في الفترة الأخيرة، تبدو بريطانيا عاجزة عن وضع الأمور في نصابها.

ترجمة وتحرير: نون بوست

هل تبدو العملية العسكرية سيئة التخطيط التي جدّت في ممر ملاحي حيوي ومقامرة واشنطن الخاطئة للرد أمرا مألوفا؟

لطالما سيطرت بريطانيا على المجال البحري

تقضي رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، أيامها الأخيرة في منصبها للبحث عن طرق لتحرير ناقلة النفط البريطانية "ستينا إمبريو" التي استولت عليها إيران في مضيق هرمز الأسبوع الماضي. وفي ظل عملية تسليم السلطة لوزير الخارجية البريطاني السابق والمرشح المحتمل لتولي رئاسة الوزراء، بوريس جونسون، وقبل ما يزيد عن ثلاثة أشهر من موعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، تبدو هذه الحادثة بمثابة سوء تقدير كبير من جانب الطبقة السياسية التي كان لها دور في سوء عملية صنع القرار.

في الواقع، تعيد العملية العسكرية سيئة التخطيط التي جدّت في هذا الممر البحري الهام للأذهان أزمة السويس الكارثية سنة 1956، والتي وضعت حدّا لطموحات بريطانيا كقوة عالمية. ولكن أكثر شيء مثير للذهول في هذه الحادثة هو مدى قابلية التنبؤ بحدوثها منذ البداية.

تفتقر حكومة ماي إلى القدرة العسكرية الكافية لمنع حدوث المزيد من الهجمات، حيث أنها تمتلك حاليا فرقاطة حربية واحدة في المنطقة، وهي "اتش ام اس مونتروز"

لطالما كانت طهران تنفذ استراتيجية "المعاملة بالمثل" في الخليج العربي منذ أن بدأ الوضع في مضيق هرمز في التدهور خلال هذا الصيف. وفي غضون ساعات من استيلاء الولايات المتحدة على ناقلة نفط إيرانية بالقرب من جبل طارق في وقت سابق من هذا الشهر، دعا مسؤول حكومي بارز في طهران إلى الانتقام. وبالنظر إلى السهولة النسبية التي يمكن لإيران التحكم بها في عمليات الشحن عبر هذا المضيق (وهي حقيقة كشف عنها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، خلال مقابلة أجراها مع تلفزيون بلومبرغ الأسبوع الماضي)، فإنه كان من المقدر حصول مثل هذه الحادثة، كما كتب زميلي جوليان لي.

ماذا سيحدث في حال قررت طهران أن هذا الانتقام لا يرضيها؟

تفتقر حكومة ماي إلى القدرة العسكرية الكافية لمنع حدوث المزيد من الهجمات، حيث أنها تمتلك حاليا فرقاطة حربية واحدة في المنطقة، وهي "اتش ام اس مونتروز". ومن المقرر أن ترسل سفينتين حربيتين إضافيتين، "إتش إم إس دنكان" و"اتش ام اس كنت" لتحلّ محلها في الخليج خلال هذه السنة. وستكون مهمة هاتين السفينتين ضمان الحفاظ على حرية الملاحة البحرية في هذا الممر، أو في حال تعرّضت "مونتروز" لهجوم. في المقابل، يعد هذا الإجراء غير كاف لحماية أسطول تجاري يتكوّن من حوالي 1000 سفينة تجارية تملكها المملكة المتحدة، والتي قد تبحر في بعض الأحيان رافعة أعلام دول أخرى. والجدير بالذكر أن عدد الناقلات التي يحتمل عبورها لمضيق هرمز يبلغ حوالي ثلث هذا العدد الإجمالي.

من غير المنطقي أن تدخل المملكة المتحدة في حالة من الفوضى دون أن تدرك ما ستؤول هذه الأحداث، ولكن ما تقوم به في الآونة الأخيرة يبدو غير منطقي. من المؤكد أن الخدمة المدنية في البلاد كانت ستحذر مجلس الوزراء من تبعات عملية جبل طارق، مهما كانت مشروعيتها، وذلك نظرا لتهديد حدوث رد فعل عكسي سيكون من الصعب على البرلمان البريطاني احتوائه. ومن جهة أخرى، يجب على لندن اتباع ما قامت به الحكومات المجاورة لممرات النقل البحري العالمية منذ أمد طويل لتفادي وقوع أزمة دولية، ويبدو أن إسبانيا قد استخدمت مثل هذه الطريقة عندما مرت بهذا الموقف.

سواء قرر البرلمان البريطاني التدخل لأن الضرورة تقتضي ذلك، أم أنه يتوقع أن تدفع واشنطن بالجزء الأكبر من قواتها في الخليج العربي لحمايتها، فقد كان من الواضح أن تصرف الحكومة البريطانية ينم عن عدم وجود خطة احتياطية آمنة. كما أن حقيقة أن الأزمة لعبت دورا على خلفية استقالة السفير البريطاني لدى واشنطن، كيم داروتش، زادت الطين بلّة.

الخطر الأكبر لا يتمثل في تراجع مكانة بريطانيا في العالم، بل على العلاقات الدولية على نطاق أوسع

من المؤكد أن وجود علاقات دبلوماسية بين إيران والمملكة المتحدة، من الناحية النظرية، ستساهم قليلا في التوصل إلى حل هذه الأزمة مقارنة بوقوع حادثة مماثلة مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، ليس من الواضح أن لندن تملك نفوذا كبيرا خلال هذه الفترة. في الحقيقة، أصبحت العلاقات في الآونة الأخيرة متدهورة مقارنة بما كانت عليه سنة 2007، حيث استغرق الأمر حوالي أسبوعين للإفراج عن 15 من أفراد طاقم البحرية الملكية الذين قُبض عليهم في المنطقة المتنازع عليها بين إيران والعراق. 

والجدير بالذكر أنه وقع القبض على نازانين زاجاري-راتكليف، وهي بريطانية ذات أصول إيرانية، لأكثر من ثلاث سنوات على خلفية النزاع المستمر. علاوة على ذلك، لا يخفى على أي شخص أن تصريحات رئيس وزراء بريطانيا المحتمل ساهمت في مزيد تعقيد هذه الأزمة.

كما هو الحال مع أزمة السويس التي وفرت للاتحاد السوفيتي الغطاء لإرسال دبابات لقمع ثورة المجر سنة 1956، فإن الخطر الأكبر لا يتمثل في تراجع مكانة بريطانيا في العالم، بل على العلاقات الدولية على نطاق أوسع. وفي ظل انخفاض صادرات النفط الإيراني إلى أدنى مستوياته منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن رغبة طهران في الحفاظ على علاقات طيبة مع الأطراف المتبقية في خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامجها النووي يعتبر أحد أهم العوامل الرئيسية التي تحول دون تدهور الوضع في مضيق هرمز.

كما ذكرنا سابقا، فإن الوضع في مضيق هرمز دقيق للغاية أكثر مما نظن أنه يتعلّق بأسعار النفط الخام. كان الممر الهام لتدفق النفط في العالم ورقة مساومة لعدة أشهر. لن تلعب بريطانيا، في حالتها الضعيفة الحالية، دورا مهما لحل هذه الأزمة.

المصدر: بلومبرغ