تربط الأتراك بتراثهم علاقة وطيدة ولا سيما ذلك التراث الذي يعود أصله إلى الدولة العثمانية، فنراهم يهتمون به ويحيونه باستمرار بطريقتهم الخاصة كل حين. ويأتي الطعام وأصنافه ضمن الموروث الثقافي الذي يتمسك به الأتراك ويسعون لتوفيره دائمًا، فالأطعمة البحرية والبقوليات واللحوم هي أول ما يلاحظ السائح انتشاره في تركيا، وإسطنبول تحديدًا، لكثرة المطاعم الشعبية وموائد الشارع المختلفة في كل حيّ و منطقة.

 فبينما تشدّ السائح قوارب السمك المشوي وكاسات المخلل الوردية في سوق إمينونو المطل على البسفور في إسطنبول، واصطفاف الناس أمام مطاعم المحار المحشي بالأرز في شارع بشكتاش يأتي صحن الفاصولياء ببساطته ومحدودية مكوناته شهيّ وكافٍ ليسد جوع يوم عمل طويل ويقدم للجسم الفائدة. فما قصة هذا الطبق عند الأتراك؟ 
 

قصة الفاصولياء

لا يُجمع الأتراك على أن طبق الفاصولياء هو من موروث الطعام التركي، وأنه جزء من المائدة الشعبية، نظرًا لحداثته. فتقول بعض المصادر إن طبق الفاصوليا دخل إلى تركيا في القرن الثامن عشر عن طريق الأوروبيين الذين وصلتهم حبوب الفاصوليا في القرن السادس عشر من أمريكا، إذ تُعرف الأخيرة باحتوائها أكثر من 200 نوع من الفاصوليا الخضراء والمجففة. على كلّ حال، وإن اختلفوا على أصالة الطبق تاريخيًا، إلا أن الواقع والذائقة العامة في تركيا تفرضه منذ زمن طويل.

يتصل المطبخ التركي كثيرًا بثقافة البلاد والمجتمع ويقول عنه الكثير أمام الزائرين، إذ يعتبر الطعام الشعبي معبّراً عن الطريقة التي يطبخ بها أهل المدينة وكيفية تناولهم لطعامهم إن كان على الطاولة أم على الأرض ويعبّر كذلك عن الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها وإن كان الناس يعانون من أوضاع مادية صعبة أثناء الحروب. كما أنه يقدم صورة وإن كانت غير كاملة عن المنتوج الزراعي وقوة أو ضعف الثروة الحيوانية للبلاد أو المدينة المشهورة بهذا الطبق. 

وفي هذا السياق، تحدث براق أو ناران، الكاتب التركي في كتابه "التاريخ في المطبخ" عن أهمية الطعام الشعبي بالنسبة للشعب التركي وكيف ساعد في توصيف وشرح أوضاع الشعب طوال سنين عدة فيقول: "إن طعامنا غالبًا ما يصف مجتمعنا من الداخل بطريقة تحضيره وتوافره، كما أنه يختلف من منطقة إلى أخرى وقد شهد تغيرًا أثناء الحروب التي مررنا بها. وحتى وإن كان تحضير الفاصوليا والأرز يختلف من مدينة إلى أخرى أو تم إضافة بعض التعديلات عليه إلى أنه يبقى طعامًا تركيًا كما لأي بلد في العالم طعامًا تشتهر به. 

نظرًا لأهميته في السوق التركي، تنظم العديد من الفعاليات المتعلقة بالفاصولياء، فعلى سبيل المثال، تنظّم غرفة التجارة في مدينة اسبارطة سنويًا مسابقة لاختيار أفضل طبق فاصوليا في المدينة، تجتمع عليه النساء ويبدأن بتحضير أطباقهن بصلصات خاصة بهن، ثم يوزعنها على الناس من الأهالي والمارّة ليصوتوا للفائزة. هذه دلالة كبيرة على أهمية وحب الأتراك للفاصوليا.

كما أن هناك الكثير مما يدعوا لتفضيل هذا الطبق عن غيره لسهولة تحضيره ووفرة مكوناته وأسعارها المتوسطة، إلا أن قدرة الطاهي على تغيير وإضافة مكونات حسب الرغبة هو ما يجعله منتشرًا  إلى هذه الدرجة إذ يقتصر تحضيره على البندورة والبصل المقلي في الزيت لتضاف لهم فيما بعد الفاصوليا وتترك على النار حتى تنضج ثم يقدم مع الأرز والمخلل. 

إذا كنت تتجول في تركيا، يمكننا الإشارة لبعض أفضل الأماكن التي تقدم الفاصوليا في العديد من المدن التركية، أشهرها تنتشر في إسطنبول في حيّ كراكوي وخلف جامع السليمانية في منطقة سليمانية، إضافة لمطعم "Bizce kuru" في منطقة زيتون بورنو، و "Kazımağa" في مدينة قونيا القديمة ومطعم "Lale Lokantası" في مدينة ريزة في منطقة البحر الأسود وهو مطعم قديم جدًا يعود عمره إلى 45 سنة.

مكانة الفاصولياء في المنتوج الزراعي

يعتبر قطاع الزراعة في تركيا من القطاعات المهمة التي تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد نسب التضخم وارتفاع الأسعار وانخفاضها أو انتعاش الاقتصاد المحلي، فيما تساهم الأقاليم المتعددة مناخيًا وجغرافيًا في إنتاج أنواع كثيرة من البقوليات والحمضيات والفواكه. بالنسبة لأوروبا، تحتل تركيا المرتبة الأولى في مجال الزراعة والمرتبة السابعة عالميًا. أما داخل تركيا، فقد أعلنت مؤسسة الإحصائيات التركية عام 2014 عن أكثر المدن التركية زراعة للفاصولياء احتلت بها مدينة قونيا المرتبة الأولى ثم تلتها مدينتيّ كهرمان مرعش ونيف شهير الأكثر تصديرًا للفاصوليا البيضاء والخضراء. 

كما تعدّ الفاصولياء من المحاصيل الصيفية التي تحتاج إلى درجات حرارة عالية لكي تنضج على عكس البازلاء. وعادّة ما تنضج بعد 55 أو 60 يوم من زراعتها وقد تحتاج أحيانًا إلى بيوت بلاستيكية داعمة أو أقفاص. 

فوائدها على الصحة وطريقة الطهي الآمن 

يكثر الحديث بين أخصائي التغذية والمواقع المهتمة بالصحة والطعام عن فوائد الفاصوليا الكثيرة إذ أنها مصدر كبير للبروتين وتمدّ الجسم بالكربوهيدرات بالإضافة إلى تمتعها بخصائص مضادة للأكسدة مما يعزز من صحة القلب وتساعد في تنظيف الجسم لاحتوائها مادة الموليبدينوم، التي تحفز عدد من الإنزيمات التي تعمل على تنظيف الجسم من السموم.

كما أن غناها بالألياف الغذائية تزيد من شعور الشبع لمدة أطول. برغم ذلك، ينصح دائمًا تناولها بعد طهي جيد كي تستطيع المعدة  هضمها بسهولة مما قد يؤدي إلى توعك لعدة ساعات وقيء في بعض الحالات لذا من الضروري التركيز على سلقها جيدًا في الماء قبل إضافتها إلى الصلصة أو إلى السلطات الباردة.