صورة مشوشة وجدران متآكلة، هذا كل ما نعرفه عن حياة الإنسان قبل قيام المجتمعات في الوقت الذي قمنا فيه بتصنيف ما سبق ذلك بالبدائية والفوضوية والصراعات اللامتناهية بين البشر وبعضهم البعض في صراعهم من أجل البقاء، فقد كانت الفوضى هي القانون الأول الذي حكم هذه الأرض، وبهذا فقد قامت المجتمعات على ذلك الأساس منذ نشأتها، وجاء النظام أو ما نُعرفه حاليًا "الوجود" مناهضًا لتلك الحقيقة ليُبعث بدوره من الفوضى الإنسانية.

في إحدى النظريات السياسية المفسرة لظهور الدولة، جاءت الدولة لتنظم وتمحو آثار الصراع الذي انطلق من الغريزة الإنسانية الأولى التي يولد بها الإنسان "الدفاع والبقاء"، فقد انتظمت حياة الأفراد تحت ظلال الدولة في إطار معيشي مغلق، وأُطلق على هذا النمط (النمط الاستقراري) الذي عملت الحكومات على توظيف شعارات من قبيل السلام والتنمية والوحدة لصالح ذلك النمط فيما بعد.

ولكن هل ما عرفته البشرية بعد هذا القيام كان استقرارًا بالفعل؟

مع قراءة التاريخ، تتضح لنا بعض النقاط الهامة والتي تبرز لنا أهمية العودة مجددًا للإجابة على هذا التساؤل دون أي أحكام مسبقة، لأن الأوضاع الاستقرارية التي عانت المجتمعات حتى تعمل على ترسيخها لم تدم طويلاً، فسرعان ما ينفض هذا المدعو استقرارًا إلى احتجاجات وثورات على السلطوية القائمة بذاتها بمختلف الآليات والسياسات المتبعة في جميع الأنحاء.

الحقيقة أننا لم نكن لنحمي المبادئ أو الوطن أو المجتمع أو الحجج الأخرى المثالية التي نعتمدها، ولكننا نحمى ذاتنا التي وُجدت داخل تلك الجماعات دون أي رغبة منا في ذلك

فنحن لم نعش يومًا في ظل السلام الذي سعينا إليه عندما تنازلنا عن حريتنا في إطار الجماعات المختلفة، فالواقع أننا ننتقل من مشهد إلى مشهد أكثر فوضوية تمامًا، لأن التنازل الفردي للجماعة عن بعض أو كل الحقوق لم يقابله تحقيق الأهداف التي سعى إليها كافة الأفراد بمختلف نشأتهم وثقافاتهم المتعددة، فدائمًا ما تندلع الصراعات الداخلية لأن السلطات تميز فريق معين عن باقي الفرق، وبالتالي فإن التنازلات أفضت في صالح البعض وليس الكل مما يؤجج الغضب الشعبي بدوره.

بل إن الغضب الشعبي لا يتوقف عند ذلك الحد فقط، فهو يمتد حتى إلى الفريق الذي حاز على المزايا التي أحدثت هذا الجدل، فالفريق الواحد الذي اجتمع على توجه ما لا ينصهر كليًا في إطار تحقيق هذا التوجه وتلك الأهداف وحدها، حيث يشتمل على مختلف النزعات المتعددة والمختلفة في نمطها وتوجهها، فالفرد داخل هذا الفريق ينحاز إلى تحقيق أكبر قدر من المصالح التي تعود بالنفع على الجماعات الأخرى التي ينتمي إليها، هذا وبالإضافة إلى تملك النزعات الفردية حيث يعمل الفرد على تأمين ذاته بتأمين الجماعات التي ينتمي إليها، فهو لا يحمى تلك التوجهات التي يثأر لها ولكنه يحمي ذاته التي تؤول إلى تلك الجماعات.

فالحقيقة أننا لم نكن لنحمي المبادئ أو الوطن أو المجتمع أو الحجج الأخرى المثالية التي نعتمدها، ولكننا نحمى ذاتنا التي وُجدت داخل تلك الجماعات دون أي رغبة منا في ذلك، فالانتماء هنا انتماء زائف، لم نخير يومًا للانضمام إلى تلك المجتمعات التي تفرض علينا أنماط معيشية وقواعد وقوانين وأعراف وعادات وتقاليد لا منطق لها غير أننا ولدنا عليها.

قيل لنا أن معًا أفضل، معًا أقوى، ولم يقال لنا أن معًا نُرهب، معًا نقتل، معًا نروع

هل حكى لك أباك يومًا عن قوة الجماعة ممثلاً لك تلك الحكمة بالعصا الصغيرة التي تنكسر بسهولة بمفردها ولا تنكسر إذا كانت مع مثيلاتها؟

بتقبل الفوضى على أنها القانون الطبيعي دون محاولة إنكارها تتمثل لنا نتائج أكثر مُواءَمة مع المجتمع الذي فُرضَ علينا

نعم، كلنا نعرف تلك القصة التي توراثناها، ولكن هل فكرت يومًا عن مغزى تلك القصة؟

هل فكرت عن وضع العصا الصغيرة وسط تلك الكومة؟

ربما هي تختنق...

ربما وهي بمفردها كانت تعيش كما يحلو لها، تتنفس جيدًا، وربما كذلك كانت لتواجه تلك اليد الغاشمة وتجرحها، أو غير ذلك، لربما تنكسر بالفعل ولكنها كانت لترضى عن حياتها دون خناق.

علينا أن نتقبل حقيقة الفوضى

بتقبل الفوضى على أنها القانون الطبيعي دون محاولة إنكارها تتمثل لنا نتائج أكثر مُواءَمة مع المجتمع الذي فُرضَ علينا، أما عن قمعها ومحاولة إنكار قوة الفوضى النابعة من الذات الفردية فإنها لن تقود إلا إلى انفجار حتمي مهما طال أمده.

فعلى الفوضى أن تأخذ المجرى المناسب لها، أن نطلق لها العنان دون أي محاولات لكبح جماحها، فلن يمر الوقت حتى تتلاشى تلك الرغبات كأي شعور ننتشيه بمجرد أن نتلمسه ونعود إلى استقرارنا المزيف، ولن يمر الوقت أيضًا حتى نسترد ذلك الشعور وننقض مجددًا...

الأحزاب السياسية وجماعات المصالح والضغط بالإضافة إلى المجتمع المدني وغيرهم من التنظيمات ساعدت في تأهيل تلك الفوضى إلى استقرار مُتشح بالفوضى

على أن نأخذ في الاعتبار الانفراد الذي تتميز به المجتمعات المختلفة عن بعضها البعض من اختلاف الفترات الزمنية بين كل انفجار والآخر، إلا أن ما سمح بتمديد تلك الفترات في مجتمعات عن الأخرى هي استعياب تلك المجتمعات لطبيعة الفوضى وإيمانًا بها وبمدى تأصلها في الذات البشرية، مطلقين لها العنان في مفاعلاتها الخاصة، فقد عرفوا أن ينظموا فوضاهم.

فللآراء هنا قدسيتها، دعهم يتخلصوا من تلك الرغبات ودعنا ننظم لهم كيف نخلصهم من تلك الأفكار الغوغائية التي تتملك منهم، فإذا شُدّ اللجام أكثر من ذلك، تنطلق الثورات متفجرة لتعيد البناء من جديد، فهي دائرة ما تكاد أن تكتمل حتى تنعكس مرة أخرى.

حتى أن كافة التنظيمات السياسية التي تبنتها مختلف الأنظمة السياسية فيما بعد جاءت لهذا الغرض، فالأحزاب السياسية وجماعات المصالح والضغط بالإضافة إلى المجتمع المدني وغيرهم من التنظيمات ساعدت في تأهيل تلك الفوضى إلى استقرار مُتشح بالفوضى، وبانتقال تلك الهيئات بتشكيلاتها الإدارية إلى الأنظمة السياسية التي أدعت صوريًا تحولها الديمقراطي فقدت رؤيتها الخاصة ولم تستطع الأنظمة أن تتعامل مع ذلك الحراك المزعج، إذ لم يمر الوقت حتى عملت على وقفها وتعطيلها، أو على بعد أسوأ تمامًا؛ تدخل سلطوي لتمييز تشكيل يحظى بقبول السلطة عن التشكيلات الأخرى.

استقرار أم فوضى منتظمة مؤقتًا

لطالما ظلت السياسات تكبلنا بأغلال من صنيعها الخاص، وكلما ازداد الثقل كان أفضل لها، فمن يرى بعين واهية يرى ما ندعوه استقرارًا، فقد تفرد الإنسان دومًا بحريته منذ النشأة، نصطاد فرائسنا، وننام في العراء، لا وجود للسلطة إلا سلطة الطبيعة، ولا وجود للحكم إلا حكم الذات.

التكتلات البشرية والجماعات المختلفة ما هي إلا دائرة قاتمة لن تخرج من خناقها حتى الفناء

وما إن ظهرت المجتمعات حتى تكبلت تلك الحرية، وأثقلنا بمظاهر تلك المجتمعات التي انضممنا لها، فالقانون هنا واجب.

-"ولكن من الذي يضع القانون؟"

-"وماذا تعني "الإلزامية"!!"

-"اه، فلتخرجوا إلى العمل... اه، فلتخرجوا إلى العمل وإلا لن تروا الطعام..."

-"اه ها قد جاء الإله الذي أقام كل ما حولكم، أعبدوني وإلا لن تروا إلا الجحيم..."

-"مرتد، خارج، فوضوي!!!"

-"فلتخرج من بيننا، لا لن تخرج سيحكم عليك بالموت شنقًا والآن..."

-"هل أنت معنا!!!"

فالتكتلات البشرية والجماعات المختلفة ما هي إلا دائرة قاتمة لن تخرج من خناقها حتى الفناء، فالانطلاق أو ما أطلق عليه "فوضى" لاحقًا، هي الرغبة الطبيعية المتأصلة عند كافة البشر، ومثل كل الرغبات البشرية بالإمكان قمعها، والقمع هنا جاء بإحاطة الفرد بجدران المجتمع الصلبة والقيم المصطنعة التي استحدثت دفاعًا عن بقاء السلطات في مواضعها.