في بداية يوليو/تموز الحاليّ تناقلت عدد من المصادر الإعلامية، العربية والأجنبية، بعض التسريبات المتعلقة بعزم أبو ظبي الانسحاب من معظم مناطق وجودها في الأراضي اليمنية، ضمن خطة "إعادة انتشار" لأسباب "إستراتيجية وتكتيكية"، خطوة فسرها مسؤولون إماراتيون بأنها تعكس رغبة سياسية في الانتقال من "إستراتيجية القوة العسكرية" إلى خطة "السلام أولاً" في اليمن.

الخطوة حينها أثارت الكثير من التكهنات عن الدوافع في هذا التوقيت بالذات بعد أربع سنوات كاملة من القتال ضمن قوات التحالف الذي تقوده السعودية، في حين لم يستبعد محللون أن يكون الانسحاب في سياق الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة بين واشنطن وطهران في ظل التصعيد المتبادل بينهما في الآونة الأخيرة.

آخرون، بعضهم ينتمي لجهات رسمية إماراتية لم يكشفوا هويتهم، لفتوا إلى أن الوضع العسكري أثبت أنه ما عاد مجديًا وقد آن الأوان للحلول الدبلوماسية، ووضع حد للمأساة الإنسانية التي تدور رحاها في الشارع اليمني على مدار السنوات الخمسة الأخيرة، الأمر الذي يعزز من فرضية إعادة النظر في الوجود العسكري داخل البلاد.

وبينما كان الجميع يجهز نفسه لمرحلة ما بعد الخروج الإماراتي من مناطق محددة في اليمن، إذ بوزير الخارجية أنور قرقاش يخرج بتصريحات جديدة تنسف التكهنات السابقة كافة، مؤكدًا في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية بقاء قوات بلاده، وأنها ما زالت تتولى في واجهة نفوذ التحالف وقيادته العسكرية جنوبًا، جنبًا إلى جنب مع استمرار إدارتها للتشكيلات المسلحة الانفصالية الخارجة عن سلطة وسيطرة الحكومة اليمنية.

تصريحات أثارت بدورها الكثير من التساؤلات عما تحمله من رسائل ودلالات على رأسها تلك المتعلقة بحقيقة الخلافات بين الرياض وأبو ظبي في الملف اليمني، وهي الخلافات التي ما عادت تحتاج إلى دليل إثبات، ليبقى السؤال: لماذا انتظرت الإمارات كل هذه الفترة لترد على التسريبات التي أشارت إلى مغادرة قواتها لليمن؟

باقون في اليمن

في مقال تحت عنوان "نحن فخورون بالدور العسكري لدولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن، ولكن حان الوقت للبحث عن حل سياسي" استعرض وزير الخارجية الإماراتي ملامح خريطة بلاده في اليمن، موضحًا ما قامت به من جهود على المستوى العسكري لدعم قوات التحالف على مدار السنوات الماضية.

إلا أنه وفي الجهة الأخرى أشار إلى أن التجربة أثبتت طيلة السنوات الأربعة الماضية منذ شن التحالف هجماته الأولى في 15 من مارس 2015 أن الحل العسكري لم يعد الأجدى بعد التعقيدات التي مني بها المشهد اليمني، ومن ثم لا بد من تعزيز المسار الدبلوماسي السياسي وتمهيد الطريق أمامه لتحقيق ما سماه السلام الداخلي.

قرقاش استند في مقاله إلى أن ما قيل بشأن إعادة انتشار بلاده لقواتها في اليمن لا يعني الانسحاب منها، إنما يأتي ذلك في إطار إعادة النظر في بعض الإستراتيجيات المستخدمة، مؤكدًا للمرة الثانية بقاء الوجود العسكري الإماراتي لا سيما في المناطق الجنوبية التي تمثل لأبو ظبي  قيمة لوجستية إستراتيجية كبيرة خاصة تلك المطلة على موانئ البحر الأحمر.

تعد تصريحات قرقاش الأولى من نوعها منذ تواتر التسريبات التي تشير إلى انسحاب جزئي للإمارات من اليمن

الوزير لم يكتف باستعراض موقف بلاده العسكري والسياسي داخل اليمن فحسب، ففي تغريدة أخرى له بالأمس أكد على صلب وقوة التحالف، ردًا منه على ما أثير مؤخرًا بشأن خلافات بين أعضائه لا سيما مع السعودية، وهو ما حرص الرجل على التأكيد عليه أكثر من مرة، حيث غرد قائلاً: "التحالف العربي في اليمن وفي قلبه المملكة العربية السعودية الشقيقة ودولة الإمارات، صلب وقوي وعزز آلياته امتحان الأزمة والحرب... التحالف يستعد للمرحلة المقبلة بأدواته السياسية والعسكرية وبإصرار على تحقيق أهدافه الإستراتيجية".

وفي الإطار ذاته اعتبر الرجل التحالف "حقق مجموعة من أهدافه الإستراتيجية وعلى رأسها صد محاولات تغيير التوازنات في المنطقة وعودة الدولة وتحرير الأرض ويبقى أمامه مشروع الاستقرار السياسي واستدامته"، في إشارة منه إلى استمرار العمل العسكري جنبًا إلى جنب مع دول التحالف الأخرى خلال الفترة المقبلة.

الخروج عن الصمت

تعد تصريحات قرقاش هي الأولى من نوعها منذ تواتر التسريبات التي تشير إلى انسحاب جزئي للإمارات من اليمن، ورغم أن تلك التسريبات خرجت عن مسؤولين رفيعي المستوى بجانب إعلاميين وبعض المقربين من دوائر صنع القرار، فإن معظمها كان دون ذكر أسماء، ما أثار الكثير من التكهنات بشأن دوافعها الحقيقية.

وعلى مدار ما يقرب من شهر تقريبًا منذ بدء تلك التسريبات لم تخرج أبو ظبي ولا أي من مسؤوليها للحديث عما يثار في وسائل الإعلام، تأكيد كان أو نفي، الأمر الذي أوهم البعض حينها أن مثل هذه التصريحات ما كان لها أن تمر هكذا دون موافقة ضمنية من السلطات الإماراتية.

لكن الأمر الآن تغير بصورة كبيرة، فتصريحات وزير الخارجية تشير إلى وجود أهداف ما دفعت الإمارات إلى التزام الصمت طيلة الفترة الماضية، وهو ما يدعو في الوقت ذاته للتساؤل: ما تلك الأهداف؟ ولماذا تخلى الإماراتيون عن صمتهم الآن؟

كسر هذا الصمت يأتي وفق ما ذهب إليه هذا الفريق بعدما استنفدت أبو ظبي أساليب الابتزاز لحليفها السعودي، ومن ثم فإن الفترة المقبلة من المرجح أن تشهد تراجعًا في حدة الانتقادات السعودية للمخططات الإماراتية في الجنوب

بالعودة للوراء قليلاً، يلاحظ أن المقدمات التي سبقت حديث الانسحاب والتسريبات المتعلقة به شهدت خلافات واضحة بين أبوظبي والرياض بشأن إستراتيجيات التعامل في اليمن، إذ تُظهر القراءة الأولية للسيناريوهات المستقبلية لهذه المعارك التي تجري على الأراضي اليمنية أن مواقف السعودية لن تتفق مع حليفتها الخليجية دولة الإمارات في ظل المعطيات الموجودة.

في دراسة بعنوان "الإمارات وأهدافها من الحرب في اليمن"، لنيل بارتريك الخبير في معهد كارنيغي، فإن هناك مخاوف قوية لدى السعوديين "أن تنتزع الإمارات مواطئ قدم إستراتيجية، ومن ثم تقويض النفوذ السعودي في الفناء الخلفي التقليدي للمملكة"، تتعزز هذه المخاوف مع "الدور المتوسِّع تدريجيًّا الذي تؤديه الإمارات في الحفاظ على الأمن في البحر الأحمر، في إشارة إلى سلاح البحرية الإماراتي الموجود في شرق إفريقيا وجزيرة سقطرى اليمنية".

بارتريك في دراسته أشار إلى أنه رغم التزام كل من البلدين، السعودية والإمارات، بشأن طبيعة الحرب المعلنة في اليمن منذ 2015، فإن كل منهما يدعم أفرقاء محليين معيّنين يختلفون عن أولئك الذين يدعمهم الطرف الآخر، وهو ما تجسده ساحة مدينة عدن الجنوبية التي تحولت إلى واجهة جديدة للصراع بين القوات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًّا، وحكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، التي تدعمها السعودية ماليًا وعسكريًا.

خلافات إماراتية سعودية بشأن الملف اليمني

لماذا الآن؟

البعض فسر الصمت الإماراتي على تلك التسريبات بأنه محاولة ابتزاز للحليف السعودي الذي بات يمثل ضغطًا كبيرًا على أجندة أبناء زايد في الجنوب اليمني، الأمر الذي كان لا بد معه من التلويح بورقة الانسحاب ما يضعف من قوة وتماسك التحالف العربي، وهو ما تتجنبه الرياض على الأقل في هذا التوقيت الذي تعاني فيه من تصعيد واضح لهجمات الحوثيين ضدها.

كسر هذا الصمت يأتي وفق ما ذهب إليه هذا الفريق بعدما استنفدت أبو ظبي أساليب الابتزاز لحليفها السعودي، ومن ثم فإن الفترة المقبلة من المرجح أن تشهد تراجعًا في حدة الانتقادات السعودية للمخططات الإماراتية في الجنوب، وهو ما تريده أبو ظبي التي تتعامل مع هذا الملف على أنه مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، خاصة أن التخلي عن تلك المنطقة يعني هزة عنيفة لمكانة دبي الملاحية في العالم.

الوزير الإماراتي بتغريداته الأخيرة سعى لنفي المعلومات التي تشير إلى أن التحالف السعودي الإماراتي، لم يعد بأفضل حالٍ، وأن أجندة أبو ظبي الخاصة، باتت في الواقع أحد أبرز أسباب الفشل السعودي في الحرب المستمرة باليمن منذ سنوات، عازفًا على وتر العلاقات القوية بين البلدين.

تصريحات قرقاش من شأنها إسدال الستار قريبًا على الخلافات السعودية الإماراتية في الملف اليمني، على الأقل لفترة مؤقتة لحين استطلاع الأجواء الملتهبة حاليًّا بصورة أكثر عمقًا، خاصة أنه على ما يبدو أن الرسائل المراد إيصالها من وراء تسريبات الانسحاب حققت أهدافها.