا من هذه المنظمة أن تدين "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات"، وإنما طلب أن تعلن حيادها من الحملة التي أطلقتها هذه الحركة. وقالت المتحدثة: "لم يصدر المصرف أي بلاغ نهائي لأي من عملائه، كما أنه لا يضطلع بأي دور سياسي أو رقابي"، مضيفة أن المصرف هو "مؤسسة مالية محايدة سياسيا وملتزمة بمبدأ حرية التعبير... [لكن] لا تعتبر نفسها منصة مناسبة لخوض النزاعات الأيديولوجية أو الدينية ولا تسعى إلى تحقيق أي أهداف سياسية".

لكن لقد سبق لهذا المصرف أن اتخذ إجراءً ضد منظمة "الصوت اليهودي للسلام العادل في الشرق الأوسط" سنة 2016، حيث أغلق حساب هذه المنظمة ليعيد فتحه في السنة الماضية بعد ورود المئات من الرسائل الغاضبة من الناشطين والمنظمات، بما في ذلك العملاء الآخرين. ومن جهتها، استلمت المنظمة نسخا عن هذه الرسائل. ورافق قرار إعادة فتح الحساب المصرفي نشر إعلان مشترك أصدره كل من المصرف والمنظمة.

في وقت لاحق، ناشد البنك خبيرًا خارجيًا لإجراء تحقيق حول ما إذا كانت هذه المنظمة اليهودية معادية للسامية أم لا. وفي نهاية المطاف، انسحب "مركز أبحاث معاداة السامية في الجامعة التقنية" في برلين من التحقيق المطلوب. إثر ذلك، أصدر المصرف بيانًا يشير فيه إلى حاجة عملائه إلى أن ينأوا بأنفسهم عن حركة المقاطعة.

استهداف حرية التعبير

في الوقت الراهن، تدرس منظمة "الصوت اليهودي للسلام العادل في الشرق الأوسط" إمكانية رفع دعوى قضائية ضد المصرف لانتهاكه المادة الخامسة من الدستور الألماني، التي تضمن حرية التعبير والرأي. كما تنص المادة 18 على أن المنظمات التي تعمل على حرمان الآخرين من حرية التعبير وتكوين الجمعيات ستحرم نفسها من التمتع بتلك الحقوق.

أصدر فيليكس كلاين، الذي عُيّن مفوضا حكوميا لمكافحة معاداة السامية، تحذيرا لليهود بعدم ارتداء "باليارمولكه" في الأماكن العامة في ألمانيا، بحجة أنه لم يعد الوضع آمنًا وسط تصاعد الهجمات المعادية للسامية

باتت الرقابة المكارثية واسعة الانتشار في ألمانيا، حيث تسارعت وتيرتها بعد أن وافق البرلمان الألماني على قرار يضع "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات" ومعاداة السامية في الخانة ذاتها.

مؤخرا، أصدر فيليكس كلاين، الذي عُيّن مفوضا حكوميا لمكافحة معاداة السامية، تحذيرا لليهود بعدم ارتداء "باليارمولكه" في الأماكن العامة في ألمانيا، بحجة أنه لم يعد الوضع آمنًا وسط تصاعد الهجمات المعادية للسامية. لقد عمل كلاين بشكل وثيق مع وزارة الشؤون الاستراتيجية والدعاية الإسرائيلية لتركيز الموارد الألمانية للدفاع عن السياسة الإسرائيلية، بدلا من مكافحة معاداة السامية.

 يُلقي الزوار نظرة على نموذج قبة الصخرة في المتحف اليهودي في برلين في سنة 2017.

كان المتحف اليهودي في برلين مؤخرا هدفا آخر للهجوم الداعم لـ"إسرائيل" على حرية التعبير بالنسبة لليهود في ألمانيا. ففي الواقع، يركز المتحف، الذي يعد مؤسسة ليبرالية وتعددية، على الحياة اليهودية في ألمانيا، بدلا من التركيز على "إسرائيل".

خلال السنة الماضية، أُلغي حدث كان من المقرر تنظيمه في المتحف بعد تدخل السفارة الإسرائيلية بحجة أن المتحدث المشارك يؤيد حركة المقاطعة. وفي شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، مارس رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ضغوطا على الحكومة الألمانية لوقف تمويل هذا المتحف. وحين أرسل المتحف تغريدة بخصوص عريضة قدمها باحثون يهود انتقدوا فيها قرار البرلمان الألماني بوضع حركة المقاطعة في الخانة ذاتها مع معاداة السامية، أُجبر مديره بيتر شافر على الاستقالة على جناح السرعة.

دعم "إسرائيل"

في السابق، كان التزام السياسيين والمنظمات الألمانية بالسياسة المؤيدة لـ"إسرائيل" يرتكز بالأساس على الشعور بالذنب إزاء الهولوكوست. لكن في سنة 2008، ألقت المستشارة أنجيلا ميركل خطابا في الكنيست الإسرائيلي أشارت فيه إلى مسؤولية ألمانيا في دعم "أمن إسرائيل". ويتجسّد كلامها بشكل واضح في صفقات الأسلحة التي أُجريت بين ألمانيا و"إسرائيل"، بما في ذلك الغواصات التي تعتبر ذات أهمية بالغة في صناعة الأسلحة الألمانية.

في الواقع، لا عجب أن هذه الإجراءات ترافقت مع دعم ألمانيا الآلي لجميع أشكال السياسة الإسرائيلية، بما في ذلك رفضها الاعتراف بدولة فلسطين، وهو ما يتعارض مع تصريحات المسؤولين الألمان حول دعم حل الدولتين. ويبدو أن "إسرائيل" تضغط حاليا على الحكومة الألمانية ومصرف الاقتصاد الاجتماعي والصحف والمؤسسات الدينية الألمانية للانتقال إلى مرحلة أكثر تطرفا من دعم "إسرائيل" والصهيونية، على الرغم من أن المتحدثة باسم المصرف نفت مزاعم تعرضه لضغوط إسرائيلية.

في ألمانيا الجديدة، لم يعد اليهود الذين لا يبدون وجهات نظر مؤيدة لـ"إسرائيل" يستحقون التعبير عن آرائهم. ولا يجوز لهم الحديث علنا. وسيحرمون من حقهم في امتلاك متحف يمثل ثقافتهم، وفتح حسابات بنكية. وهذا يعني أنه لا يُقبل سوى اليهود المؤيدون لـ"إسرائيل" في هذا المجتمع.

المصدر: ميدل إيست آي