تسلّم بوريس جونسون، مهامه بشكل رسمي كرئيس لوزراء بريطانيا خلفًا لتيريزا ماي. وأعلن حزب المحافظين فوز جونسون بانتخابات الحزب بحصوله على 92 ألفًا و153 من أصوات الأعضاء، مقابل 46 ألفًا و656 لمنافسه وزير الخارجية الحالي، جيرمي هنت، هذا الصعود لجونسون والذي لقّبه الكثير من البريطانيين بـ "ترامب بريطانيا"، يلفت الانتباه للساسة العالمية التي أفرزت أشكالًا متشابهة لحكم الدول سياسيًا واقتصاديًا وطريقة التعامل مع القضايا العصرية بشكل عام.

فمن بوريس جونسون شبيه ترامب حتى في الشكل والحركات، إلى قادة أوروبا الذين تشابهت أفكارهم ومخططاتهم، للحكام العرب الذين تتطابق مواصفاتهم في طريقة الحكم والوصول إليه وطريقة إدارة البلاد. تشابه كبير وكأنهم يقرأون من نفس الورقة، أو يدرسون من ذات الكتاب، كالحال التي رأيناها في الرئيس المصري الذي حمله الانقلاب للحكم، وما يحصل الآن في السودان على يد محمد حمدان دقلو، الملقب بـحميدتي والذي يقود قوات ما يسمى بـ "الدعم السريع"، ساعيًا الوصول للقصر الرئاسي.

ومن الواضح أن وصول هؤلاء النظراء إلى كراسي الحكم سببه بشكل أساسي هو حمل شعارات محاربة اللجوء والإسلام وهو ما يروق للبعض في الغرب، وشعارات الأمن والاستقرار والتخويف من مصير دول خاضت حروبًا وشهدت دمارًا كبيرًا كالذي نراه لدى أرباب الثورات المضادة، والحقيقة أن الشعوب اليوم بالفعل تخاف من الوصول لما وصل إليه الآخرون، وهذا لا ينفي توقهم لنيل حقوقهم، وأيضًا في الغرب خلقت الحكومات والأحزاب المتطرفة صورة سلبية ونظرًة مخيفة عن اللاجئين والمهاجرين والمسلمين بشكل عام.

جونسون "ترامب بريطانيا"

لطالما أبدى بوريس جونسون إعجابه بنهج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فلا غرابة أن يكون الأخير في مقدمة المهنئين بفوز جونسون، إذ أنه غرد:" أهنىء بوريس جونسون الذي أصبح للتو رئيس وزراء بريطانيا. سيكون عظيمًا"، واعتبر بعض المغردين على تويتر كما ذكرت "بي بي سي"، أن فوز جونسون هو انتصار للشعبوية مطلقين عليه ألقابًا عدة منها "ترامب البريطاني" ومنهم من وصفه بـ"سليط اللسان".

لا يقف الشبه بين الشخصيتين عند شكلهما الخارجي، إنما يمتد للمواقف، لعل أبرزها الموقف من الهجرة والاتحاد الأوروبي. إذ يعتبر كلاهما أن بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد سيعود عليها بخسائر كبيرة. وتمامًا مثل ترمب الذي لا يفوّت مناسبةً إلا ويذم بها المهاجرين واللاجئين، والبرلمانيات المسلمات والمنحدرات من أصول أفريقية، هو جونسون. فقد هاجم في إحدى تصريحاته الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما نظرًا لأصوله الأفريقية. نظرًا لهذه التصريحات والمواقف يرى مغرّدون أن كلّا من ترمب وجونسون سيحيون بخطاباتهما من جديد فكرة تفوّق العرق الأبيض وسوف يهدّدون التعايش.

وفي هذه الأيام التي تمرّ فيها المنطقة بأزمة المضائق، وتحتجز إيران ناقلة لبريطانيا، فإن للرجلان وجهة النظر نفسها إزاء إيران التي يرون بها "منبع الشر" في الشرق الأوسط، وترى صحيفة "7 NEWS" البريطانية  أيضاً أن جونسون سيحرص على الحفاظ على علاقة قوية مع الولايات المتحدة، وسط حديثه عن أن زيارته الأولى بعد استلام مهامه ستكون للبيت الأبيض.

وليس بعيدًا عن جونسون وترمب، نجد ماتيو سالفيني الذي أصبح نائبًا لرئيس الحكومة ووزيرًا للداخلية. خطف سالفيني الأضواء بتصريحات مثيرة للجدل حين توعّد بطرد اللاجئين ومنع بناء المساجد في البلاد، وبات سالفيني نموذج ترامب الإيطالي، حتى أنه وصف نفسه ذات مرة بذلك حرفيًا، قائلًا: "أنا دونالد ترامب الإيطالي"، وتبنى سالفيني خطابًا عدوانيًا وصريحًا ضد قضية اللاجئين وقال إن "زمن المهاجرين الجميل ولى".

حميدتي والسيسي

بعيدًا عن الغرب وصعود اليمين المتطرف هناك، فإن العالم العربي يشهد صعودًا موازيًا للثورات المضادة التي تدعمها بشكل أساسي دولة الإمارات، التي بدورها تتحكم بوضوح بمفاصل الحكم ببعض الدول كمصر والسودان. هذه الثورات المضادة أفرزت حكامًا يتحدثون ذات اللغة ويتحركون بخطى واحدة وفق خطة تبدو مرسومة بيد رسامٍ واحد.

لا يختلف محمد حمدان دقلو قائد قوات "الدعم السريع" في السودان بخطاباته عن خطابات رئيس مصر عبد الفتاح السيسي. ففي إحدى خطاباته قال حميدتي: "نملك تفويضًا شعبيًا لتشكيل حكومة تكنوقراط"، الأمر الذي شبّهه الكثيرون بالتفويض الذي طلبه السيسي بعد مظاهرات يونيو 2013 وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي.

التشابه بين السيسي وحميدتي أصبحت مادةً دسمة في الإعلام العربي

وفي تطابق للتصريحات قال حميدتي "لا نريد الاستمرار في السلطة، ونفهم اللعبة السياسية جيداً من خلال دعوتهم إلى فترة انتقالية لأربع سنوات لحكم السودان من دون انتخابات"، من جهته كان السيسي قال قبل توليه السلطة إن القوات المسلحة لا تطمع في السلطة، ويركز الرجلان على أنهما يستمدان نفوذهما وقوتهما من الشعب، وكما أن وصول السيسي للسلطة ارتبط بتنفيذه مذبحة رابعة، فإن حميدتي نفّذ مذبحة "فض الاعتصام" بحق المتظاهرين السلميين في السودان.

وتتشابه طريقة وصول حميدتي والسيسي للحكم، فكلاهما لم يصعد مباشرةً لكرسي الرئاسة، فالسيسي لم يتولّ الحكم مباشرة، بل تم تعيين رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور رئيساً للبلاد، ولكن كان ينظر للسيسي خلال تلك الفترة على أنه الحكم الفعلي للبلاد. وخلال حكم عدلي منصور رقّي السيسي من رتبة فريق أول إلى مشير، إلا أن حميدتي وعلى الرغم من أنه لا يحكم السودان إلا أن مدير مكتب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في القاهرة ديكلين وولش قال إن حميدتي هو الحاكم الفعلي في البلاد ويريد أن يقدم نفسه على أنه المنقذ لا المخرّب.

صوت الشعوب

على الرغم من أن اليمين المتطرف والثورات المضادة أخذت وتيرتها بالتصاعد إلا أنها لم تحقق ذلك النجاح الباهر حتى الآن مع استمرار وجود خطر تصاعدها. ففي انتخابات الاتحاد الأوروبي حقق اليمين مكاسب في بعض الدول، وواجه خسائر في دولٍ أخرى، لكن هذه الانتصارات حتى الآن ليست كافية بالنسبة له لتغيير المشهد السياسي الأوروبي بالكامل، إلا أن احتمال ذلك لا زال واردًا.

أما في البلدان العربية فلم تستطع الثورات المضادة القضاء على أحلام الشارع العربي، الذي ما زال يتحرك ف إطار المتاح ليقف أمام الظلم. ففي ليبيا ورغم كل الدعم الإماراتي والفرنسي للواء المتقاعد خليفة حفتر إلا انه لم يستطع حسم معركته بل خسر مناطق عدة كانت تحت سيطرته. وفي السودان، رغم التضييق الأمني وسيطرة الجيش على مفاصل الدولة إلا أن الشعب لم يتوقف عن مطالبته بحقوقه التي خرج من أجلها.