الحزب الشيوعي يرفض الاتفاق ويعلق مشاركته في المفاوضات

في الوقت الذي عم التفاؤل الشارع السوداني في أعقاب إعلان التوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقة السياسية بين المجلس الانتقالي العسكري وقوى الحرية والتغيير، بعد ماراثون طويل من الاجتماعات وموجات الشد والجذب طيلة الأشهر الثلاث الماضية، خرجت بعض الحركات والقوى السياسية لتبدي اعتراضها على هذه الخطوة.

"الجبهة الثورية".. "الحزب الشيوعي".. "شبكة الصحفيين السودانيين"، جبهات ثلاثة بعضها يتضمن حركات مسلحة شنت هجومًا حادًا على الاتفاق، مشددة أنه حاد عن الطريق المرسوم المحدد منذ 19 من ديسمبر الماضي، مؤكدة أنه لم يعالج المسار الثوري، بل على العكس من ذلك اتهمت الوثيقة بأنها تريد قطع الطريق أمام الثورة.

تحديات عدة في مواجهة مستقبل الاتفاق الذي بات من الواضح أنه لم يلب أحلام كل الأطياف الثورية، الأمر الذي ربما يضع تنفيذه على المحك، هذا في الوقت الذي لم ترق فيه هذه الخطوة لبعض القوى، داخلية كانت أو خارجية، خاصة بعد تهميش الوسيط الإثيوبي للجامعة العربية والأطراف الضالعة في المشهد السوداني التي حملت على عاتقها مخطط إجهاض الثورة والحيلولة دون انتصار الإرادة الشعبية.

 لم يعالج قضايا الثورة

البداية كانت مع "الجبهة الثورية" التي أعلنت رفضها الاتفاق بعد ساعات قليلة من إعلان توقيعه، مبررة موقفها بأنه "لم يعالج قضايا الثورة" و"تجاهل أطرافًا وموضوعات مهمة" وذلك وفق بيان صادر عنها صباح أمس الأربعاء.

الجبهة التي تضم عددًا من الحركات المسلحة المتحالفة مع "نداء السودان"، أحد مكونات "قوى الحرية التغيير" في مقدمتها حركتي تحرير السودان والحركة الشعبية، قالت في بيانها إنها "ليست طرفًا في الإعلان السياسي الذي وُقّع عليه بالأحرف الأولى، ولن توافق عليه بشكله الراهن".

وتابعت: "نرى أن المفاوضين من قوى الحرية والتغيير تجاهلوا أطرافًا وموضوعات مهمة، وركزوا على تقاسم السلطة، متناسين أن باستطاعة الجبهة الثورية الدخول في صفقة لتقاسم السلطة إن أرادت منذ زمن بعيد"، مطالبة الموقعين على الاتفاق من قوى التغيير أن "ينظروا بجدية إلى التحفظات التي أعلنها كثير من الأطراف المشاركة في الثورة السودانية، والتضحيات التي قدمها الشعب".

تحركات المجلس العسكري والقوى الداعمة له منذ اشتعال شرارة الثورة الأولى تشي برغبة حقيقية لديهم في وأد أي تحرك من شأنه سحب بساط السلطة من تحت أقدام جنرالات الجيش

كما أعربت عن استعدادها لـ"الجلوس مع قيادات قوى الحرية والتغيير، للتعامل مع التحديات التي تواجهها بلادنا بمسؤولية وحكمة، والوصول إلى ما يحقق مطالب الثورة"، داعية إلى "العودة بالاتفاق إلى كل مكونات قوى الحرية والتغيير، للبحث العميق والتفاكر بشأن كيفية تطويره، ليخدم قضايا الثورة، وعلى رأسها الحرية والسلام والعدالة".

واختتم البيان الموقع عليه من بعض قيادات الجبهة بجانب رئيس حركة تحرير السودان أركو مناوي، ورئيس الحركة الشعبية/قطاع الشمال مالك عقار، بأن "التوقيع على إعلان سياسي لم تشارك فيه كافة قوى الحرية والتغيير، كما لم تتم معالجة قضايا الثورة".

تكريس هيمنة العسكر

"الحزب الشيوعي" الذي يعد أحد مكونات قوى التغيير، أعلن هو الآخر في وقت سابق الأربعاء، رفضه للاتفاق، معتبرًا أنه "كرّس هيمنة المجلس العسكري على كل مفاصل الدولة"، متعهدًا في بيانه باستمرار "التصعيد الجماهيري السلمي، حتى تحقيق أهداف الثورة والانتزاع الكامل للحكم المدني الديمقراطي".

تخوفات الشيوعي تتناغم وما ينتاب قطاع كبير من الثوار المشاركين في الحراك منذ ديسمبر الماضي، وهو ما وقف عليه "نون بوست" عبر شهادات عدة لنشطاء ومواطنين سودانيين كانوا في طليعة المنضمين للموجة الثورية الأولى، الذين أكدوا فقدانهم الثقة تمامًا في المجلس العسكري.

وثيقة الإعلان الدستوري احتوت على حصانة مطلقة، مما يؤكد أن ثمة جرم ارتكب ويريد العسكريون الحماية، مما يشكل تمييزًا في حق التقاضي

تلك الشهادات كشفت أن تحركات المجلس العسكري والقوى الداعمة له منذ اشتعال شرارة الثورة الأولى تشي برغبة حقيقية لديهم في وأد أي تحرك من شأنه سحب بساط السلطة من تحت أقدام جنرالات الجيش، ساعدهم على ذلك الدعم المقدم لهم من محور الثورة المضادة الخليجي.

وأشاروا في تصريحاتهم إلى أن النوايا لو كانت صافية منذ البداية لما وصل السودانيون إلى هذه المرحلة الحرجة، ولولا الضغط الممارس طيلة الأشهر الماضية لما رضخ العسكر للمطالب الثورية وإن لم يتم تحقيق معظمها، إلا أنه يمكن القول بأنها في الحدود الدنيا كمرحلة تتناسب مع التوقيت الراهن، بما يعد مكسبًا مؤقتًا للثورة، ورغم ذلك لا تزال هناك تخوفات من التفاف الجيش على مطالب الحراك الشعبي للاحتفاظ بالسلطة، كما حدث في دول عربية أخرى.

تقزيم الثورة

فيما ذهبت "شبكة الصحافيين" السودانيين المعارضة أن الاتفاق المبرم "يريد أن يقطع الطريق أمام الثورة"، مضيفة في بيان نشرته على صفحتها الرسمية على "فيسبوك" أنه "يكرّس ويعضد من سلطة المجلس العسكري المُتشكِّل من اللجنة الأمنية لنظام البشير، التي تسعى إلى سرقة الجهد والعرق والدماء التي بذلت في سبيل الثورة، من أجل أن تعلن عن نفسها وتغتصب السلطة، وبينما الشارع يهتف في كل ساعة باسم المدنية؛ يُكرِّس الاتفاق لشراكة مختلة تنتج كائنًا مشوهًا برأس عسكري بغيض، لتتبدد كل أحلام شعبنا في ثورة ووعد جديد".

الشبكة أضافت في تبرير موقفها من الاتفاق أنه "تغاضى عن كثيرٍ من المواقف والمبادئ التي تَمّ الإعلان عنها كخطوة تسبق أي عملية سياسية، وعلى رأس ذلك ضرورة تحطيم جهاز الدولة عبر تفكيك وحل بعض مؤسساتها، وضرورة حل مليشيات الدعم السريع، وحل جهاز أمن النظام السابق كموقفٍ مختلفٍ للشبكة التي رأت بضرورة حل الأمن وليس إعادة هيكلته، ومحاسبة رموز نظام البشير، وتفكيك مُؤسّساته الاقتصادية"، مشددة على رفضها مسبقًا للعودة إلى التفاوض المباشر.

القيادي في التجمع الاتحادي المعارض الطيب العباسي ألمح إلى وجود مؤامرة للافتئات على الثورة وتقزيمها عبر مساعي المجلس العسكري تدشين ممر آمن من الملاحقات على الجرائم المرتكبة خلال المدة التي تولوا فيها مقاليد الأمور، مشيرًا إلى أنه كان من الأجدر أن يصدر مشروع الإعلان الدستوري بعد تكوين هياكل الحكم الانتقالية.

العباسي في تصريحاته لـ"الجزيرة" نبه إلى أن "وثيقة الإعلان الدستوري احتوت على حصانة مطلقة، مما يؤكد أن ثمة جرم ارتكب ويريد العسكريون الحماية، مما يشكل تمييزًا في حق التقاضي"، منتقدًا النص على تبعية الأجهزة العدلية والقضائية المتمثلة في المحكمة الدستورية وتشكيلها وقانونها والسلطة القضائية والنائب العام لمجلس السيادة، مما يعني أن العسكر يسعون لبناء جدار لضمان إشرافهم على هذه الأجهزة.

فيما اعتبر أن تعليق البرلمان خلال الفترة الانتقالية - حتى ولو كان لفترة محدودة (3 أشهر) - سببًا في انتفاء الرقابة المطلوبة وغل يد التشريعات المطلوبة للفترة الانتقالية، وهو ما يثير الكثير من التساؤلات عن نوايا المجلس في الـ21 شهرًا القادمة، التي من المقرر أن يرأس فيها السيادي أحد جنرالات الجيش.

حالة من الترقب تخيم على الأجواء السودانية، فبينما تسير الأمور - نظريًا - بصورة جيدة في مسارها التفاوضي الذي كُلل بالاتفاق، فهناك على الجانب الآخر استمرار للحراك الثوري ميدانيًا، وهو ما يؤكده تجمع المهنيين السودانين الذي طالب أنصاره بمواصلة مواكب أسبوع "العدالة أولاً" التي تطالب بالقصاص من مرتكبي مجزرة القيادة العامة، الـ3 من يونيو الماضي.

الخلافات بين القوى الثورية بشأن تفاصيل الوثيقة تضعها على المحك بصورة كبيرة، وما لم تكتمل نواقص الاتفاق التي تم الإشارة إليها في بيان الكيانات الثلاث السابقة قبيل إقرار الإعلان الدستوري غدًا الجمعة، فإن الاتفاق السياسي الذي تم توقيعه سيتحول إلى لغم كبير سينفجر بواسطة أحد الطرفين في القريب العاجل.