كان الجانب الاقتصادي لتركيا أول ما عمل عليه نجم الدين أربكان، مؤسس حزب الرفاه الذي استلم من خلاله رئاسة الوزراء بين عاميّ 1996 و1997، صبّ خلالها كل جهوده على إعلاء الاقتصاد التركي بالعمل على سياسة مختلفة تقوم على استخدام الموارد الموجودة وتصديرها إلى الخارج لسد العجز الداخلي وتحويل دفة الاقتراض إلى الداخل، كما فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية في البلاد متنبأ باقتصاد قوي لبلاده إن استطاعت الاعتماد على مواردها في التصنيع والتصدير والتجارة. 

تعتبر هذه البداية الأبرز في تاريخ تركيا الحديث، عبر خطة مدروسة تضم الكثير من الطرق من بينها تمكين الأيدي العاملة وتحويل الموارد الطبيعية كالمعادن والإنتاج الزراعي إلى صادرات يُعتمد عليها، ومن ثم الالتفات لفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية في تركيا، والعربية على وجه الخصوص، بتشكيل مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية: إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجيريا وبنغلاديش وماليزيا، في خطوة نحو اتفاقات سياسية واقتصادية وفكرية تجمع تركيا بالعالم العربي، عمل أربكان على تشكيلها. 

ومع حلّ حزب الرفاه وظهور أحزاب جديدة كثيرة في الساحة التركية، كان حزب العدالة والتنمية الحاكم حاليًّا، واحدًا من هذه الأحزاب التي استطاعت الصمود لـ20 عامًا، وبقي متمسكًا بالكثير من أهداف الرئيس أربكان وتبنى خططه ومشاريعه الاقتصادية بتوجيه أقوى وأسرع نحو استقطاب الاستثمار والمشاريع العربية والأجنبية بشقيها الخاص والحكومي في عدة مجالات يصب أغلبها في مصلحة الاقتصاد والعملة التركية.

هناك ما يقارب 10 بنوك استحوذت عليها شركات ومجموعات عربية خلال الـ40 سنة الماضية

مصب رؤوس الأموال العربية في تركيا

يأتي شراء البنوك على رأس المشاريع الضخمة التي بدأت قبل سنوات طويلة، استكملت مؤخرًا حين اشترت مجموعة QNB القطرية 99.8% من أسهم بنك finansbank بقيمة 2.75 مليار يورو، خلال تصريح قدمته الشركة عام 2015 قالت به: "عملية الشراء هذه أتت في إطار تعزيز العلاقات التجارية بين تركيا والشرق الأوسط وأنها ستعود بالفائدة على علاقة تركيا بدولة قطر، وهذا بالطبع يعكس ثقة مجموعة QNB في الإمكانات طويلة الأجل للقطاع المصرفي التركي والاقتصادي". 

فيما قال رئيس مجموعة QNB، أحمد علي الكواري: "هذا الاستحواذ أساسي لرؤيتنا المتمثلة في أن تصبح QNB أيقونة للشرق الأوسط وإفريقيا بحلول عام 2017، ورفع بنك finansbank إلى مستوى المنافسة العالمية". 

تعد مجموعة QNB أكبر بنك في قطر بنموها المطرد، المؤسسة المالية الرائدة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والعلامة التجارية المصرفية الأكبر قيمة، وتتميز أيضًا بأنها من بين الشركات العالمية الأعلى تصنيفًا في السوق المحلية بتركيا، وقد أعطاها شراء Finansbank، نشاطًا أوسع في أكثر من 30 دولة في 3 قارات وأكثر من 1200 مكان عمل وتوظيف 27300 موظف. 

رغم الانفتاح الحاصل بين الدول العربية وتركيا، فإن حجم الاستثمارات بين الجانبين لا يتناسب لا مع قربها الجغرافي ولا علاقاتها التاريخية

ليست عملية البيع هذه الأولى أو الوحيدة من نوعها، فهناك ما يقارب 10 بنوك استحوذت عليها شركات ومجموعات عربية خلال الـ40 سنة الماضية، يأتي بنك البركة البحريني وT-bank الكويتي الذي افتتح في إسطنبول عام 1958 على رأسها، وآخرها استحواذ Sberbank الإماراتي على 99.85% من ملكية بنك Denizbank التركي، العام الماضي، ليكون في المرتبة الـ11 من بين عمليات بيع البنوك، بقيمة 15.41 مليار ليرة تركية، العملية التي من شأنها أن تنتهي بحلول نهاية الربع الثاني من عام 2019 رهنًا بموافقة السلطات التنظيمية، حسب بيان صدر عن البنك الوطني الإماراتي. 

يؤثر شراء البنوك التركية واستثمار رؤوس الأموال العربية فيها بفتحه طريقًا واسعًا أمام التدخل الاقتصادي العربي في السوق المحلية التركية لأهدف من شأنها وضع البنوك التركية في مستوى موازٍ لكبرى البنوك العالمية سواء كان استحواذًا كاملًا أم جزئيًا في وسط تتنافس عليه الاستثمارات العربية مع الأوروبية والأمريكية المسيطرة بالفعل أو الآسيوية المتزايدة في السنوات الأخيرة.

أموال الشركات الأجنبية في السوق التركية  

في الوقت الذي كان فيه إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا يصل 15 مليار دولار أمريكي عام 2002 أتى الأداء المؤثر على صعيد النمو والإصلاحات الهيكلية ليساهم في جذب استثمارات أكبر في مجال البناء وتأسيس الشركات وتشغيل الأموال في السوق التركية، إذ ارتفع عدد الشركات ذات رؤوس الأموال الأجنبية من 5600 شركة عام 2002 ليصل إلى 58400 شركة نهاية 2017، احتلت تركيا من خلالها المركز السابع ضمن أكثر الوجهات جذبًا للاستثمار في أوروبا. 

يأتي فتح أبواب الاستثمار بشراء العقارات وزيادة الإقبال عليها من ضمن الخطط التي احتفظت بها تركيا كورقة يمكن أن تكون الأخيرة والأقوى

فيما يشكل شراء الأسهم وبيعها الحجر الأساس في احتساب قيمة الاستثمار الأجنبي، فقد أعلنت وزارة الصناعة والتكنولوجيا أن إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال الأشهر التسع الأولى من عام 2018 بلغ 8.1 مليار دولار بينما كانت 7.76 مليار خلال الفترة ذاتها من 2017، ووصل صافي تدفق الأرباح للأسواق المحلية إلى 1.06 مليار دولار بفضل 4918 شركة جديدة، استفادت منها 87 شركة محلية تركز أغلبها بين دول أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الخليج، مع ازدياد ملحوظ في حصة آسيا.

استثمار العقارات بمقابل مشروط

يأتي فتح أبواب الاستثمار بشراء العقارات وزيادة الإقبال عليها من ضمن الخطط التي احتفظت بها تركيا كورقة يمكن أن تكون الأخيرة والأقوى في خطة إعلاء اقتصادها، إذ خففت شروط تقديم الحصول على الجنسية التركية عن طريق الاستثمار أو شراء عقار، العام الماضي، فاتحة الأبواب أمام المستثمرين الجدد في السوق التركية، وخفضت القيمة التي تتيح الحصول على الجنسية من مليون دولار إلى 250 ألف دولار مع شرط عدم بيعه لمدة ثلاث سنوات. 

بالإضافة إلى عدة قوانين جديدة يمكن الحصول من خلالها على الجنسية، منها استثمار ثابت بقيمة 500 ألف دولار، بدلًا من مليوني دولار في السابق أو إيداع 500 ألف دولار في البنوك التركية لمدة ثلاث سنوات، بدلاً من ثلاثة ملايين دولار مقارنة فيما مضى. 

ثمة أسباب عديدة للزيادة المطردة في طلب الجنسية التركية عبر الفرص الاستثمارية من بينها أن الشروط المقررة أسهل مقارنة بباقي الدول

وقد أثمرت هذه القوانين نتائج جيدة جدًا وجذبت الكثير من المستثمرين ورجال الأعمال الكبار أو حتى الطبقات الغنية نحو الاستثمار بالعقارات، حيث أوضحت معطيات هيئة الإحصاء التركية، عن مبيعات العقارات، أن الأجانب في تركيا اشتروا خلال فبراير الماضي 3 آلاف و471 عقارًا، مقارنة بـ1729 عقارًا في فبراير 2018، بينما تصدرت إسطنبول المدن الأكثر مبيعًا للعقارات وارتفع الشراء فيها بنسبة 138.4% بزيادة من 604 عقارات إلى 1440، تلتها أنطاليا بـ672 عقارًا، ثم العاصمة أنقرة بـ196 عقارًا، وبعدها بورصة بـ192. فيما يأتي العراقيون على رأس قائمة الأكثر شراءً بواقع 628 عقارًا، ثم الكويتيون بـ150 عقارًا من بين أكثر الدول العربية استثمارًا في تركيا. 

حسب الإحصاءات الأخيرة لهيئة الإحصاء التركية، فثمة أسباب عديدة للزيادة المطردة في طلب الجنسية التركية عبر الفرص الاستثمارية من بينها أن الشروط المقررة أسهل مقارنة بباقي الدول، وهو ما يجعل منها فرصة مناسبة.

ربما من الأجدر في المثال التركي التركيز على الطريقة التي استقطبت بها تركيا الاستثمارات من كل العالم بغض النظر عن أصله ونوعه، إذ إنها ورغم اهتمامها بالاستثمار العربي فإنها فتحت المجال على أوسع نطاق لكل أنواع الاستثمار وأصوله الأوروبية والعربية والآسيوية مركزة على ما سيضيفه من قيمة وفرص عمل.

فيما تعود أسباب هذا الانفتاح والسعي المتواصل إلى إدراك الحكومة لقصر التجربة الاقتصادية للبلاد مقارنة بما هي عليه في الكثير من الدول، بالإضافة لخطورة المطبات التي تمر بها لأسباب داخلية أو خارجية تدفعها للمحاولة قدر المستطاع لتهيئة الظروف والمناخ الاقتصادي الملائم وحجم الملاءة المالية للدولة والاستقرار السياسي مما سيجلب بالطبع الأموال من كل حدب وصوب.