تأجيل اجتماع المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير

أجواء ساخنة جديدة خيّمت على الشارع السوداني عقب اندلاع مواجهات بين قوات الشرطة والمحتجين إثر قمع الأولى لتظاهرة خرجت أمس الإثنين بالخرطوم تنديدًا بمقتل مواطن مدني بولاية سنار (جنوب شرق) على أيدي قوات الأمن، حيث تجمع نحو 200 متظاهر في محطة رئيسية للحافلات وسط العاصمة وهتفوا "حكم مدني.. حكم مدني".

التظاهرات التي شهدتها مدينة "السوكي" الأحد الماضي، أسفرت وفق ما أشارت إليه السلطات السودانية عن مقتل متظاهر وأحد أفراد قوات الدعم السريع وإصابة 7 آخرين، فيما خرجت أخرى في مدينة سنجة في الولاية نفسها، حيث ردد المتظاهرون شعارات تطالب بالعدالة والقصاص من القتلة، الأمر الذي دفع قوات الشرطة للتراجع في ظل تصاعد حالة الاحتقان.

تأتي حالة الغليان السياسي تلك في وقت يترقب فيه السودانيون جلسة مفاوضات جديدة، اليوم الثلاثاء، بين كل من المجلس العسكري و"قوى إعلان الحرية والتغيير"، إذ كان من المقرر أن يصادق الطرفان على مسودة اتفاق بشأن إدارة المرحلة الانتقالية، برعاية إثيوبية إفريقية، إلا أن الأخير أبدى بعض التحفظات على نقاط وصفها بـ"الجوهرية"، مطالبًا بتأجيل الجلسة لليوم.

ورغم حالة التفاؤل التي ألقت بظلالها على الجميع في أعقاب إعلان الاتفاق، فإن الساعات التالية أجهضت وبنسبة كبيرة تلك الحالة في ظل القنابل الموقوتة التي اعترضت مسار تنفيذ الوثيقة التي يذهب البعض إلى أن تسريبها قبل الانتهاء من الاتفاق على جميع بنودها كان العامل الأبرز في تأخر التوقيع عليها وتصاعد احتمالية إجهاضها مبكرًا.

الخلاف بشأن الإعلان الدستوري

شهدت الاجتماعات التمهيدية لمناقشة الاتفاق ومحاولة التوصل لصيغة مناسبة للإعلان الدستوري الخاص بإدارة المرحلة الانتقالية المقدرة بـ42 شهرًا، العديد من الوقائع كشفت خلافات واضحة بين طرفي الاتفاق، المجلس والمعارضة، وذلك وفق ما ذهبت إليه "الجزيرة" بشأن حصولها على وثائق بذلك.

الشبكة نقلت عن مصادر خاصة بها أن اللجنة المنوط بها صياغة الاتفاق على أسس قانونية كانت موسعة لدرجة أعاقت انسيابية العمل، حيث ترأس جانب المجلس العسكري وكيل وزارة العدل بابكر قشي، إلى جانب حسين محمد مدير إدارة التشريع بوزارة العدل، وعلي خضر المستشار القانوني برئاسة الجمهورية، وطارق المجذوب خبير صياغة الدساتير بوزارة العدل.

الدعم السريع بدوره كان له مبعوث خاص به كذلك وزارة الدفاع التي دفعت بمستشار قانوني برتبة عميد، حتى جهاز الأمن بعث هو الآخر بممثل له، الطريف أن مبعوثه لم يكن مرحبًا به من قوى الحرية والتغيير بسبب كونه أحد الفريق الذي شارك في التحقيق معهم في وقت سابق للثورة واضطرت الوساطة لإبعاده حينها.

فيما مثل المعارضة كل من نبيل أديب المحامي اليساري المعروف وساطع الحاج، ومختصين بالقانون الدستوري من جامعة الخرطوم، وكان الخبير القانوني محمد عبد السلام قريبًا من المفاوضات دون أن يكون عضوًا رسميًا فيها.

حالة من تباين الآراء بين مكونات قوى الحرية والتغيير بشأن الإعلان الدستوري وتفاصيله خاصة بعدما تم تسريب بعض بنوده غير النهائية، الأمر الذي أدى إلى تأجيل اجتماع الأمس

هذا العدد الكبير من المشاركين في وضع الإعلان كان له أثر سلبي على إدارة الاجتماعات، الأمر الذي دفع إلى تقليصه وفق مطالبات عدة من الداخل، وبالفعل انخفض العدد إلى 4 ممثلين فقط، بواقع 2 لكل طرف، وبدأت مرحلة حصر الخلافات ومحاولة البحث عن حلول لها.

الخلاف الآخر الذي خيم على الأجواء تمحور في أن محاضر الاجتماعات لم تكن موقعة من الطرفين، هذا بخلاف أن لكل طرف محضر مختلف تم إعداده من السكرتارية الملحقة به، مما أدى إلى تباين واضح في تلك المحاضر، ومع ذلك كان الاتفاق في صيغته الأولية سهلاً، إلا أن التحديات بدأت تظهر بصورة واضحة مع الإعلان الدستوري.

تصدرت مادة الحصانة الاستثنائية لأعضاء المجلس السيادي التي تحصنهم من المساءلة القانونية حيال أي جرائم ترتكب طيلة المرحلة الانتقالية الكثير من الجدل لا سيما من قوى المعارضة، هذا بخلاف الشارع السياسي، بسبب المخاوف من إفلات من تورطوا في مجزرة فض الاعتصام في الخرطوم، في 3 من يونيو/حزيران الماضي، التي راح ضحيتها أكثر من 100 متظاهر، لا سيما مع توقع أن يكون 5 من العسكريين أعضاء في مجلس السيادة.

ورغم محاولة الطمأنة التي يبعث بها البعض بشأن بداية سريان هذه المادة كونها ستطبق منذ توقيع الاتفاق بما يعني أنها لا تجب ما سبق، ومن ثم إمكانية المحاسبة حال ثبوت تورطهم، فإن ما يثار بشأن رغبة العسكري في اعتماد الإعلان منذ عزل عمر البشير في 11 من أبريل الماضي أثار الكثير من علامات الاستفهام عن النوايا الحقيقية.

تعثر المفاوضات بين الانتقالي والمعارضة

انقسام داخل الحرية والتغيير

حالة من تباين الآراء بين مكونات قوى الحرية والتغيير بشأن الإعلان الدستوري وتفاصيله خاصة بعدما تم تسريب بعض بنوده غير النهائية، الأمر الذي أدى إلى تأجيل اجتماع الأمس، وسط حالة من تبادل الاتهامات بين الجميع، حيث اتهم مصدر بالحزب الشيوعي "أحد أبرز مكونات تحالف قوى الإجماع الوطني"، بعض قيادات المعارضة بالتهافت على المناصب، موضحًا أن عددًا منهم كان مستعدًا للتوقيع على ما سماه "الاتفاق المعيوب" في اجتماع فندق كورنثيا لولا تصدي كتلة الإجماع الوطني.

المصدر كشف أن الكتلة ترفض الإعلان جملةً وتفصيلاً، موضحًا أنهم بصدد تشكيل لجنة مصغرة لإعادة الحياة لدستور انتقالي كانت المعارضة قد أجازته في إطار برنامج البديل الديمقراطي قبل سنوات، وفي الإطار ذاته اتهم الوسيط الإفريقي محمد حسن ولد لبات بالتواصل المباشر مع بعض العناصر الهشة في تحالف الحرية والتغيير بهدف استمالتهم إلى اتفاق لا يحقق مصالح الشعب السوداني.

المعالجة الإعلامية للوثيقة وتدعيمها ببيانات القوى السياسية الرافضة من داخل تكتل الحرية والتغيير والتركيز فقط على النقاط السلبية التي تضمنتها التسريبات يضفي على الموضوع بعدًا سياسيًا آخر

الصحفي يوسف عبد المنان (مستشار صحيفة الصيحة المقربة من المجلس العسكري الانتقالي) شن بدوره هجومًا على لبات، معتبرًا أنه تجاوز تفويضه القاضي بتقريب وجهات النظر بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وأن دوره تعاظم لدرجة كتابة دستور انتقالي للسودان.

وأضاف في تصريحاته لـ"الجزيرة" أن الوسيط يسعى "ليصبح في مقام المندوب السامي لشؤون السودان من الاتحاد الإفريقي"، متهمًا إياه بعدم الحيادية بسبب خلفيته كعضو مؤسس للحزب الشيوعي بموريتانيا وأن ميوله السياسية والفكرية كانت واضحة في تغييب الشريعة الإسلامية من وثيقة الدستور المقترحة.

وفي الجهة الأخرى استنكر مراقبون للوضع الحملة التي تُشن ضد ولد لبات، مؤكدون أن دوره اقتصر على تقريب وجهات النظر وأنه كان لطيفًا ولم يخف ميوله اليسارية، بل أشار ذات مرة أن ابنته هي كنداكة، في تلميح لشعارات الحرية والتغيير، هذا بخلاف ما يحظى به من احترام من مختلف مكونات الشعب السوداني.

انقسام داخل قوى الحرية والتغيير بشأن الإعلان الدستوري

تساؤلات مشروعة

بعض الآراء ذهبت إلى أن تسريب البنود الأولية للإعلان الدستوري قبل الاتفاق عليه بشكل نهائي يحمل بداخله نوايا سياسية تهدف إلى عرقلة الاتفاق والبقاء على حالة التصعيد الحاليّة، خاصة أن التسريبات من المعلوم أنها ستثير غضبًا شعبيًا ربما يحدث مزيد من الانقسام داخل قوى المعارضة.

معروف أن الاتفاق لم يوقع عليه بشكل رسمي، وأن كل البنود لا تزال قيد الدراسة والنقاش، وتأجيل الاجتماعات المتتالية ما هو إلا انعكاس واضح لحالة ثراء النقاشات وتبادل وجهات النظر ودفاع كل طرف عن رأيه، لكن يبقى السؤال: ما الهدف من وراء تسريب بنود لم يتفق عليها بشكل نهائي في هذا التوقيت؟

فريق ذهب إلى أن من يقف وراء هذا التحرك جهات ليس من مصلحتها إتمام الاتفاق، الذي سيعني بلا شك انتصارًا واضحًا للثورة وإن لم يحقق كامل أهدافها مرة واحدة، إلا أنه خطوة في الطريق الصحيح، وبصرف النظر عن هوية هذه الجهات التي تتأرجح الأقوال ما بين عناصر داخل القوات المسلحة وقوى سياسية أخرى غير مدرجة ضمن قائمة المفاوضين، فإن النتيجة واحدة، مزيد من الاحتجاجات ووضع القوى الثورية في موقف حرج.

فيما ذهب آخرون إلى أن المعالجة الإعلامية للوثيقة وتدعيمها ببيانات القوى السياسية الرافضة من داخل تكتل الحرية والتغيير والتركيز فقط على النقاط السلبية التي تضمنتها التسريبات يضفي على الموضوع بعدًا سياسيًا آخر، ويذهب به إلى آفاق جديدة طالما تم التحذير منها بشأن تفتت اللحمة الوطنية للمعارضة الثورية التي كانت السبب الأبرز لبقائه على طاولة المفاوضات حتى الآن.

هذا الفريق أشار إلى أن هناك جوانب أخرى لم يتم تسليط الضوء عليها من الممكن أن تحقق التوازن، منها أحقية قوى التغيير في تعيين رئيس الوزراء، وتسمية أعضاء حكومته، وشغل 67% من مقاعد المجلس التشريعي خلال مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات، كاشفين أن مثل هذه النقاط تعد مكسبًا للثورة.

وفي المجمل، وفي ظل الملابسات الراهنة، فإن حزمة من الخيارات أمام جولة اليوم من المفاوضات بين الطرفين، تتراوح معظمها في التأرجح بين التوافق بشأن المسودة وطرحها للمصادقة النهائية، وبين العودة إلى مربع التفاوض الأول، وهو ما يتوقف على قدرة كل طرف في إبداء المرونة من جانب ومدى قدرته على الوصول إلى اتفاق داخلي يحول دون انقسام ينسف مسار التفاوض من الأساس ويعود بالمشهد إلى ما قبل 11 من أبريل.