موجودون في جميع أنحاء العالم ولكنهم ظلوا على هامش الحياة والمجتمع يتنقلون بلا توقف من بلد لآخر، دون أن يمتلكوا وثيقة سفر أو هوية شخصية، يكفي أن يخبروا ضابط الحدود بأنهم من الغجر أو النور أو الروما كما يُطلق عليهم ليمروا ويعبروا إلى رحلة جديدة نحو البساطة والاختلاف أو باتجاه التشرد والعذاب، كما يرى البعض.

رغم أنهم مثل أي مجتمع، فيه الصالح والطالح، فإن العديد من الصور النمطية ارتبطت بهم وباتت التصورات السائدة عنهم، وذلك بغض النظر عن موطنهم ومنشأهم، إذ غالبًا ما تتمحور هذه الأفكار بشأن سلوكيات سلبية انتشرت لدى بعض الجماعات منهم، ولكنها أصابت سمعة الكل مثل السحر والشعوذة والسرقة والمتاجرة بالنساء والتسول، ما جعل المجتمعات غير الغجرية تنظر إليهم بدونية.

من أين أتى الغجر؟

تختلف تسميتهم من مكان لآخر، ففي العراق يطلق عليهم اسم "كاولي" تحريفًا لكلمة "كابلي" نسبة إلى كابل عاصمة أفغانستان، وهي إحدى أهم المدن التي مر عليها الغجر، أما في بلاد الشام فيطلق عليهم "نوري"، وتختلف أسباب التسمية، فبعضهم يعتقد أنها جاءت من كلمة "النور" لأن الغجري معروف بملابسه الملونة المفرحة وبارتباطه بالرقص وأجواء الفرح، أما البعض الآخر فيرى أنها نسبة لأهم قبيلة لدى الغجر وهي "لوري".

ويقدر عددهم بـ30-40 مليون نسمة، تقطن الغالبية منهم في ضواحي المدن الكبيرة والأراضي النائية والمساحات التي تفصل بين حدود الدول

يقال بأن كان هناك مصاهرة سياسية جمعت بين ملك بلاد فارس وملك الهند قبل آلاف السنين وتحديدًا في القرن الثامن الميلادي، وفي ذاك الوقت احتاج ملك بلاد فارس أن يضيف إلى مجلسه بعض أجواء الرقص والغناء، وما كان من ملك الهند إلا أن أرسل له 12 ألف غجري لتلبية رغبته، وبالفعل هاجر إليه هؤلاء، واستقبلهم الملك وقدم لهم المواشي والقمح ليعتاشوا منه ويستقروا في البلاد.

لكن بعد فترة وجيزة عادت هذه الجماعة إلى الملك وأخبروه بأنهم لا يملكون طعام ولا صنعة، فغضب منهم الملك وطردهم من بلاد فارس، لينتشروا بعد ذلك في شتى أنحاء العالم، فلقد هاجروا وانشطروا إلى 3 أقسام، جزء ذهب إلى أوروبا، والجزء الآخر توجه إلى منطقة الشرق الأوسط، والأخير ذهب إلى شمال إفريقيا، ويقدر عددهم بـ30-40 مليون نسمة، تقطن الغالبية منهم في ضواحي المدن الكبيرة والأراضي النائية والمساحات التي تفصل بين حدود الدول.

ولم تتغير أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية منذ قرون، فلطالما تمت معاملتهم كعبيد للملوك والأغنياء لا سيما في رومانيا، وحاليًّا لا يزالوا يعانون من التهميش والاحتقار الاجتماعي بسبب خروجهم عن إطار العادات والتقاليد الاجتماعية وعدم انصياعهم لقوانين الدولة واحترامهم للأعراف العامة، إلا أن الباحثين في نمط حياتهم وعاداتهم استطاعوا أن يفسروا لنا جزئيًا سبب هذا الاختلاف ونظرتهم الخاصة لتصرفاتهم المذمومة.

أوروبا كانت عاملًا أساسيًا في انتشار الخرافات والأساطير عنهم التي رسخت مشاعر العداء والكراهية تجاه الغجر وحرمتهم من حقوقهم حتى اضطروا إلى ممارسة الاحتيال والغش من أجل البقاء على قيد الحياة

فوفقًا لكتاب "الغجر.. ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب" للمؤلف جمال حيدر، فإن "السرقة، العلامة الأكثر دلالة على الغجر في المخيلة الجمعية، لكن رؤية الغجر تتمايز عن غيرهم لمفهوم السرقة، حيث يعتبرون أن كل الأشياء الموجودة في الطبيعة هي ملك الخالق وحده وللإنسانية جمعاء، وبالتالي ليس من حق أحد أن يتهمهم بالسرقة، خاصة أنهم تعودوا خلال رحلاتهم المتواصلة على التقاط كل شيء يمكن تناوله أو الاستفادة منه".

ويضيف إلى ذلك "ثمة جماعات غجرية تمارس السرقة كمهنة مثل بقية المهن للحصول على ما يلزمهم للاستمرار في البقاء"، ويشير إلى أن "الغجري لا يعتبر سارقًا لدى جماعته إلا إذا سرق ما هو ليس في حاجة إليه، أو حين يسرق من هو أفقر منه، ويعتبرها الغجر جريمة يجب معاقبة الجاني عليها".

كما يذكر بأن أوروبا كانت عاملًا أساسيًا في انتشار الخرافات والأساطير عنهم من خلال 3 قوى وهي الكنيسة والدولة والنقابات الحرفية التي رسخت مشاعر العداء والكراهية تجاه الغجر وحرمتهم من حقوقهم حتى اضطروا إلى ممارسة الاحتيال والغش من أجل البقاء على قيد الحياة، وهو ما استغلته السلطات الحاكمة للتقبيح في سمعتهم.

أبرز عاداتهم وتقاليدهم الشعبية

بحسب الكتاب، عُرف عن الغجر ارتباطهم العميق بالموسيقى، عزفًا ورقصًا وغناءً، وكانت مواهبهم سببًا رئيسيًا في حصولهم على قدر من التسامح والصفح، ويتضح ذلك من خلال المهرجان السنوي الذي تقيمه تركيا في بعض مدنه إحياءً للتراث والعادات الغجرية، إذ يكثر في هذا اليوم الرقص والغناء وارتداء الملابس الملونة والمبهجة كجزء من هويتهم، وعادةً ما تغلب مشاعر الحنين على أغانيهم التي تتحدث عن الحب والفقر والطرق الطويلة والحرية.

ويتميزون بلون بشرتهم السمراء ومطابقة لون شعرهم مع لون بشرتهم، كما يعرفون بعيونهم اللامعة وأسنانهم البراقة ومناكبهم العريضة وقصر قامتهم نسبيًا، ويلفتون الأنظار بملابسهم وزينتهم المشابهة للقرويين والهنود في الألوان والتطريزات.

المثير للاهتمام مدى تعلقهم وارتباطهم بأفراد الأسرة والأقارب بشكل عام، فهم يسعدون بإنجاب الفتيات، لاعتقادهم أنها سبب وجودهم وتكاثرهم وعلى ذلك يعتبرون المرأة العنصر الأساسي في العائلة، فعادةً ما يقطن الزوج عند أهل زوجته وليس العكس، وتعتمد الأسرة عليها ماديًا ولذلك تمارس أعمالًا مختلفة مثل الرقص والغناء وبيع الورد وغيرها من المعاملات التجارية البسيطة.

يعتقد الغجر أن الموتة في الفراش فعل لا يليق بالغجري وعليه أن يموت خارج المنزل أو الخيمة حتى تنقل روحه إلى العالم الآخر، وفي بعض التقاليد، تُحرق الخيمة حزنًا على الميت ويتم التخلص من متعلقاته

أما بالنسبة لعادات الزواج، لا تحبذ جماعات الغجر زواج الغجري أو الغجرية من غير الغجر، وتعتبره من الأفعال المشينة، إذ تطرد المرأة الغجرية من الجماعة، في حين تكون العقوبة مخففة بالنسبة للغجري الذي اقترن بامرأة غير غجرية، التي تقابل بالكراهية والازدراء والتهميش من الجماعة على مدى سنوات طويلة، بحسب ما يذكر الكتاب، وأحيانًا قد تتعرض للقتل بسبب مخالفتها لأعراف القبيلة، ولذلك فإن الزواج التقليدي هو الأكثر شيوعًا بينهم.

وفيما يخص الموت، يعتقد الغجر أن الموتة في الفراش فعل لا يليق بالغجري وعليه أن يموت خارج المنزل أو الخيمة حتى تنقل روحه إلى العالم الآخر، وفي بعض التقاليد، تُحرق الخيمة حزنًا على الميت ويتم التخلص من متعلقاته وأغراضه الشخصية مثل الملابس والعربة والحيوانات، ولا يجوز توارثها بأي شكل من الأشكال.

بالنهاية، جدير بالذكر أن بعض أفراد هذه الجماعة خرجوا من دوائرها واستطاعوا الاندماج بالمجتمعات الأخرى، سواء من خلال دخول المدارس أو العمل بوظيفة معينة وتغيير المظهر الخارجي، ولكنهم ظلوا على علاقة وثيقة مع قيمهم الداخلية والطباع التي تربوا عليها، ولا داعي للذكر أن الأمر ليس هينًا تمامًا مع وجود الكثير من التصورات السلبية عنهم واتساع الفجوة بينهم وبين المجتمعات غير الغجرية.