ترجمة وتحرير: نون بوست

لقد مر التطور دون أن يلاحظه أحد، ربما لأن برقة (شرق ليبيا) تخضع لإشراف دولي أقل من الذي يحظى به إقليم طرابلس (غرب البلاد)، حيث تقع العاصمة الليبية. قام الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر الذي تعتبر برقة معقله، بتكوين إمبراطورية اقتصادية حقيقية في السنوات الأخيرة انطلاقا من موقعه العسكري المهيمن.

وفقًا لتقرير صدر في أواخر شهر حزيران/ يونيو عن معهد نوريا للأبحاث، وضع جيش حفتر "استراتيجية افتراس" طبقها على المناطق الخاضعة لوصايته من أجل "الوصول إلى مصادر دخل جديدة". وبشكل غير مسبوق، إن هذا التحليل الذي يحمل عنوان "الاقتصادات المفترسة في شرق ليبيا"، يسلط الضوء على أسلوب الحوكمة المطبق في المناطق الخاضعة للجيش الوطني الليبي.

تعد طرابلس مقر المؤسستين الاقتصاديتين والماليتين الرئيسيتين في البلاد، المتمثلتان في البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، التي تدير عائدات استغلال الهيدروكربونات، التي تمثل تقريبا كل إيرادات الدولة

في الوقت الذي يقاتل فيه المشير حفتر منذ مدة ثلاثة أشهر على أعتاب طرابلس من أجل "تحرير" العاصمة من حكم "الميليشيات"، ساهمت عملية فك رموز آليات استيلائه على الموارد في تحليل الوضع في ليبيا بشكل كبير. وبالتوازي مع غياب الدراسات المتعلقة "بالافتراس" الاقتصادي والمالي الذي تطبقه ميليشيات إقليم طرابلس، كان الجهد البحثي المعادل بشأن الجيش الوطني الليبي في برقة منعدما إلى حد كبير. لهذا السبب، يملأ تقرير نوريا للأبحاث هذا الفراغ.

"نزاهة المؤسسات المالية"

في البداية، كان من الصعب على الجيش الوطني الليبي تجاوز العقبات التي اعترضته. في الواقع، تعد طرابلس مقر المؤسستين الاقتصاديتين والماليتين الرئيسيتين في البلاد، المتمثلتان في البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، التي تدير عائدات استغلال الهيدروكربونات، التي تمثل تقريبا كل إيرادات الدولة. في مواجهة حكومة "الوفاق الوطني" المتواجدة في طرابلس (غربًا) والمعترف بها من قِبل المجتمع الدولي، عانت سلطة بنغازي المنافسة (شرقًا)، التي يعتمد عليها الجيش الوطني الليبي، من خلل واضح.

على الرغم من أن سلطة برقة تمكنت من إنشاء مؤسساتها الاقتصادية والمالية، (بنك مركزي ومؤسسة وطنية للنفط موازيان)، إلا أن المجتمع الدولي لم يعترف إلا بالمؤسسات الموجودة في طرابلس، مما جعل محاولة استنساخ هذه المؤسسات غير مجدية. وتكمن المفارقة في أن الجيش الوطني الليبي يسيطر على معظم حقول النفط ومرافئ التصدير، ولا سيما الهلال النفطي المتاخم لخليج سرت، لكنه لم يتمكن من سحب سيطرة طرابلس على عائدات النفط من بين أيدي المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي لطرابلس. لقد كان المجتمع الدولي متعنتا في ما يخص الحفاظ على "نزاهة المؤسسات المالية" في ليبيا، وهو موقف مبدئي لعب، بحكم الواقع، لصالح الحكومة التي تأسست في طرابلس.

أظهرت دراسة نوريا للأبحاث أن أداة تصاعد نفوذ الجيش الوطني الليبي تمثلت في هيئة الاستثمار العسكري والأشغال العامة (المعروفة باسم "الهيئة العسكرية")، وهي المظلة التي سيحكم الجيش الوطني الليبي بالتدريج بواسطتها قبضته على الاقتصاد الإقليمي في برقة

في هذا السياق الوطني المعاكس، قام الجيش الوطني الليبي بتحويل عاصمته العسكرية تدريجيا إلى عاصمة اقتصادية، خاصة بعد "تحرير" بنغازي في صائفة سنة 2017، بفضل دعم الرعاة الإقليميين، وهم مصر والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، تحت غطاء مكافحة "الإرهاب".

أظهرت دراسة نوريا للأبحاث أن أداة تصاعد نفوذ الجيش الوطني الليبي تمثلت في هيئة الاستثمار العسكري والأشغال العامة (المعروفة باسم "الهيئة العسكرية")، وهي المظلة التي سيحكم الجيش الوطني الليبي بالتدريج بواسطتها قبضته على الاقتصاد الإقليمي في برقة. إن أحد أبعاد استحواذ الجيش الوطني الليبي على الموارد المحلية هو الضغط الذي يمارس على النظام المصرفي الخاص من أجل الحصول على قروض تغذي "ديونًا خطيرة"، وذلك وفقًا للتقرير الذي يرى في هذا العامل أحد الأسباب التي سرّعت هجوم حفتر على طرابلس.

هناك مصدر آخر للدخل يسعى إليه الجيش الوطني الليبي يتمثل في تصدير الخردة المعاد تدويرها، وهي سوق مربحة بشكل خاص. رسميا، يحظر هذا النوع من التصدير في ليبيا، لكن وبناءً على طلب صريح من حفتر، استثنت الحكومة الموازية في شرق البلاد "الهيئة العسكرية" من هذا الحظر. وفقًا للتقرير، تحصل هذه الهيئة بشكل مسبق على ما بين 30 و45 بالمئة من الإيرادات الناتجة عن هذه الخردة الحديدية المصدرة. وأضاف التقرير أن الجماعات المسلحة المرتبطة بالجيش الوطني الليبي، مدفوعة بطمعها في مصادر الربح المحتملة، قد استحوذت على بنى تحتية عامة واعتبرتها ملكيات خاصة من أجل "تفكيكها وبيع المعدن لتجار الجملة".

يتمحور النشاط الأخير، الذي يمارس عليه الجيش الوطني الليبي شكلاً من أشكال الإشراف، حول الهجرة غير الشرعية

يعتبر تهريب النفط المكرر (المدعوم)، عن طريق البحر، موردا آخر يسيطر عليه الجيش الوطني الليبي. ومن المفارقات أن هذا النشاط غير القانوني تطور في برقة عقب تدابير اتخذت في سنة 2018 لوضع حد له في طرابلس، وفقًا لآلية الأوان المستطرقة. كما تستر الجيش الوطني الليبي على تهريب النفط إلى التشاد برّا. علاوة على ذلك، يذكر التقرير الحماية التي توفرها قوات حفتر لميليشيا لواء أحمد الزبير السنوسي، التي تحرس حقل السرير النفطي في حوض سرت والمختصة في التصدير السري إلى الدول المجاورة.

فاعل بارز في تجارة البشر

في الثالث من تموز/ يوليو 2019، في طرابلس، ليبيا، بالقرب من مركز احتجاز المهاجرين

يتمحور النشاط الأخير، الذي يمارس عليه الجيش الوطني الليبي شكلاً من أشكال الإشراف، حول الهجرة غير الشرعية. ويعد تورط حفتر في هذا النوع من الشبكات أمرا غير متوقع إلى حد ما، خاصة بالنظر إلى السمعة التي اكتسبها قائد هذا الجيش في بعض العواصم الأوروبية، ولا سيما باريس، علما بأن حفتر يعتبر بمثابة حصن ضد خطر الهجرة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

يتعين، ضرورة، على المهاجرين الذين يصلون إلى إقليم طرابلس، وهو قاعدة المغادرة إلى أوروبا، والقادمين من القرن الإفريقي عبور الأراضي الخاضعة للسيطرة، سواء المباشرة من طرف الجيش الوطني الليبي، أو التي تفرضها على الأقل الجماعات المسلحة التي أعلنت ولاءها له. وهذا ما ينطبق بشكل خاص على وضعية ميليشيا "سُبل السلام"، التي تتألف أساسًا من أفراد من جماعة الزوي (العربية) التي تعمل في منطقة الكفرة بالقرب من الحدود المصرية السودانية.

كتب التقرير أن "دعم الجيش الوطني الليبي كان حاسما في تحويل سبُل السلام إلى طرف عسكري رئيسي في جنوب شرق ليبيا وفاعل بارز في الاتجار بالبشر". إن هذا التداخل بين حفتر وشبكات المتاجرين بالبشر أصبح واقعا مستجدا في ظل معركة طرابلس المستمرة. ووفقًا للمصادر المحلية، يقاتل بعض قادة الشبكات إلى جانب قوات حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني التي يديرها فايز السراج.

بطريقته الخاصة، كسر تقرير نوريا للأبحاث أسطورة "جيش وطني ليبي" أكثر "عفة" مقارنة بمنافسيه في غرب البلاد، أي ما يطلق عليهم اسم "الميليشيات" الشهيرة ذات الممارسات "المافياوية" في مجال الحوكمة الاقتصادية وتهريب البشر. كما دعا التقرير إلى ضرورة تحمل القيادة العليا لجيش المشير حفتر "المسؤولية" حيث يتعين عليها "وضع حد للسلوك المفترس لمختلف القادة أو الجماعات المسلحة التابعة (للمؤسسة)".

المصدر: لوموند