عُلّقت الملاحظات المكتوبة بخط اليد على متن قارب يستخدمه المهاجرون على شاطئ لوس كانوس دي ميكا بالقرب من برباط في إسبانيا، بتاريخ 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018

ترجمة وتحرير: نون بوست

عندما قدمتُ إلى واشنطن لأول مرة في فترة التسعينيات، كان عدد الأشخاص الذين عملوا على معالجة مسألة شمال أفريقيا ضئيلا جدا كما كانوا متباعدين. وبما أنها اعتبرت منطقة منعزلة، لم يُقبل أي أحد إلى واشنطن بهدف حل مشكلة الصحراء الغربية.

بدلا من ذلك، عمل المناضلون من أجل السياسة الخارجية الأمريكية على تأمين ممرات الشحن البحري في الخليج الفارسي، وعلى كتابة ملاحظات مثيرة حول مدى ملاءمة العقيدة الوهابية المتشددة المنبثقة عن مثل هذه البيئة القاسية، بالإضافة إلى متابعة قضية السلام المستعصية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. تعد هذه الرؤية ضيقة بالنسبة للمنطقة التي لا تزال قائمة الذات إلى حد الآن، وهو ما يعتبر أمرا مؤسفا نظرا لأنه عندما يتعلق الأمر بمصالح الولايات المتحدة، تكتسي منطقة شمال أفريقيا أهمية أكبر مقارنة بهوس صنّاع القرار بالشرق الأوسط القديم والجديد.

تقع شواطئ الجزائر على بعد 469 ميلا من شواطئ فرنسا، أي ما يعادل المسافة الفاصلة بين واشنطن وتشارلستون في كارولينا الجنوبية. كما تبلغ المسافة بين كل من المغرب وإسبانيا تسعة أميال فقط

يمكن للمتمعّن في الخريطة استخلاص جميع ما يحتاج المرء إلى معرفته بشأن شمال أفريقيا وإدراك مدى أهمية هذه المنطقة لمصالح الولايات المتحدة الأساسية بما في ذلك ضمان الاستقرار والأمن في أوروبا. بطبيعة الحال، تكتسي المنطقة أهمية بالغة أيضا بالنسبة للملايين من سكانها، إلا أن جيرانهم عبر البحر الأبيض المتوسط لطالما ​​كانوا وسيظلون محور السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أن 146 ميلا فقط تفصل الساحل التونسي عن الساحل الإيطالي، كما تبلغ المسافة الفاصلة بين ليبيا واليونان حوالي 286 ميلا.

تقع شواطئ الجزائر على بعد 469 ميلا من شواطئ فرنسا، أي ما يعادل المسافة الفاصلة بين واشنطن وتشارلستون في كارولينا الجنوبية. كما تبلغ المسافة بين كل من المغرب وإسبانيا تسعة أميال فقط. لقد ساهم كل من التقارب من حيث المسافة والموروث الاستعماري في تشكيل المنطقة بطريقة تبيّن أن الجزء الشمالي للمغرب العربي يتشارك ثقافيا مع جنوب أوروبا أكثر مما يفعل مع أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. بالإضافة إلى ذلك، نذكر التراجع الاقتصادي في أوروبا والتدفق المستمر للمهاجرين من البلدان الأفريقية والجماعات المتطرفة وموارد الطاقة الوفيرة.

من جهة أخرى، سيكون من المبالغة الإقرار بأن كلا من شمال أفريقيا وأوروبا تتشاركان الخصائص ذاتها. ولا زالت الولايات المتحدة في حاجة ملحّة لخدمة مصلحتها في أوروبا والتي وصفها الراحل جورج بوش الأب بأنها "شاملة وحرة". في الحقيقة، يعاني صناع القرار في واشنطن من قلق متزايد بشأن ضعف أوروبا باعتبار أن كميات كبيرة من الغاز الطبيعي تأتي من روسيا و11 بالمئة فقط من الجزائر.

في حين أن هذه النسبة لا تبدو مرتفعة، تعد بعض الدول الأوروبية الفردية أكثر هشاشة من غيرها. فعلى سبيل المثال، تحصل إسبانيا على 52 بالمئة من الغاز الطبيعي من الجزائر وتصنّف هذه الدولة الواقعة في شمال أفريقيا كثاني أكبر مورّد للغاز في إيطاليا. وفي حال انساقت الجزائر إلى داخل موجة من أعمال العنف، وهو ما يعتبر احتمالا واردا، وتعطّلت إمدادات الغاز بطريقة أو بأخرى، فستواجه أوروبا مشكلة كبيرة.

أثارت قضية الهجرة غضب زعماء أوروبا، حيث ظلوا عالقين بين مطرقة النزعة العالمية الليبرالية للاتحاد الأوروبي وسندان القومية العنيفة التي كان من المفترض أن تعمل القارة الأوروبية الموحدة والديمقراطية والمزدهرة على التخلص منها

في هذه الحالة، هل ستنجح القارة الأوروبية في تعويض النقص من خلال الاستعانة بمصادر أخرى؟ على الرغم من أن ليبيا تتمتع بموارد وفيرة من الغاز، غير أنها تعيش على وقع حرب أهلية في الوقت الحالي. كما تمتلك مصر كميات هائلة من الغاز، لكنها تفتقر إلى القدرة على تعويض أي نقص محتمل قد تواجهه أوروبا. وفي سياق متصل، يود الإسرائيليون بيع الغاز إلى أوروبا إلا أن خط الأنابيب الذي يتصوّرونه قد لا يكون مجديًا من الناحية الاقتصادية.

في المقابل، أثارت قضية الهجرة غضب زعماء أوروبا، حيث ظلوا عالقين بين مطرقة النزعة العالمية الليبرالية للاتحاد الأوروبي وسندان القومية العنيفة التي كان من المفترض أن تعمل القارة الأوروبية الموحدة والديمقراطية والمزدهرة على التخلص منها. بطبيعة الحال، لا دخل للمهاجرين الذين يبلغون الشواطئ الأوروبية عبر شمال أفريقيا في ظهور الأحزاب القومية اليمينية والفاشية الجديدة في القارة، لكنهم ساهموا في تعزيز هذا الظهور، إذ كانت تبعات هذا الأمر على أوروبا مدمرة.

بقطع النظر عن التطورات في النمسا والمجر وبولندا، استفاد القادة المناصرون لحملة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وظهور ألمانيا كبديل من أزمة الهجرة في أوروبا خلال سنة 2015 بهدف تعزيز أجنداتهم التخريبية والخطيرة. ويعد كل من زعزعة الاستقرار في المملكة المتحدة واحتمال الاستقطاب السياسي الألماني بمثابة النكسة الاستراتيجية للولايات المتحدة. وفي حال كانت واشنطن تملك شريكا فعليا في هذا العالم، فستكون بالفعل لندن. في الأثناء، تلعب ألمانيا الديمقراطية والناجحة دور الأساس الضامن لاستقرار وازدهار الأوروبيين.

في تونس، وتحديدا في سنة 2015، تسبّبت مجموعة من المتطرفين في مقتل سياح أوروبيين على أحد شواطئ البلاد وفي متحف باردو بالعاصمة، ما دفع الفرنسيين إلى الاعتماد على القائد الليبي القوي المشير خليفة حفتر نظرا لوعوده بتصفية العديد من الأشرار

منذ حوالي عقدين من الزمن، انصبّ تركيز واشنطن على مكافحة القاعدة ثم تنظيم الدولة في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن. وعلى الرغم من أن فكرة التطرف في شمال أفريقيا تعتبر وليدة اللحظة، إلا أن المشاكل الإرهابية التي تواجهها الجزائر وليبيا وتونس أثّرت على أوروبا بطرق مروّعة.

خلال فترة التسعينيات، تعرّض مترو باريس للقصف من قبل متطرفين جزائريين حيث قاموا باختطاف طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية في محاولة لإجبار الطاقم على قيادة الطائرة نحو برج إيفل. لقد كانت الهجمات الإرهابية التي جدت مؤخرا في أوروبا محلية، لكن هذا لا يعني أن أوروبا في منأى عن التطرف المتأتّي من شمال أفريقيا.

في تونس، وتحديدا في سنة 2015، تسبّبت مجموعة من المتطرفين في مقتل سياح أوروبيين على أحد شواطئ البلاد وفي متحف باردو بالعاصمة، ما دفع الفرنسيين إلى الاعتماد على القائد الليبي القوي المشير خليفة حفتر نظرا لوعوده بتصفية العديد من الأشرار. قد يكون الرئيس إيمانويل ماكرون مخطئًا في تقييمه لقدرات حفتر، كما أنه من المحتمل أن تكون السياسة الفرنسية بصدد زيادة الطين بلّة، لكن من الجلي أنه على وعي تام بمصدر التهديد.



تمثّل كل من الجزائر وليبيا دولتان متراميتا الأطراف تقعان على الحدود مع تشاد ومالي والنيجر، حيث تواجهان بدورهما أعمال عنف من قبل متطرفين. ويفرض احتمال عمل بعض الجماعات على إقامة شبكات أو على الاندماج في هذه المنطقة تحديًا أمنيًا كبيرًا بالنسبة للأوروبيين. ولا تعتبر القوى الاستعمارية القديمة في شمال أفريقيا، التي تتمثل بالأساس في فرنسا وإيطاليا، الوحيدة التي تنشط هناك. وفي الواقع، تقيم روسيا علاقات دفاعية طويلة الأمد مع الجزائر، لكنها أصبحت أيضا أكثر نشاطا في ليبيا.

لا يحتاج بوتين إلى جمع حلفائه على حساب الولايات المتحدة، بل يحتاج فقط إلى منح روسيا قاعدة يستطيع من خلالها الاستمرار في زرع الانشقاق والارتباك في أوروبا

من المرجّح أن رغبة الرئيس فلاديمير بوتين في إضعاف وتقسيم أوروبا أضحت واضحة الآن علما بأنه قام بتشكيل شبكة نفوذ روسي حول البحر المتوسط​​، ممتدة من أنقرة في الشمال، مرورا بدمشق والقاهرة، وصولا إلى بنغازي عبر الغرب. والجدير بالذكر أن بنغازي تقع في الأراضي التابعة لحفتر وتعتبر المنطقة الليبية التي تحتوي على الجزء الأكبر من احتياطيات البلاد النفطية.

عموما، لا يحتاج بوتين إلى جمع حلفائه على حساب الولايات المتحدة، بل يحتاج فقط إلى منح روسيا قاعدة يستطيع من خلالها الاستمرار في زرع الانشقاق والارتباك في أوروبا. وبالنظر إلى مدى تسبب مجال الطاقة إلى جانب مسائل الهجرة والتطرف وطموح روسيا في منطقة شمال أفريقيا المتمثّل في تهديد الاستقرار الأوروبي، لا يبدو من الحكمة بالنسبة لصنّاع القرار في الولايات المتحدة مواصلة التعامل مع المنطقة كمسألة ثانوية.

سيكون إرساء السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين وكذلك تحقيق الديمقراطية في الشرق الأوسط، أمرا جيدا. لكن نظرا إلى حدود القوة الأمريكية، فإنه من المنطقي تخصيص الموارد الأمريكية لفائدة مناطق تكتسي أهمية أكبر بالنسبة للمصالح الأمريكية. وفي حال تراودك الشكوك حول أهمية شمال إفريقيا، يمكنك مراجعة الخريطة مجددا.

المصدر: فورين بوليسي