تزحف التجربة الصينية كل يوم إلى المنطقة العربية، تتقرب إلى العرب ذراعًا، فيتقربون منهاا أميالًا عدة، هي المحرك الرئيسي حاليًا لخيال قادة معظم بلدان المنطقة، وبشكل خاصة محور الرباعي العربي، الذي يرى التجربة الصينية صالحة للاستنساخ العربي ويصل بالبعض المغالاة في الإشادة بالتجربة والتأكيد على أن القدر سخّرها لمقاسات الثقافة العربية، فهنا وهناك لا تستقيم الديمقراطية، من القبلية والشعبوية، إلى تيارات الحكم الملكية المطلقة، إلى الأنظمة التي ولدت من رحم التجارب العسكرية المستمرة منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى الآن، والصناديق السيادية العربية هي آخر خطوات الافتتان العربي ببكين، بعدما أصبحت وجهتها المفضلة للاستثمار.

ما هي الصناديق السيادية .. وكيف تدار في المنطقة العربية ؟

صناديق الثروة السيادية هي صناديق استثمار عالمية عادةً ما تكون مملوكة للدول وتستهدف المشاركة في القطاعات الاستراتيجية مثل التعدين والاتصالات والمرافق وغيرها خدمة لهدف رئيسي وهو تنويع الإيرادات للبلدان المختلفة، وغالبًا ما تدخل السياسة في تشكيل قرارات الاستثمار.

صندوق الاستثمارات العامة السعودية، يملك أصولاً تقدر بنحو 875.6 مليار دولار، كما تدير مؤسسة النقد العربي «ساما» نحو 515.6 مليار دولار، وأيضاً يمتلك صندوق أبوظبي للاستثمار أصولاً بنحو 697 مليار دولار، كما يمتلك صندوق الهيئة العامة للاستثمار الكويتية أصولاً بقيمة 592 مليار دولار، ليصل إجمالي ما تديره الصناديق الأربعة إلى نحو 2.68 تريليون دولار

قبل أشهر، كان معهد صناديق الثروات السيادية، الذي يتابع نحو 79 صندوقًا سياديًا حول العالم، يؤكد أن إجمالي الثروات التي تديرها 4 صناديق عربية تستحوذ على أكثر من 33% من إجمالي ثروات الصناديق السيادية على مستوى العالم، حتى شهر فبراير نحو 8.12 تريليون دولار، منها نحو 2.68 تريليون دولار لأربعة صناديق سيادية عربية بنسبة استحواذ تقدر بنحو 33%.

صندوق الاستثمارات العامة السعودية، يملك أصولاً تقدر بنحو 875.6 مليار دولار، كما تدير مؤسسة النقد العربي «ساما» نحو 515.6 مليار دولار، وأيضاً يمتلك صندوق أبوظبي للاستثمار أصولاً بنحو 697 مليار دولار، كما يمتلك صندوق الهيئة العامة للاستثمار الكويتية أصولاً بقيمة 592 مليار دولار، ليصل إجمالي ما تديره الصناديق الأربعة إلى نحو 2.68 تريليون دولار، ورغم هذا التفوق، في التركيز على تحقيق أهداف التنمية، والمزاحمة في الاستثمارات الاستراتيجية واكتساب المهارات وزيادة نفوذها السياسي في الاقتصاد العالمي، إلا أن طريقة تشكيل الصناديق العربية، لها نكهة خاصة وتمثل الواقع العربي من حيث قلة الأبحاث حولها وندرة المعلومات وضعف الشفافية.

لماذا الصين الآن ؟

في الفترة من 2000 حتى عام 2014، كانت معظم الاستثمارات في الصناديق السيادية العربية بأوروبا وبشكل خاص في المملكة المتحدة، إذ كان يفضل العرب وخاصة البلدان الخليجية العمل داخل منظومة الاقتصادات المتقدمة، التي تتمتع بأسواق رأسمالية أكثر رسوخًا، وتعمل في ظل سيادة القانون ودرجة منخفضة جدًا من الفساد، بجانب الاستقرار السياسي وغياب العنف وسيادة القانون، وكلها كانت اشتراطات تتوفر في الديمقراطية الليبرالية الأوروبية.

استمر الوضع هكذا، حتى تحوّلت الدفة تمامًا، وأصبحت الصين هي السوق المفضل للعرب، بعد تنامي قوة تيار السلطة الجديد في حكم المنطقة، وخاصة دول الرباعي العربي الذي يرى في المدرسة الصينية النموذج الذي يجب ان يحتذى به على المستوى السياسي والاقتصادي ولكي يحدث ذلك كان يجب تحويل وجهة الصناديق السيادية العربية إلى بكين، وهي مسارات جديدة تمت بتدرج ورصدتها مؤسسة «انفستكو» التي أصدرت تقريراً قبل أيام عن الآليات الجديدة في إدارة الأصول السيادية العالمية، وهو تقرير سنوي يرصد السلوك الاستثماري المعقد لصناديق الثروة السيادية والبنوك المركزية.

التقرير كشف عن عن تراجع جاذبية أوروبا بين مستثمري الصناديق السيادية العربية التي أصبحت تولي أهتماماتها بالأسواق الناشئة، وعلى رأسها الصين. وكانت المفاجآة أن 88% من مستثمري الشرق الأوسط، وخاصة الخليجيين منهم، تغيّرت تفضيلاتهم لترمى الكرة في ملعب الصين منذ 2017، ولا سيما أن هناك هدف أسمى، وهو بناء الخبرات واكتسابها من التجربة الصينية، ولن يحدث ذلك إلا عبر الاستثمار في الشراكات وتطوير الكفاءات.

يمكن القول أن  احد أهم أسباب هجرة صناديق الثروة السيادية العربية من أوروبا، وتحولها للصين، تباطؤ النمو الاقتصادي في القارة العجوز

لم يعبأ العرب بمخاطر الاستثمار التي تدق فيها معظم الصناديق العالمية، إذ تلتزم الكثير من الصناديق السيادية طوعًا بمبادئ سانتياجو، وهي مجموعة من المبادئ التوجيهية التي تم الاتفاق عليها في 2008 وتحكم كيفية عمل صناديق الثروة السيادية، استنادًا إلى أسس المخاطرة الاقتصادية والمالية واعتبارات العائد ذات الصلة، إذ يعتبر أغلب المختصين أن هناك تحديات كبرى، تعرقل نقل وجهة الاستثمارات إلى الصين؛ حيث لا تزال معضلة ضعف الشفافية تشكل عقبة كبيرة أمام زيادة الصناديق العالمية بهذه البقعة من العالم، بجانب اشتعال الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، ما يعني ضرورة التمهل في الانفتاح الكامل على التجربة الصينية، ورصد التقرير زيادة مستثمري الشرق الأوسط لمخصصاتهم بنسبة 75% خلال عام 2018 رغم التخوفات العالمية المعلنة. 

ما سر تخلى العرب عن أوروبا ؟           

‎‪يمكن القول إن أحد أهم أسباب هجرة صناديق الثروة السيادية العربية من أوروبا وتحوّلها للصين هو تباطؤ النمو الاقتصادي في القارة العجوز، والتنبؤات المتزايدة بالمخاطر. إذ ينظر المستثمرون العرب إلى أوروبا بعين القلق وخاصة بعد تفشّي صعود الأحزاب والحركات الشعبوية اليمينية المتطرفة، وما يمكن أن يتبع ذلك من توجهات شمولية في إدارة الاقتصادات الأوروبية الكبرى. هذا بجانب الضعف والتقلبات التي تجتاح سوق الأسهم الأوروبية وتأثير ذلك على انخفاض العائدات الإجمالية للاستثمار، ما ينعكس في النهاية على أداء الصناديق السيادية والمكاسب المستهدف تحقيقها.

في المقابل، ومنذ عام 2007، والاقتصاد الصيني ينمو بسرعة عالية وحصّل إدخارات كبيرة في الحساب الجاري وبفائض كبير، حتى أصبح الاستثمار الصيني أهم مساهم رئيسي في الاستثمار الأجنبي بسندات الخزانة الأمريكية، ومع الانتعاش الاقتصادي الضعيف للاقتصاد العالمي، وتباطؤ نمو فائض الحساب الجاري للتجارة الخارجية بين بلدان العالم، ورفع  الدولار الأمريكي أسعار الفائدة، بجانب انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي، تزاحمت الدول وخاصة العربية على وجه التحديد للاستثمار في المنتجات والتقنيات والخدمات ونماذج الأعمال المتقدمة الناتجة عن التحديث الاقتصادي، الذي ساهم في نهوض الصين.

مع الأزمات العالمية في السنوات الأخيرة، كانت التنمية الاقتصادية سيئة وانخفض معدل النمو الحقيقي للاقتصاد العالمي، واستمر الطلب العالمي في التدهور وتراجع النشاط التجاري بسبب جوهر السياسة الاقتصادية التي اتبعها ترامب، لمكافحة العولمة والتجارة الحرة، من أجل تشجيع رأس المال والشركات الأمريكية على العودة لزيادة وظائفهم من خلال سياسات ضريبية جديدة.

بحثت الصناديق العربية، عن مكانة راسخة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والتجارة الإلكترونية، التي تتفوق فيها الصين، وهو تحول نوعي كبير

أعاد ترامب صياغة اتفاقيات تجارة حرة دولية، وخرج من أخرى. تزامن ذلك مع الأزمة الأوروبية، وجاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لتتأثر شعبية أوروبا والتجارة الحرة داخل الاتحاد الأوروبي بعدما كان الشغف الأكبر لأي مسثمر في العالم، سواء كان اسثمارًا فرديًا أو استثمار حكومات ودول، بعدما أصبح هناك تشكّك كبير في تنامي العولمة الاقتصادية بالمستقبل، في ظل تفشي السياسات الحمائية الأمريكية الجديدة، لتوقيف الخصوم والمنافسين عن اللحاق بها، سواء كانت مبرّراتها منطقية أو عداونية، وتهدف لإيقاف الزحف الصيني للتربع على القمة.

من هذه المنطلقات بحثت الصناديق العربية عن مكانة راسخة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والتجارة الإلكترونية التي تتفوق فيها الصين، وهو تحوّل نوعي كبير، حيث كان يركز العرب على مدار العقود الماضية على الاستثمارات التقليدية المحافظة لزيادة أرباحهم، أما الآن فأصبحت الرغبة العارمة تنحصر في نقل التكنولوجيا إلى المنطقة للمساهمة في التنمية الاقتصادية وإيجاد عوائد بديلة للإيرادات النفطية بعد هبوط سعرها. تعتبر هذه التحديات هي الأهم للمنطقة، في ظل توجه كل دولة للاندماج في أدبيات الثورة الصناعية الرابعة، رغم الصعوبات التقنية وعدم الخبرة الكافية للدول العربية في تقييم شركات التكنولوجيا واحتساب مخاطر الاستثمار قبل الغوص فيه.