منذ أن بدأ الجنرال المتقاعد خليفة حفتر هجومه الأخير على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل/نيسان 2019، حاولت روسيا، التي سعت للظهور كوسيط محايد في الصراع الليبي، ولا تزال تصر على هذا الموقف، أن تتراجع عن القضية الليبية، واكتفت بعرض فكرة المصالحة بين الأطراف المتناحرة، لكن هذا لم يُخف ترجيحها لكفة المعسكر الذي تفضل، وباتت تراهن على الجنرال المتقاعد خليفة حفتر. 

دعم خفي لحفتر

خلال الأشهر الثلاث الماضية، كان الدبلوماسيون الروس يدلون بتصريحات غامضة عن عملية حفتر العسكرية المستمرة ضد طرابلس، التي أدَّت إلى سقوط عشرات القتلى في هذا البلد الذي تمزقه النزاعات منذ سقوط نظام القذافي الذي دام 4 عقود.

فبعد يومين من بدء الهجوم، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في مؤتمر صحفي مع نظيره المصري سامح شكري في القاهرة: "لا يمكن لأحد أن يشجب أحد الأطراف أو يمدح طرفًا آخر في الصراع الليبي"، وأكد معارضته لما وصفها بـ"المواعيد المصطنعة" للتسوية في ليبيا،، في إشارة على الأرجح إلى "المؤتمر الوطني" الذي كان مقررًا عقده من 14 إلى 16 من أبريل/نيسان في غدامس بوسط ليبيا من أجل تحديد موعد للانتخابات التشريعية والرئاسية، لكن كما أرادات روسيا، اضطر المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة إلى إرجاء المؤتمر لأجل غير مسمى.

التصريحات الروسية الغامضة طغت عليها تحركات دبلوماسية صريحة دعمًا لحفتر، ففي 7 من أبريل/نيسان الماضي، منعت روسيا صدور بيان رئاسي عن مجلس الأمن الدولي الذي كان يدين هجوم قوات حفتر على طرابلس

في الوقت نفسه، وبعد اجتماعه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عندما سُئل لافروف عمَّا إذا كانت موسكو تدعم حفتر، أجاب بأن بلاده "لا تدعم أي طرف، بل جميع القوى السياسية الليبية بما فيها خليفة حفتر وفايز السراج، للتغلب على خلافاتهما الحالية، والتوصل إلى اتفاق مستقر للمصالحة بين الجانبين، وأنها (روسيا) لم تحاول الاعتماد على أي منهما"، وبعد جلسة الدفاع هذه، ألقى لافروف باللوم على حلف "الناتو" في الأزمة الحاليّة، وقال إن حملة الحلف عام 2011 في ليبيا أسفرت عن "الإرهاب والصراع والهجرة غير الشرعية ومجموعة كبيرة من القضايا الأخرى التي تعاني منها البلاد".   

ومع تصاعد الصراع في ليبيا، ظلت كلمات موسكو هادئة وعقلانية، فبعد أيام قليلة من زيارة لافروف إلى القاهرة، قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن روسيا ستستغل كل فرصة ممكنة لدعوة جميع الأطراف لتجنب التسبب في إراقة الدماء و "الوفيات في السكان المدنيين"، في تأكيد على تجنب روسيا اتخاذ جانب واضح في الصراع المتصاعد، في حين يدعم العديد من حلفائها أطرافًا مختلفة في النزاع: تركيا والجزائر، على سبيل المثال، تدعمان حكومة طرابلس المدعومة من الأمم المتحدة، بينما تدعم مصر والسعودية الجنرال حفتر.  

لقاء الجنرال خليفة حفتر بسيرجي لافروف في موسكو 

غير أن التصريحات الروسية الغامضة طغت عليها تحركات دبلوماسية صريحة دعمًا لحفتر، ففي 7 من أبريل/نيسان الماضي، منعت روسيا صدور بيان رئاسي عن مجلس الأمن الدولي الذي كان يدين هجوم قوات حفتر على طرابلس، طالبةً تعديل صيغة البيان بحيث يطلب من كل الأطراف الليبية المسلّحة وقف القتال لا من قوات حفتر فقط، في حين اعترف صُنَّاع السياسة الروس من القطاع الخاص بأن هذه العملية كانت "مغامرة سيئة التخطيط" وكان مصيرها الفشل، إلا أن الكرملين لم يكن على استعداد "لحرق الجسور" مع الجنرال المنشق وقرر تقديم الدعم الدبلوماسي له حفاظًا على مصالحها في ليبيا.

بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي الذي قدمته له موسكو، يحصل حفتر أيضًا على مساعدات روسية عامة أقل من خلال مجموعة "فاغنر" العسكرية الخاصة، الخاضغة لعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية، بحسب ما ذكرت صحيفة Telegraph، وذلك في محاولة روسية لحماية موانئ طبرق ودرنة لصالح الأسطول الروسي للتحكم في تدفق النفط إلى جنوب أوروبا، في حين لا يُخفي حفتر رغبته في السيطرة على حقول النفط ليصبح القائد الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

وأظهرت تقارير وسائل إعلام روسية جانبًا آخر من انحياز روسيا لحفتر في الخفاء، فقد ذكرت صحيفة "RBC" اليومية على لسان مصدر من وزارة الدفاع الروسية بأن هناك قوات روسية موجودة شرق ليبيا، وفي ذات السياق، نشرت صحيفة "نوفايا غازيتا" شريط فيديو يظهر يفغيني بريجوزين (الصديق المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والمعروف "بطباخ بوتين") يجري مباحثات مع الجنرال حفتر في موسكو.

خطة موسكو الجديدة 

في وقت مبكر، وجد حفتر في وزارة الدفاع الروسية شريكًا راغبًا، فقد اعتبرت قوات الجيش الوطني الليبي التابعة له جيشًا جديدًا يمكن أن يكون العمود الفقري للحكم في شرق ليبيا، وعزز من ذلك قدر كبير من التقارب بشأن قضية ليبيا بين الجيش الروسي ومؤيدي حفتر البارزين في القاهرة وأبو ظبي، وأشادت السلطات الروسية بعملياته في بنغازي ودرنة - المدعومة من الدولتين العربيتين - باعتبارها جهودًا ناجحة لمكافحة الإرهاب.

ودعمت روسيا، الحليف القديم لنظام معمّر القذافي، أيضًا حفتر في وقت سابق من هذا العام عندما شنَّت قواته ظاهريًا عملية عسكرية لتحقيق الاستقرار في منطقة "فزان"، المعروفة بالتهريب والاتجار بالبشر والنشاط المسلح، لكنه كان يسعى في الواقع للسيطرة على الجزء الجنوبي الغني بالنفط من البلاد، وهو حقل الشرارة.   

أصبح انتصار حفتر في الجنوب، وخاصة الاستيلاء على حقلي شرارة والفيل، بمثابة لعبة متغيرة للعديد من الجهات الدولية الفاعلة، بما في ذلك روسيا

ووفقًا لبعض المصادر التي تحدثت لموقع Africa Intelligence، أصبح الهجوم إلى حد كبير ممكنًا بسبب ضخ النقود في روسيا بالتنسيق الوثيق مع أبو ظبي والقاهرة، فقد طبع البنك المركزي الليبي الموازي، ومقره البيضاء في الشرق، العملة الليبية (9.7 مليار دينار) في روسيا منذ عام 2016 بسبب النزاعات مع طرابلس، لتمويل الحرب على بنغازي ودرنة مع بعض الأموال التي تُنفق على شراء أسلحة من مصر والإمارات. 

أصبح انتصار حفتر في الجنوب، وخاصة الاستيلاء على حقلي شرارة والفيل، بمثابة لعبة متغيرة للعديد من الجهات الدولية الفاعلة، بما في ذلك روسيا، فقبل حملته للاستيلاء على "فزان" بتشجيع من موسكو، كان قائد الجيش الوطني الليبي يعدها بعقود تصدير نفط مربحة، ووفقًا لمصادر في موسكو، أخبر حفتر الروس في عام 2018 أنه بمجرد السيطرة الكاملة على صادرات النفط من خلال المكتب الموازي للمؤسسة الوطنية للنفط في بنغازي، سيُسمح للشركات الروسية بجمع النفط في 3 محطات نفط تكون ما يسمى "الهلال النفطي" وهي الزويتينة ورأس لانوف والسدرة، وبمجرد انتهاء هذه الفكرة، حاول حفتر تسهيل الصفقة بين الروس والمدير التنفيذي لشركة النفط الوطنية مصطفى سانالا، لكنه فشل أيضًا.

مصفاة نفط في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا

عندما استحوذ حفتر على حقلي "شرارة والفيل" في فبراير 2019، أصبحت موسكو مقتنعة بأن الأمر كان مسألة وقت فقط حتى تولى أيضًا مؤسسات موازية في بنغازي للمؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي المنافس الذي أنشأته حكومة طبرق، وأصبح الجنزال الليبي قادرًا على مناقشة الأعمال الجادة. وهكذا، عندما شنَّ الجنرال هجومه العسكري على طرابلس، حصل على دعم الكرملين.

لكن عملية الاستيلاء السريع على طرابلس - التي توعد بها حفتر - تعثرت كما تقول صحيفة "نيزافيسيمايا" الروسية، وبدلاً من تنظيم موكب احتفالي في شوارع العاصمة الليبية أصبحت قواته تتعثر بشكل متزايد في ضواحي المدينة، حتى توقفت محاولات التقدم إلى وسط طرابلس، وذلك بسبب الهجمات المضادة التي تشنها قوات حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج.

اللعبة الروسية في ليبيا

عندما أصبح من الواضح بشكل متزايد أن حملة حفتر لن تسفر عن انتصار سريع، تطور موقف روسيا من ليبيا إلى ما يمكن وصفه بـ"الغموض الإستراتيجي"، وعند رؤية كيف تورطت عدد من الدول الأجنبية في النزاع بشأن طرابلس، بما في ذلك فرنسا ومصر والإمارات، اتخذ الكرملين قرارًا إستراتيجيًا بعدم المشاركة في معركة تعتبر في الأساس لعبة محصلتها صفر.

وعلى عكس مصر والإمارات، ليس لروسيا مصلحة في التدخل بفاعلية في هجوم طرابلس نيابة عن حفتر، وفي الوقت نفسه، ما زالت روسيا ترى أن المؤسسات الحاكمة في شرق البلاد وكذلك الجيش الوطني الليبي، شرعية تمامًا، على عكس حكومة الوفاق الوطني، كما تفضِّل وزارة الدفاع الروسية التعامل مع رجل عسكري، مثل حفتر، في ليبيا.

كانت حكومة الوفاق الوطني أقل حظًا في محاولاتها للفوز على موسكو، وقد يكون لذلك علاقة بحقيقة أن العلاقات بين الحكومتين كانت غير مستقرة لبعض الوقت

وفي حالة نجاح حفتر في نهاية المطاف في نقل عمليات شركة النفط الوطنية إلى بنغازي أو استبدال رئيسها مصطفى سانالا بشخصية موالية، ستكون موسكو قادرة على جني ثمار دعمها طويل المدى للجنرال الليبي، وإذا لم يحدث هذا، واستمرت المعركة بشأن طرابلس لفترة كافية، واستنزف كلا الطرفين قواهما، فإن موسكو تعتبر نفسها الفائز المحتمل في هذا الوضع، وتأمل أن تؤدي إخفاقات حفتر في غرب ليبيا إلى جعله أكثر ترويضًا وتعاونًا، وأن تأخذ طرابلس المحاصرة التعامل مع الحكومة الروسية بجدية أكثر.

وعلى خلفية النزاع المستمر، يرى الكرملين أن علاقاته مع الجيش الوطني والجنرال حفتر "معاملات بحتة" في الوقت الحاليّ، مما يعني أنه على استعداد لتقديم دعمه لأعلى مستوى، وفي هذا الصدد، قام الجانبان بمحاولات لترتيب لقاءات رفيعة المستوى مع القيادة الروسية، لكن حتى الآن احتفظ الكرملين بمسافة معينة، وطلب مؤيدو حفتر في موسكو عقد لقاءات مع وزير الخارجية لافروف ووزير الدفاع سيرجي شويغو مرتين منذ أبريل/نيسان الماضي، لكن ما تمكنوا من تأمينه كان زيارة خاصة للجنرال في أواخر مايو/مايو.

في المقابل، كانت حكومة الوفاق الوطني أقل حظًا في محاولاتها للفوز على موسكو، وقد يكون لذلك علاقة بحقيقة أن العلاقات بين الحكومتين كانت غير مستقرة لبعض الوقت، فخلال مؤتمر "باليرمو" عن ليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أعرب رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز سراج عن استيائه لرئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف بسبب استمرار دعم روسيا لحفتر وطباعة الدينار الليبي في موسكو، مما أدى إلى زعزعة استقرار السوق المالية الليبية.

على الرغم من تجدد اهتمام حكومة الوفاق الوطني بالتواصل مع موسكو، لم تكن وزارة الخارجية الروسية حريصة جدًا على استقبال ممثليها، فقد ألغى الطرفان زيارات مقررة لنائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني أحمد معيتيق ووزير الخارجية محمد سيالة كان من المقرر عقدها في مايو/أيار الماضي، ولم يتمكن الجانبان من تحديد شروط التعاون التي تعيق نوع العلاقة التي تتوقعها موسكو مع حكومة مركزية.

لم يتمكن حفتر  حتى الآن من جمع ما يكفي من القوى للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس

ويرجع التباعد بين الطرفين إلى أنهما لا يزالان يبحثان عن تفاصيل الصفقات التجارية التي تمت مناقشتها منذ فترة طويلة، وكذلك النضال من أجل وضع اللمسات الأخيرة على عودة اثنين من البحارة الروس من طاقم ناقلة النفط "تيميتيرون" الذين حُكم عليهما بالسجن لمدة 3 سنوات في طرابلس عام 2018، وكل ذلك ترغب موسكو في حدوثه أولاً قبل أن يتمكن الكرملين من مناقشة القضايا السياسية والأمنية الأخرى.

وفي حين أن ليبيا ليست أولوية روسيا العليا في السياسة الخارجية في الوقت الراهن، يرى الكرملين ضرورة أن تظل موسكو على صلة بالملف الليبي، أمَّا حفتر فيأمل أن تتدخل روسيا عسكريًا في دعمه إلى جانب الإمارات، لكن ذلك الأمل الذي طال أمده في غير محله، ففي الوقت الحاليّ، يعد "الفيتو" الذي يستخدمه مجلس الأمن الدولي أقوى سلاح ترغب موسكو في استخدامه لصالح حفتر.

لعل ذلك يفسر ما ذكرته صحيفة Bloomberg بشأن الكشف عن مخطط روسي مزعوم للتدخل في الأصوات الإفريقية، وتحدثت الصحيفة عن احتجاز اثنين من موظفي مدير الإعلام الروسي ألكساندر مالكيفيتش في ليبيا في مايو/أيار الماضي، واتهامهما بالسعي للتأثير على الانتخابات في البلاد، ومحاولة عقد لقاء مع سيف الإسلام القذافي، المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية بشأن مزاعم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية على اتصال بموسكو.

كانت ليبيا تعتزم إجراء انتخابات هذا العام كجزء من خريطة طريق ترعاها الأمم المتحدة لمعالجة الانقسامات التي ابتليت بها عضو "أوبك" منذ التمرد الذي دعمه حلف شمال الأطلسي عام 2011، الذي أنهى حكم معمر القذافي الذي دام 4 عقود. ومع ذلك، فإن استمرار الكرملين في دعم الجنرال لن يعتمد إلى حد كبير على إخفاقاته، التي كان هناك الكثير منها، بل بالأحرى على استعداد حكومة الوفاق الوطني في طرابلس للفوز بدعم موسكو.