خليفة حفتر

مع تواصل هجوم قوات شرق ليبيا على طرابلس، واستعداداتها لموجة جديدة من المعارك بعد فشلها في مراحل سابقة من الوصول لهدفها باحتلال العاصمة الليبية، ظهرت قبل يومين دعوات دولية وعربية بعضها داعم لخليفة حفتر لـ"إيقاف العنف والاحتكام إلى طاولة الحوار"، وهي مطالبات رأى فيها مراقبون دعوة مشروطة من حلفاء اللواء المتقاعد لتمكينه من مواقعه السابقة جنوب العاصمة قبل العودة للمسار السياسي، إضافة إلى تعزيز وجوده في "حكومة انتقالية مقبلة" دعوا إلى تشكيلها.

وأصدرت بريطانيا وأمريكا وإيطاليا وفرنسا والإمارات ومصر بيانًا مشتركًا، الثلاثاء، دعت فيه إلى خفض التصعيد فورًا ووقف القتال الدائر، وحثت على العودة مباشرة إلى العملية السياسية بموجب تكليف الأمم المتحدة.

منذ بداية أبريل/نيسان الماضي، بدأت قوات شرق ليبيا بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس التي تديرها حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا

كما أشار البيان إلى القلق العميق بشأن المحاولات المستمرة من "الجماعات الإرهابية" لاستغلال الفراغ الأمني في البلاد، داعية جميع أطراف الصراع في طرابلس للنأي بأنفسهم عن هؤلاء الإرهابيين والأفراد الذين حظرتهم لجنة العقوبات في الأمم المتحدة، مجددةً الالتزام بمحاسبة المسؤولين عن حالة عدم الاستقرار في البلاد، وأكدت دعمها التام لقيادة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة، لجهود تحقيق الاستقرار في أنحاء ليبيا كافة.

وذكر بضرورة تنشيط جهود الوساطة التي تبذلها الأمم المتحدة الهادفة إلى تشجيع تشكيل حكومة انتقالية تمثل جميع الليبيين والإعداد لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تحظى بالمصداقية وتمكين التوزيع العادل للموارد وإحراز تقدم في إعادة توحيد مصرف ليبيا المركزي وغيره من المؤسسات الليبية السيادية.

ومنذ بداية أبريل/نيسان الماضي، بدأت قوات شرق ليبيا بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس التي تديرها حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، وأعلنت منظمة الصحة العالمية في ليبيا (الإثنين)، بأن حصيلة ضحايا الاشتباكات جنوب العاصمة طرابلس، اقترب من 1100 قتيل ونحو 6 آلاف جريح، فيما أكدت الأمم المتحدة أن المعارك تسببت في نزوح 105 آلاف شخص من مواقع الاشتباكات.

أعرب مجلس الأمن والسلم في الاتحاد الإفريقي عن قلقه من ازدياد التدخلات الخارجية في ليبيا، ووصول إمدادات السلاح إليها على الرغم من الحظر الأممي

والتقى مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، بوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد في أبو ظبي، أول أمس الثلاثاء، لمناقشة سبل إنهاء القتال في ليبيا والعودة إلى العملية السياسي"، وذلك حسبما ذكرت تغريدة على تويتر لمبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا.

وأكد سلامة "أهمية الالتزام بخريطة طريق موحدة لإعادة توحيد الليبيين، ومساعدتهم على الاتفاق والمصالحة".

الإثنين الماضي، أعرب مجلس الأمن والسلم في الاتحاد الإفريقي عن قلقه من ازدياد التدخلات الخارجية في ليبيا، ووصول إمدادات السلاح إليها على الرغم من الحظر الأممي، وطالب المجلس الأطراف الليبية المعنية "بوقف فوري للأعمال العدائية والالتزام بوقف دائم لإطلاق النار والانخراط الكامل في العملية السياسية والحوار، من أجل التوصل لحل للأزمة".

مصر والإمارات وإنقاذ حفتر

يأتي بيان الأخير، عقب المساعي الموازية للمجهود العسكري الذي يقوده حفتر مدعومًا بقوى إقليمية، لـ"طبخ" مجلس رئاسي وحكومة وحدة وطنية، يصيران بديلين عن المجلس القائم في طرابلس والحكومة التي يترأسها فائز السراج، وذلك وفق اتفاقات اجتماع القاهرة الأخير الذي ضم نوابًا ليبيين مؤيدين لعملية حفتر العسكرية.

وأكد عضو مجلس النواب المنشق جلال الشويهدي، أن المبادرة المصرية جاءت لإنقاذ خليفة حفتر وميليشياته، بعد انعدام أي فرصة ميدانية أمامه ليدخل طرابلس، وخسارته لغرفة عملياته المركزية في مدينة غريان (80 كيلومترًا جنوب طرابلس)، بعد هجوم ناجح لقوات حكومة الوفاق.

عارضت ثماني دول عربية عقد جلسة طارئة لمجلس وزراء الخارجية في جامعة الدول العربية لبحث الحملة العسكرية التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس، بحسب ما أعلن وزير الخارجية في حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا محمد سيالة

من جهة أخرى، كشف مصدر عسكري مطلع من مدينة سبها جنوبي ليبيا، عن استمرار توافد عشرات المقاتلين المرتزقة الأفارقة إلى معسكرات حفتر، لا سيما في قاعدة الجفرة، وسط الجنوب.

ونقلت تقارير عن المصدر العسكري، قوله، إن ضباطًا أجانب، منهم إماراتيون، يشرفون على نقل عشرات المقاتلين المرتزقة التابعين لحركة "تحرير السودان"، بواسطة القيادي في الحركة جابر إسحاق، إلى مقرات حفتر العسكرية.

وأكد المصدر أن الإمدادات التي يؤمنها حلفاء حفتر لا تتوقف على نقل مقاتلين، بل تشمل أيضًا إمدادات عسكرية، وصلت إلى قاعدة الجفرة، تتمثل في سيارات مسلحة ومدافع وعربات مصفحة، استعدادًا لإطلاق حفتر المرحلة الثانية من عمليته نحو طرابلس.

وفي سياقٍ متصل، عارضت ثماني دول عربية عقد جلسة طارئة لمجلس وزراء الخارجية في جامعة الدول العربية لبحث الحملة العسكرية التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس، بحسب ما أعلن وزير الخارجية في حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا محمد سيالة.

تثبيت الوضع

في مقابل ذلك، هاجم رئيس وزراء قطر الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني، الدول الداعية لوقف القتال في ليبيا، وهي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا ومصر والإمارات.

قال المحلل السياسي الليبي فرج أحميد في تصريح لـ"نون بوست" إن بيان الدول الـ6 يؤكد امتلاكهم الإرادة في حل الأزمة الليبية، مضيفًا أنه لا يعتقد أن تتوافق النقاط التي تم طرحها في البيان مع أطراف الصراع

وقال بن جاسم، في تغريدة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، الأربعاء: "أمر مضحك أن تعلن مجموعة دول بإيقاف الحالة حول طرابلس لإيجاد حل سياسي".

وتساءل: "أين كنتم منذ بداية المعركة المدعومة من بعض الدول التي في الإعلان والتي لم توقف هذا الاعتداء على الحكومة الشرعية وعلى الآمنين في طرابلس، ولماذا لا يكون إيقاف الحالة ما قبل بدء العمليات".

متابعًا في تغريدة أخرى: "المراد اليوم أن يكونوا دعاة سلام، ولكن بعد ابتلاع أجزاء من طرابلس، وهذا يذكرنا فيما جرى قبل عام 67 والهدنة التي أريد منها تثبيت المحتل"، وأضاف المسؤول القطري السابق "المضحك أن البيان يصدر وفيه دول ديمقراطية يفترض أن تحترم إرادة الشعوب، ولكن الواضح أنها احترمت المصالح"، مشيرًا إلى أنه في النهاية ستنتصر إرادة الشعب الليبي.

تمكين اللواء

من جانبه قال المحلل السياسي الليبي فرج أحميد في تصريح لـ"نون بوست"، إن بيان الدول الـ6 يؤكد امتلاكهم الإرادة في حل الأزمة الليبية، مضيفًا أنه لا يعتقد أن تتوافق النقاط التي تم طرحها في البيان مع أطراف الصراع، خاصة أن قوات حفتر لا تبتعد عن تخوم العاصمة سوى 100 كيلومتر، وهي تُهدد بشكل كبير طرابلس وليبيا، إضافة إلى اتفاق الصخيرات بالمغرب ومخرجاته.

وتابع أحميد أن بيان الدول الـ6 "يحمل خفايا ومن يتمعن بين السطور سيقرأ أنه يأتي في سياق تمكين اللواء المتقاعد خليفة حفتر من تصدر المشهد في الفترة القادمة، خاصة أن البيان تحدث عن حكومة انتقالية جديدة غير تلك التي يترأسها فايز السراج".

وأكد المحلل الليبي أنه بعد 80 يومًا من الاقتتال بين قوات الشرق وحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، لا يزال المشهد ضبابيًا إلى حد الآن نظرًا لتشابك أدوار اللاعبين الإقليميين، وسيزداد الوضع تعقيدًا بعد مقترح تغيير حكومة الوفاق بأخرى انتقالية، يمكن أن يُقابل برفض الأحزاب السياسية وجمعيات مدنية، وقوى غرب طرابلس (مصراتة).

نقلت تقارير عن برلماني مقرب من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس نواب طبرق (شرق)، أن لقاءً جمع حفتر بالعارف النايض، سفير ليبيا السابق بالإمارات، والمرشح الأبرز لقيادة هذه الحكومة

وفيما يتعلق بتدخل القوى الإقليمية في ليبيا، قال أحميد، إن الأمر لم يكن وليد اللحظة، فليبيا عرفت تغلغلًا أجنبيًا منذ الأيام الأولى لسقوط نظام معمر القذافي، وأن المشروع الكبير "عسكرة الأنظمة" انطلق مع ثورة 17 فبراير بقيادة الإمارات ومن بعدها (مصر السيسي).

وفي سياقٍ ذي صلة، أضاف أحميد لـ"نون بوست" أنه من المستبعد في الوقت الراهن أن تتراجع الإمارات ومصر عن دعم خليفة حفتر (رأس المشروع)، واستبداله بشخصية أخرى.

ونقلت تقارير عن برلماني مقرب من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس نواب طبرق (شرق)، أن لقاءً جمع حفتر بالعارف النايض، سفير ليبيا السابق بالإمارات، والمرشح الأبرز لقيادة هذه الحكومة، وأن اللقاء أسفر عن قبول اللواء المتقاعد خليفة حفتر على مضض بالنايض رئيسًا لحكومة مدنية، يخضع لها قراره العسكري.

إلى ذلك، بات يهدد البلاد مأزق (فوضى) لا مخرج منه أمام إصرار الفاعلين في الميدان على إغلاق أبواب الحوار وتقريب وجهات النظر، أو بتغليب كفة فريق (خليفة حفتر) على آخر (الحكومة المعترف بها دوليًا)، خاصة بعد دفع قوى إقليمية بكل ثقلها لإيجاد موقع قدم لها في ليبيا، في إطار مخططات توزيع مناطق النفوذ والتموقع في برامج المشاريع الاستثمارية الواعدة من خلال عقود الإعمار والسيطرة على المقدرات النفطية للبلاد.