بعد اجتماع ماراثوني أجراه طرفا المشهد السوداني، المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، وقع الجانبان،  اليوم الأربعاء، بالأحرف الأولى على وثيقة الاتفاق السياسي، من أجل الاتفاق على النقاط الخلافية بشأن إدارة المرحلة الانتقالية  خلال السنوات الثلاث القادمة.

الاتفاق الذي ولد من رحم السجال السياسي والإعلامي على مدار 3 أشهر كاملة جاء من  حيث الشكل، في خمس صفحات، تحت عنوان "الاتفاق السياسي لإنشاء هياكل ومؤسسات الحكم في الفترة الانتقالية، بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير"، متضمنا ستة فصول تتوزع على اثنين وعشرين بنداً.

حالة من التفاؤل ألقت بظلالها على الشارع السوداني بعد توقيع الاتفاق رغم العقبات التي اعترضت طريقه، ويبقى دخوله حيز التنفيذ خلال الفترة المقبلة هي المحك الرئيسي للتقييم في ظل حالة التربص التي يواجهها المسار التفاوضي من قبل العديد من الأطراف الداخلية والخارجية.

تفاصيل الاتفاق

 جاء الفصل الأول من الاتفاق  تحت عنوان "المبادئ المرشدة"، قسم إلى أربعة بنود، أبرزها اتفاق الطرفين على "قدسية مبدأ السيادة الوطنية، ووحدة التراب السوداني والوحدة الوطنية للسودان بكافة تنوعاته، والتعامل بمبدأ الشراكة، ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان".

ثم يأتي الفصل الثاني ليتناول العنوان الأهم في هذه الوثيقة والمعنون له بـ "الترتيبات الانتقالية"  ففي ما يتعلق بمجلس السيادة، تم الاتفاق على أن يتشكل المجلس من أحد عشر عضواً، بواقع 5 أعضاء لكل طرف، وتُضاف إلى الأعضاء العشرة شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين.

أما عن رئاسة المجلس فتم الاتفاق على أن الـ 21 شهرًا الأولى  يترأسه أحد أعضاء المجلس العسكري، ومن ثم يترأس أحد الأعضاء المدنيين الثمانية عشر شهراً المتبقية، على أن يحدد مرسوم الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية صلاحيات ووظائف وسلطات مجلس السيادة.

لم يغفل الاتفاق التحقيق في جريمة فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو الماضي، تلك المجزرة التي أودت بحياة ما يقرب من 100 مواطن سوداني، فجاء الفصل الرابع ليقرر تكوين لجنة تحقيق بعد تكوين الحكومة الانتقالية

وفيما يتعلق  بتشكيل الحكومة (مجلس الوزراء" قررت الوثيقة أن تختار قوى "إعلان الحرية والتغيير" رئيس الوزراء، على أن يتشكل المجلس من رئيس وعدد من الوزراء لا يتجاوز العشرين من كفاءات وطنية مستقلة بالتشاور، يختارهم رئيس الوزراء من قائمة قوى "إعلان الحرية والتغيير" ويتم اعتمادهم من قبل مجلس السيادة، عدا وزيرَي الدفاع والداخلية، حيث نصت الوثيقة على أن يعيّنهما رئيس الوزراء بعد اختيارهما من قبل الأعضاء العسكريين في مجلس السيادة.

وتحت عنوان "المجلس التشريعي" يأتي الفصل الثالث، حيث أكدت قوى "الحرية والتغيير" تمسكها بنسبة 67 % من عضوية المجلس ، والنسبة المتبقية للقوى الأخرى غير الموقعة على إعلان "الحرية والتغيير"، على أن يتشكل المجلس في فترة لا تتجاوز التسعين يوماً من تاريخ تكوين مجلس السيادة.

ولم يغفل الاتفاق التحقيق في جريمة فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو الماضي، تلك المجزرة التي أودت بحياة ما يقرب من 100 مواطن سوداني، فجاء الفصل الرابع ليقرر تكوين لجنة تحقيق بعد تكوين الحكومة الانتقالية، وذلك لإجراء تحقيق في المجزرة  وغيرها من الأحداث.

أما الفصل الخامس فأشار إلى مهام المرحلة الانتقالية، ومن أبرزها  "وضع السياسة والمنهج الفعال لتحقيق السلام الشامل في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان بالتشاور مع كافة الحركات المسلحة، وتحقيق سلام عادل وشامل يوقف الحرب نهائيا بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها مع الوضع في الاعتبار التمييز الإيجابي"، فيما تطرق الفصل السادس والأخير إلى مسألة الدعم الخارجي وجاء تحت عنوان "المساندة الإقليمية والدولية".

تفاؤل وترقب

أجواء التصعيد التي سبقت توقيع الاتفاق والتي صاحبتها تظاهرات مليونية وسجال إعلامي بين الجانبين، في أعقاب سقوط مدني وعسكري بجانب عشرات المصابين في فعاليات الأحد الماضي، أضفت حالة من التفاؤل حتى وإن كان التوقيع بالأحراف الأولى دون دخوله حيذ التنفيذ.

الوسيط الإفريقي محمد حسن لبات، في كلمة له عقب التوقيع، قال إن "الاتفاق بين العسكري السوداني وقوى التغيير كبير ويشكل خطوة في مسار الحوار الشامل بين الطرفين"، معربًا عن أمله في أن يكون الاتفاق بداية لإسدال الستار على الصراع الدائر في الشارع السوداني منذ الإطاحة بعمر البشير في 11 إبريل الماضي.

توقيع حميدتي على الاتفاق نيابة عن رئيس المجلس عبدالفتاح البرهان، كان مثار تساؤل لدى قطاع كبير من الشارع السوداني، خاصة وأن الرجل يسعى لإضفاء المزيد من الشرعية على وجوده في ظل أطماع الكرسي التي تسيطر عليه

من جانبه وصف نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي ، الفريق محمد حمدان دقلو، التوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق " باللحظة التاريخية في حياة السودانيين ويفتح عهدا جديدا للشراكة بين الأطراف، كما قدم التحية لشهداء الثورة والمرأة السودانية والوسطاء والدول العربية والإفريقية، بحسب وكالة الأنباء السودانية "سونا"

الوكالة نقلت عنه قوله  في كلمته عقب التوقيع على الاتفاق اليوم، إن "الاتفاق ثمرة جهد انتظره الشعب السوداني طويلا حتى يستشرف الحرية والعدالة"، مطالبا الجميع بتحمل مسئولياته حيال المرحلة المقبلة التي يجب أن يثبت فيها السودانيون أنهم جديرون بدولة قوية مستقرة على كافة المستويات.

من المقرر أن يوقع المجلس العسكري وقوى التغيير على الوثيقة الثانية، وهي الإعلان الدستوري عصر بعد غد الجمعة،  غير أن هناك العديد من المسائل الخلافية بين الطرفين، والتي ربما تلقي بظلالها على أجواء التوقيع، على رأسها مسألة منح منح حصانة مطلقة لجنرالات المجلس العسكري تجنبهم المحاسبة على أحداث العنف الأخيرة التي قتل فيها عشرات المتظاهرين، وهو ما دفع به المجلس العسكري ورفضته المعارضة التي تتشبث بمنح حصانة مقيدة.

نشطاء سودانيون في تصريحات خاصة لـ "نون بوست" كشفوا أن الاتفاق ليس نهاية المطاف، عازمين على مواصلة الضغط لإتمام تنفيذ الوثيقة بالشكل المقبول دون الاجتراء عليها كما حدث في السابق، مؤكدين استمرايتهم في الحراك وإن لم يتخذ أشكالا تصعيدية في المرحلة المقبلة إلا أنه سيكون حاضرًا في أكثر من صيغة.

توقيع حميدتي على الاتفاق نيابة عن رئيس المجلس عبدالفتاح البرهان، كان مثار تساؤل لدى قطاع كبير من الشارع السوداني، خاصة وأن الرجل يسعى لإضفاء المزيد من الشرعية على وجوده في ظل أطماع الكرسي التي تسيطر عليه، إلا أن ذلك لن ينسي السودانيون تورطه وقوات الدعم في الانتهاكات التي مورست ضد الثوار، وفق النشطاء الذين أكدوا أن الفترة القادمة قد تشهد مفاجآت من نوع ما.

وبلغة السياسة ربما تكون الصيغة الحالية هي الأفضل في الوقت الحالي في ظل الدعم الذي يتلقاه المجلس من القوى الخارجية، فسيطرة قوى الحرية والتغيير على نصف مجلس السيادة ورئاسته لمدة 18 شهرًا قبل إجراء انتخابات رئاسية فضلا عن رئاستها لمجلس الوزراء والمجلس التشريعي ومحاصرة العسكر في نصف مجلس السيادة فقط يعد انجازا مرحليًا يمكن أن يكون نواة لإنجازات أخرى قادمة.