يستعد الآلاف اليوم لدفن رفات 33 من ضحايا الإبادة الجماعية الذين تم التعرف على هوياتهم بفضل تحليل الـDNA، حيث سيتم دفنهم دفنًا كريمًا في النصب التذكاري ببوتشاري قرب سربرنيتسا التي حدثت بها مذبحة في تسعينيات القرن الماضي، وتوصف بأنها أفظع مذبحة حدثت في أوروبا خلال القرن العشرين.

مراسم الدفن في النصب التذكاري الذي يضم رفات ما يزيد على 6 آلاف و500 ضحية، في حين لا يزال أكثر من ألف في تعداد المفقودين؛ يسبقها مسيرة سلام للتضامن مع أسر الضحايا والناجين ومدتها 3 أيام يقطع خلالها آلاف البوسنيين والنشطاء القادمين من مختلف أنحاء أوروبا مسافة تقدر بنحو 110 كليومترات سيرًا على الأقدام لإحياء ذكراهم والتذكير بأبشع عملية قتل جماعي حدثت بالقارة العجوز.

التقينا بثلاثة نشطاء أجانب من المشاركين في تلك المسيرة للحديث عن تجربتهم والأسباب التي دفعتهم لخوضها.

المشاركة في هذه المسيرة ليست بالتجربة السهلة بأي حال، لكنها منحتها نظرة عميقة عن الإبادة الجماعية من خلال الاحتكاك مع أهل البوسنة والناجين من المذبحة

تقول آن بوتر وهي امرأة أمريكية في العقد السادس من عمرها وتعمل مدرسة لغة إنجليزية للاجئين وطالبي اللجوء في الولايات المتحدة، إنها سمعت عن مسيرة السلام نحو سربرنيتسا من خلال مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أريزونا.

وترى أن المشاركة في هذه المسيرة ليست بالتجربة السهلة بأي حال لكنها منحتها نظرة عميقة عن الإبادة الجماعية من خلال الاحتكاك بأهل البوسنة والناجين من المذبحة، وتعتقد أنه لا يمكن فهم التجربة البوسنية إلا بمساعدة إنسان يتحدث اللغة وله صلة وثيقة بالأرض واللغة والتاريخ، لذا تقول إن هذه التجربة نابعة من رغبتها في فهم معاناة ضحايا الاضطرابات السياسية والحروب.

وعند سؤالها عن مشاعرها في أثناء السير بنفس الطريق الذي سلكه الضحايا والناجين من المذبحة، أجابت بأن المسيرة صعبة للغاية وأنها لم تقم بالتحضير الكافي للسير بين الجبال حيث فقد الكثيرون حياتهم، وأضافت قائلة: "رؤية المقابر الجماعية فكرة مرعبة، لكن عندما رأيت كرم البوسنيين وتقديرهم لآلاف النشطاء الذين جاءوا للتضامن مع الضحايا عرفت كيف يمكن أن تستمر روح الإنسانية بغض النظر عن روعة التجربة نفسها".

آن تملكتها مشاعر الحزن خلال مشاركتها في مسيرة السلام لكنها فضلت التركيز على إنهائها بدلاً من الاستسلام، فتذكر أنها في صباح أحد أيام التخييم للمسيرة استيقظت وهي تشعر بحزن عميق وتساءلت كيف يمكن للبوسنيين الذين عانوا من جنون الصرب التعايش مع هذه الذكريات كل يوم!

لكنها ترى أن المجهود الذي بذله النشطاء لإظهار دعمهم لأهل البوسنة يرسل رسالة مفادها "أنهم لن يتم نسيانهم"، كما أن المشاركة في المسيرة ساعدت آن على فهم طبيعة الحرب رغم تعقيداتها باعتبارها آتيه من دولة بعيدة كليًا عن مكان اندلاع الحرب في البوسنة، كما ساعدتها على فهم ما حدث في الحرب عن قرب من خلال فهم الموقع الجغرافي والتاريخ وثقافة الشعب البوسني.

معاناة الناس في سربرنيتسا الذين عانوا من حصار خانق خلال فترة الحرب التي اندلعت عام 1993 أصبحت مفهومة بالنسبة للمعلمة الأمريكية التي تؤكد أن الحرب أضرت أيضًا بالصرب والكروات، مؤكدة أنه رغم أن الحرب تسببت بآلام لجميع الناس في البوسنة فإن المشاركة في مسيرة السلام الصعبة وإظهار الدعم الإيجابي للأشخاص الذين عانوا خلقت نوعًا من الدعم والتضامن معهم، فمسيرة السلام أدت لمتاعب جسدية ونفسية لكنها استمتعت بتضافر الناس واتحادهم بعيدًا عن اتجاهات الحكومات.

أما نورمان بيندلي وهو أستاذ جامعي يبدو في منتصف العقد السادس من العمر ويعمل في إحدى الجامعات الكندية وتخصصه في علم اللغويات، يحرص على المشاركة في مسيرة السلام السنوية لإحياء ذكرى ضحايا سربرنيتسا بشكل شبه سنوي منذ معرفته بتنظيمها.

روي لنا العجوز الكندي حكايته وكيف وجد طريقه إلى البوسنة لأول مرة وأصبحت تلك المسيرة وجهته لقضاء إجازته الصيفية من العمل بالجامعة، حيث بدأت قصته حين التقى برجل بوسني في مؤتمر دولي وسرعان ما أصبحوا أصدقاءً ودعاه لزيارة مدينته "سراييفو".

لبى الرجل الكندي الدعوة وكان لأول مرة يعرف عن الحرب الطاحنة التي دارت رحاها لمدة 3 سنوات ونصف والأصعب على نفسه كانت الإبادة الجماعية التي تعرض لها المسلمون البوشناق على يد قوات الصرب وصرب البوسنة، ويستطرد كيف أن حكايات صديقه أثرت به وجعلته يشعر أن هناك شيئًا ما يحتاج أن يقدمه هنا على الأقل لتأبين الضحايا وتذكير العالم بهم.

قرر نورمان المشاركة في المسيرة السنوية لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية في البوسنة للعام الثالث على التوالي، وها هو ذا يحاول توفير منح لعدد من طلاب الجامعة والباحثين في كندا حتى يشاركوا في هذه المسيرة ويعرفوا المزيد عن سربرنتيسا.

قال أيضًا: "كل دولة قادرة على إلهام العالم، يوغسلافيا أدهشت العالم بجرائمها في دول البلقان، وكندا أيضًا تقدم مثالاً رائعًا في التسامح والتعايش".

أما ماليسيا دايمون وهي تعيش في بريطانيا وتعمل بإحدى منظمات المجتمع المدني التي تدعم الأطفال السوريين المصابين بالتوحد تقول إنها شاركت في مسيرة السلام بعد مقابلة صديقة بوسنية عاشت كلاجئة بعد الحرب في البلقان، وتأثرت بقصتها عن الصراع بهذه المنطقة، فلم تكن تعرف عن الحرب سوى القليل لذا قررت المشاركة في مسيرة السلام لمعرفة المزيد عن قصتها.

أما عن مشاعرها وهي تسير في "مسيرة الموت" حيث تعرض آلاف البوسنيين من الرجال والصبية لعمليات القتل الجماعي من خلال القنص وزرع الألغام على جانبي الطريق الذي سلكه الضحايا أثناء محاولتهم الحرب وتسميم مياه الأنهار، فتقول مليسيا إنه من الصعب تصور أن هذا الطريق هو نفسه الذي حدثت به عمليات القتل.

تعتقد مليسيا أيضًا أنها تجربة قوية ويجب على الجميع خوضها مرة واحدة في العمر على الأقل قائلة: "من السهل نسيان التاريخ الذي حدث في الشوارع التي نمر بها يوميًا لكن عندما ننسى التاريخ، لا بد لنا من تكرار وتذكر وقائعه من خلال وضع أنفسنا مكان الآخرين".

الناشطة مع اللاجئين السوريين ترى أن تطوير التعاطف يمكن تطبيقه على اختلاف الظروف واستخدامه لبناء التفاهم المتبادل.

أما عن شعورها بعد خوض التجربة فتقول مليسيا إنها فرصة فريدة لفهم أشياء لم تستطع الحصول عليها من خلال متابعة الأخبار فقط، لكن من خلال تصور وضع الآخرين يمكن حشد التعاطف والتطوير لبناء فهم مشترك بين الشعوب من مختلف البلدان.