منذ بداية الحملة العسكرية التي تقودها قوات النظام السوري على محافظتي إدلب وحماة، لم تتوان روسيا أبدًا عن دعم حليفها بشار الأسد الذي يسعى باستعجال لاستعادة آخر المناطق الخارجة عن سيطرته، ورغم أن النظام سيطر على بعض المناطق في ريف حماة، إلا أنه تكبد خسائر فادحة في جنوده ومعداته، خاصةً بعد زيادة تركيا دعمها للفصائل المعارضة واستئناف الإمدادات بصواريخ التاو الأمريكية المضادة للدروع.

وفي ظل استمرار المعركة وصمود قوات المعارضة الذي أنهك القوات المهاجمة من طرف النظام، وخاصة قوات ما يعرف بـ"النمر"، بدأ الجيش الروسي ولأل مرة، بالزج بقوات برية له لدعم حليفة المحلي، وفي هذا الصدد نقلت وكالة "رويترز"، عن قادة عسكريين في المعارضة السورية المسلحة قولهم: إن "روسيا أرسلت قوات خاصة خلال الأيام الماضية للقتال إلى جانب الجيش السوري الذي يسعى جاهدًا لتحقيق مكاسب في هجومه المستمر".

وفي تقرير سابق لـ"نون بوست"، ذكر أحد قادة المعارضة السورية أن "الوجود الفعلي الروسي على الأرض يأتي من خلال قوات خاصة، وأيضًا قوات تستخدم المدفعية ورماة الصواريخ بالإضافة لسلاح الجو الروسي"، مضيفًا أن التدخل الروسي حصل من أجل وقف الانهيارات المتتالية بصفوف قوات الأسد.

ووفقًا لـ"رويترز"، قال ضباط المعارضة: "رغم تمركز ضباط وجنود روس خلف خطوط المواجهة حيث يديرون العمليات ويستعينون بقناصة ويطلقون صواريخ مضادة للدبابات، فإن هذه المرة الأولى التي ترسل فيها موسكو قوات برية إلى ساحة المعركة في الهجوم الذي بدأ في نهاية أبريل/نيسان"، ومنذ بدء المعركة تصدر يوميًا مقاطع مصورة للمعارضة السورية يتضح من خلالها استهداف القوات المهاجمة لها، فيما تُبين المقاطع تدمير ناقلات ودبابات ومدافع تستخدمها روسيا وقوات النظام.

إخفاق لقوات الأسد ونجدة روسية

يقول قائد جيش العزة (أحد أبرز الفصائل المقاتلة في منطقة المعركة) جميل الصالح: "نشر موسكو لأعداد لم يكشف عنها من القوات البرية إنما جاء بعدما لم تتمكن قوات خاصة سورية يطلق عليها قوات النمر ومليشيات متحالفة معها من تحقيق أي مكاسب ميدانية كبيرة"، لافتًا إلى أن النظام وجد أنه في مأزق فاضطر أن يطلب من القوات الروسية أن تكون في الميدان.

وأكد النقيب ناجي المصطفى المتحدث باسم الجبهة الوطنية للتحرير المعارضة في حديثه لـ"نون بوست" ما جاء في تقرير "رويترز"، وقال إن روسيا أرسلت قوات برية في معاركها الأخيرة في ريف حماة وريف اللاذقية بعد الفشل المتكرر لقوات النظام في السيطرة على كثير من المناطق، مضيفًا أن القوات الروسية تساهم بشكل أساسي في القصف المدفعي، فيما شاركت بقوة في معركة الحماميات قبل أيام.

ورغم حشد القوات الروسي المستمر واستخدام أسلحة جديدة ومدافع متطورة، اتضح الإخفاق الذي منيت به هذه الحشود، ففي قرية الكبينة بريف اللاذقية منيت موسكو بهزيمة ساحقة، حيث تصدت قوات المعارضة لعشرات الهجمات البرية المدعمّة بغطاء جوي كبير، وبحسب المصطفى فإن "قواتهم تتصدى بكل قوة لمحاولات الاقتحام المتكررة"، غير أنها تقوم بعمليات هجومية وغارات على المواقع التي تتحصن بها قوات النظام وروسيا، وأضاف أن سلاح المدفعية التابع لقوات المعارضة يقصف بشكل متكرر مرابض الأسلحة التي تستخدمها روسيا لقصف مناطق المعارضة.

وجود غير محدد الأجل

وفي سياق ذي صلة، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن الوجود العسكري الروسي في سوريا "غير محدد الأجل"، مضيفًا أن بلاده "وقعت اتفاقيات عسكرية مع النظام السوري، دون تحديد مدة زمنية لانتهاء الاتفاقيات"، مشيرًا إلى أن "الحكومتين السورية والروسية تملكان صلاحية إجراء تغييرات على تلك الاتفاقيات"، وذكر لافروف أن المعايير والقواعد المنظمة للوجود الروسي في سوريا تم وضعها نهاية عام 2016، بعد عام على التدخل العسكري الروسي في سوريا.

واعتبر لافروف أنه يوجد عشرات الآلاف من المقاتلين المرتبطين بتنظيم القاعدة في إدلب، ولا يمكن التسامح إلى ما لا نهاية مع وجودهم، بحسب تعبيره.

وعلى الرغم من العدد المتزايد للضحايا المدنيين نتيجةً للقصف الروسي، فإن لافروف  زعم أن "موسكو تسعى إلى حل في إدلب لا يضر المدنيين"، وتذكر تقارير فريق "منسقو الاستجابة" في الشمال مقتل 912 مدنيًا في الشمال السوري، جراء القصف الذي ينفذه النظام السوري وروسيا، في إطار الحملة العسكرية التي بدأت منذ خمسة أشهر، وبكلامه يتهم لافروف آلاف الأشخاص بتبعيتهم لتنظيم "القاعدة"، غير كيل تهم الإرهاب عشوائيًا لأهالي محافظات بأكملها.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت مقتل 6239 مدنيًا على يد القوات الروسية، بينهم 1804 أطفال، منذ تدخلها العسكري في سوريا وحتى نهاية عام 2018، ونفذت روسيا 321 مجزرة، وتوثق الشبكة ما لا يقل عن 954 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية من بينها 176 على مدارس و166 اعتداءً على منشآت طبية، بالإضافة إلى 55 اعتداءً على أسواق.

ونفذت القوات الروسية ما لا يقل عن 232 هجومًا بالقنابل والذخائر العنقودية، إضافة إلى 125 هجومًا بأسلحة حارقة، منذ تدخلها، وقتل على يد القوات الروسية 29 من الكوادر الطبية وعناصر الدفاع المدني، بالإضافة إلى مقتل 19 من الكوادر الإعلامية، فيما يقطن المنطقة التي تستهدفها روسيا يوميًا بطائراتها نحو 4 ملايين مدني، بينهم مئات الآلاف ممَّن هجّرهم النظام من مدنهم وبلداتهم على مدار السنوات الماضية، في عموم البلاد.