ترجمة وتحرير: نون بوست

لنعد إلى الماضي، إلى ما قبل ظهور فيسبوك وإنستغرام وتيندر، وقبل يلب وأمازون، وحتى قبل ماي سبيس. إذا تمكنت من العودة إلى ذلك الوقت وأخبرت الناس بما سيكون عليه العالم اليوم، فهل سيصدقونك؟ تصوّر أنك تخبر شخصا لديه 42 ألبوما من الصور الحقيقية (تلك الكبيرة التي يزن كل واحد منها 10 أرطال) بأن جميع صوره سيتم تحميلها وحفظها في المستقبل على "السحابة الإلكترونية". ماذا لو أخبرته أن المواعدة الحديثة تشمل تصفح الملف الشخصي للطرف المقابل، وأننا نختار المطاعم حسب عدد "النجوم" و"عدد المراجعات" لكل شركة.

تغيرت منذ ذلك الحين الكثير من المعطيات بالتأكيد، ولكن في المخطط الكبير للأشياء، بقي الكثير منها على حاله. يمكن القول إن الشبكات الاجتماعية جعلتنا أكثر إنسانية فقط من خلال منحنا القدرة المتزايدة باستمرار على التفاعل مع المزيد من الناس في كثير من الأحيان بطرق أكثر. ويتمثل الأمر الرئيسي الذي تغير في كيفية كسب المال من الإعلانات، ومع مرور الوقت أصبحت هذه المسألة أكثر فأكثر أحادية الجانب. قد يصبح مستقبل المشتريات مرتبطا بالشبكات الاجتماعية، ولكن هل يمكن للشبكات الاجتماعية أن تنمي قدراتها في هذا المجال دون أن تصبح أكثر شفافية؟

البلوكتشين والشبكات الاجتماعية

تعتبر تكنولوجيا البلوكتشين تقنية ثابتة وشفافة ولامركزية يمكن استخدامها كقاعدة بيانات أساسية للعديد من التطبيقات المختلفة. وقد أضحت الشبكات الاجتماعية هدفا لجامعي البيانات المتسللين الذين يبيعون معلومات المستخدمين دون إعطائهم أي مقابل. إذن ماذا سيحدث عندما نجمع بين كل من تكنولوجيا البلوكتشين والشبكات الاجتماعية؟

الإعلانات المستهدفة

هناك بالفعل منصات قائمة على تكنولوجيا البلوكتشين تحاول المساعدة على تحسين تجربة الإعلانات، سواء بالنسبة للمستخدم أو الشركات التجارية. ويمكن لتكنولوجيا البلوكتشين أن تخلق تجربة إعلان مستخدم أكثر واقعية من خلال دفع المستخدمين للتفاعل مع الإعلانات. وخير مثال على ذلك هو متصفح برايف، القائم على تقنية البلوكتشين مفتوحة المصدر، حيث أنه بدلاً من أن تغمر صفحة المتصفح إعلانات منبثقة وإعلانات الراية، يطلب منك بطريقة غير مزعجة مشاهدة موقع ويب أحد المعلنين (ومن المحتمل أن يكون محتوى الموقع مثيرا للاهتمام بالنسبة لك)، لذلك لا يسعك سوى النقر ودفع المال لشراء ما أعجبك على هذا الموقع.

التفاعل الاجتماعي غير المقيد

تقوم شبكات التواصل الاجتماعي بحفظ مصادر المعلومات الخاصة بك، لكن لا يمكنك معرفة ما إذا كان ذلك يخدم مصالحك أم لا، مع العلم أن الكثير من الأشخاص يريدون التفاعل بطريقة غير مقيدة دون أن يسيطر أي شخص على ما يرونه. بواسطة شبكة مايندز الاجتماعية القائمة على تقنية البلوكتشين، يصبح من الممكن أن تتحكم تفضيلاتك الخاصة في مصادر المعلومات الخاصة بك باستخدام منصة مفتوحة المصدر حيث يمكن لأفراد المجتمعات المحلية فحص بروتوكولاتها.

مسألة الثقة

من الصعب معرفة ما هو حقيقي وما هو مزيف في أي موقع مراجعة. وفي هذا الصدد، كشفت دراسة أجرتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن عددًا كبيرًا من المراجعات التي تُنشر على موقع أمازون مزيفة، وهو ما يعتبر بمثابة مشكلة كبيرة. ويمكن لتقنية البلوكتشين معالجة هذه المسألة عن طريق إنشاء سلسلة مساءلة، حيث لا تتمكن الشركات من إنشاء حسابات مزيفة لنشر مراجعات لمنتجاتها الخاصة. كما يمكن للبلوكتشين أن تمنح المستهلكين مساحة يمكنهم الوثوق بها بالفعل عند البحث عن معلومات حول منتج معين، على غرار ما يفعله موقع أونيو.

مستقبل مواقع التواصل الاجتماعي

تحظى هذه الجوانب المتعلقة بمواقع التواصل الاجتماعي بأهمية كبيرة أكثر من أي وقت مضى مع كل عملية تسريب بيانات تحدث. وبما أن الناس لن يتوقفوا عن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا نحتاج إلى إيجاد وسيلة تتسم بالشفافية واللامركزية لتأمين بياناتنا. وبالنظر إلى المستقبل، هناك بعض الأشياء التي تبدو في غاية الاتساق، حيث يرغب بعض الأشخاص في التفاعل، في حين أن البعض الآخر لديهم معلومات حول منتجات وخدمات وتجارب، بينما هناك أشخاص آخرون يريدون كسب المال من المعلومات التي بحوزتهم. وتجدر الإشارة إلى أن المسائل الرئيسية التي تحتاج إلى التغيير هي الجهة المستفيدة ماديا من بياناتنا ومكان حفظها.

من يشكل مستقبل الشبكات الاجتماعية؟

من المرجح أن يساهم عدد قليل من الشركات المُؤسسة لمنصات مختلفة في تشكيل مستقبل طريقة تفاعل الشبكات الاجتماعية وعمليات الشراء. وتهدف شركة البلوكتشين "سيسيا" إلى إنشاء شبكة اجتماعية حيث يمكن للمستخدمين التفاعل مع بعضهم البعض، والشركات الأخرى، وتبادل الخدمات عبر الإنترنت.

من جهته، يحاول فيسبوك اقتحام مجال البلوكتشين من خلال عملة ليبرا، التي يريد دمجها في المبادلات التي تجرى عبر شبكات التواصل الاجتماعي الحالية. فضلا عن ذلك، تحاول شركة سناكس إنشاء نظام أساسي لمواقع التواصل الاجتماعي حيث يمكن دفع المال للمشاركين مقابل المنشورات عالية الجودة التي يشاركونها (بدلاً من مجرد كسب المال من خلال الإعلانات).

من هذا المنطلق، دعنا نقسم الشركات المذكورة أدناه إلى فئات مختلفة ونكتشف أيا منها يخدم مصالح المستخدمين أكثر.

مكافأة المستخدمين

فيسبوك: لا يكافَأ المستخدمون على أي شيء، حتى لو كانت منشوراتهم أو صفحتهم تحظى بشعبية كبيرة. حتى بعد إصدار عملة ليبرا، فإن المستثمرين أصحاب رؤوس الأموال فقط هم من سيكسبون المال مقابل استخدام هذه العملة، في حين أنه يمكن للمستخدمين العاديين الاحتفاظ بها فقط (كعملة رقمية ثابتة).

سيسيا: تظهر الإعلانات على موقع سيسيا دائمًا على شكل مصادر معلومات اجتماعية، وغالبًا ما يعتمد فقط على ما يشتريه أو يهتم به أصدقاؤك أو أفراد أسرتك

سيسيا: يمكن مكافأة المستخدمين على تفاعلهم الحقيقي مع العلامات التجارية. على سبيل المثال، بعد زيارة أحد المطاعم (ونشر صورة للفاتورة)، يمكنهم الحصول على عمولات إذا أعجب المنشور أصدقاءه وزاروا المطعم نفسه في المستقبل.

سناكس: يدفع للمستخدمين بصفة مباشرة مقابل نشر محتوى يحظى بإعجاب المجتمع. وتتمثل الفائدة من ذلك في أن المعلنين لا يحصلون على المال بل الكتّاب، في حين يقرر المجتمع ما هو المنتج الذي يتسم بجودة عالية ويستحق دفع المال مقابل شرائه.

تحسين تجربة الإعلان

سيسيا: تظهر الإعلانات على موقع سيسيا دائمًا على شكل مصادر معلومات اجتماعية، وغالبًا ما يعتمد فقط على ما يشتريه أو يهتم به أصدقاؤك أو أفراد أسرتك. عندما تنقر على المنشور، سترى مواقف أصدقائك حيال المنتج وإعلانه، ما يسمح لك برؤية الإعلان من خلال جانبين مختلفين وتقييم المحتوى بشكل أفضل.

سناكس: ينشر الموقع على الصفحة الخاصة به، فضلا عن أن المؤلفين يواصلون نشر مقالات ترويجية. كما هو مذكور أعلاه، يتولى المجتمع مسؤولية فحص المحتوى، لذلك يظل من الممكن نشر مقال مزيف على الموقع.

سناكس: وفقا لما ذُكر آنفا، يمكن لأي شخص الكتابة على موقع سناكس وليس هناك ما يضمن أنه صادق فيما يقول؛ على غرار الشعبية التي يمكن أن يحظى بها مؤثر حديث العهد على موقع إنستغرام التي لا تعني بالضرورة مدى موثوقيته.

فيسبوك: ينشر فيسبوك الإعلانات في كل مكان وغالبًا ما تكون مصممة لتبدو وكأنها منشورات من أصدقائك الحقيقيين. يُعتبر هذا النوع من إعلانات كليك بايت تطفليا. وقد يؤدي إلى فقدان المستخدمين ثقتهم في الكثير من المنتجات.

محتوى موثوق به

سناكس: وفقا لما ذُكر آنفا، يمكن لأي شخص الكتابة على موقع سناكس وليس هناك ما يضمن أنه صادق فيما يقول؛ على غرار الشعبية التي يمكن أن يحظى بها مؤثر حديث العهد على موقع إنستغرام التي لا تعني بالضرورة مدى موثوقيته.

فيسبوك: يمكن لأي شخص مراجعة أي صفحة أو نشاط تجاري، ويمكن لأي شخص نشر أي شيء على فيسبوك ماركت بليس، وبوسع أي شخص كتابة أي مطالبة يريدها دون التحقق من صحتها.

على الجانب الآخر، لا يوجد ما يحفز أي شخص ليتحدث بصفة علنية عن مدى جودة مطعم معين لأنه لن يقع مكافأته. ووفقًا لـشركة زان ديسك، من الأرجح أن يتحدث الأشخاص عن تجربة ما عندما تكون سيئة، غير أنه من غير المحتمل أن يتحدث شخص ما عن مطعم غير مرغوب فيه.

سيسيا: تعد الجودة من الجوانب المشرقة لموقع سيسيا، حيث يدور نشاطها التجاري بالكامل حول التفاعلات الاجتماعية التي تؤدي إلى القيام بعمليات شراء ناجحة

سيسيا: لا يمكن لمستخدمي هذا الموقع مراجعة مطعم أو منتج أو حدث دون التحقق من تجربته من خلال سيسيا ماركت. ويمكن أن يحدث هذا إما عن طريق تقديم صورة عن إيصال أو مسح رمز الاستجابة السريع في الشركة أو جعل الشركة تتحقق من عملية الشراء عبر الإنترنت. وتساعد هذه المساءلة في ضمان عدم دمج أعمال تجارية أو منتجات سيئة مع مراجعات وهمية بهدف خداع العملاء لشرائها.

جودة ماركت بليس

سيسيا: تعد الجودة من الجوانب المشرقة لموقع سيسيا، حيث يدور نشاطها التجاري بالكامل حول التفاعلات الاجتماعية التي تؤدي إلى القيام بعمليات شراء ناجحة. وتمتلئ الماركت الخاص بسيسيا بالبائعين والمطاعم التي وقع فحصها ومراجعتها من قبل مستخدمين موثوقين، الذين تحققوا من ذلك باستخدام منصة بلوكتشين. ويمكن إنفاق الأموال التي يتحصل عليها المستخدم من تطبيق سيسيا على أشياء أخرى توجد داخل التطبيق ذاته، مما يجعل من السهل كسب المال وإنفاقه دون استخدام العملات الورقية.

فيسبوك: بمجرد إطلاق عملة ليبرا ودمجها في المبادلات التي تجرى داخل فيسبوك ماركت بليس، سيكون من السهل شراء الكثير من الأشياء باستخدام هذه العملة، غير أن هذه السوق لا تزال تفتقر إلى المساءلة. ودون وجود نظام موثوق به للتحقق من عناصر المعروضة على السوق الخاصة بفيسبوك، ستظل مسؤولية المشترين هي فحص مشترياتهم بشكل مستقل باستخدام معلومات يحصلون عليها من مصادر أخرى.

في الواقع، ليس سرا أن فيسبوك يسيء استخدام بيانات مستخدميه على الرغم من أننا نستمر في تجاهل مثل هذه المسألة. لكن شركات مثل برايف وسيسيا وسناكس تعمل جاهدة على حماية معلومات المستخدم، فضلا عن بحثها عن طرق لمكافأة هؤلاء المستخدمين على تفاعلاتهم الحقيقية. من يدري، ربما في يوم من الأيام سنلقي نظرة على عصر التكنولوجيا الحالي ونقول "كم كان هذا العالم غريبًا قبل ظهور البلوكتشين؟".

هل ستخدم البلوكتشين مصالح المستخدم؟

نأمل أن تكون البلوكتشين قادرة على تحسين طريقة تفاعلنا مع مواقع التواصل الاجتماعي وطريقة استخدامها، خاصةً فيما يتعلق بالإعلانات ودفع المال. وسيكون من الرائع أن تتحول جميع منصات التواصل الاجتماعي نحو اعتماد منصات البلوكتشين بهدف منع تسريب بيانات كثيرة حول المستخدمين (وبيع البيانات عن قصد)، لأنه على الأقل يمكن مكافأة المستخدمين على المعلومات التي يقومون بتوليدها. لكن لسائل أن يسأل: هل من الجيد أن يُكافأ المستخدمون على مشاركتها؟

المصدر: هاكرنون