كيف تقع القوى السياسية عبر التاريخ في نفس الخطأ فتستعين بالجيش من أجل القضاء على خصومها السياسيين ولا تدرك أن الجيش هو من سيقضي على كل القوى السياسية ويستولي على السلطة بشكل كامل؟ في كتاب "ذكرياتي عن الثورة" يروي سليمان حافظ المستشار بمجلس الدولة ذكرياته عن حركة الضباط في يوليو 1952، والتي شارك فيها كمستشار قانوني لمحمد نجيب وعضو مدني في مجلس قيادة الثورة ووزيرًا للداخلية.

انتمى سليمان حافظ في شبابه للحزب الوطني، وهو ما يفسّر عداءه لحزب الوفد وقياداته، وهو ما يفسّر أيضًا تبريره لما قام به الضباط الأحرار من عوائق وموانع تحول دون عودة الوفد للسلطة. ظن سليمان حافظ أنه يطهّر الحياة السياسية من الفساد ومن القيادات القديمة التي لا يجب أن تستمر بعد الثورة، وهنا تمامًا يقع الخطأ. إذ يفترض البعض أنهم مؤهلون للوصاية على الشعب "القاصر" الذي سوف يختار الفاسدين أو المتلاعبين إذا تُركت له حرية الاختيار. مما يؤدي إلى تحكم صاحب السلطة في اختيار الشعب وصولًا للحكم الاستبدادي المطلق الذي تكون حجته المعلنة هي حماية الشعب من الفاسدين.

انحاز سليمان حافظ لمحمد نجيب إعجابًا بشخصيته الهادئة وبساطته، وهو ما أدى الى تمتعه بشعبية جارفة حاز عليها. هذا الانحياز أدى لاحقًا لنشوب خلاف بين حافظ وبين جمال عبد الناصر ورفاقه، ولكن سليمان حافظ يتجاهل أن محمد نجيب لا يختلف كثيرًا عن عبد الناصر، فكلاهما رجل عسكري شارك في انقلاب، وأن تمتّع نجيب بالشعبية ناتج الى حد كبير من تلميع وسائل الإعلام له، وسائل الإعلام ذاتها التي ستقوم فيما بعد بتلميع جمال عبد الناصر. وكان من المفترض أن يكون انحيازه لتسليم السلطة للمدنيين وليس لرجل عسكري دون آخر.

يرى سليمان حافظ أن سياسة الحياد الموفقة من جانب الحكومة لن تواصل نجاحها واثرها ما دام هذا النظام ديكتاتوري لا يصلح الا لتسخير الفرد للدولة في حين أنها لم توجد الا لخدمته

ومع أزمة 1954 ثم تخلص جمال عبد الناصر من محمد نجيب، ابتعد سليمان حافظ عن المشهد السياسي ليبدأ في مراجعة مواقفه ويشعر بالندم على بعضها. تغيرت رؤيته لما صنعت يداه، فانتقد اتفاقية الجلاء مع بريطانيا ورأى أنها كانت متسرّعة وأعطت مكاسب للإنجليز، ورأى أن تصرفات مجلس الثورة مع محمد نجيب أدت إلى اختيار السودانيين الانفصال عن مصر بسبب حبّهم لمحمد نجيب واعتراضهم على الغدر به.

في  كتابه، يشخّص سليمان حافظ حالة الديكتاتورية العسكرية وما يتبعها من آثار، فيصف روح الشعب بأنها قد خبت تحت ضربات البطش والإرهاب من حاكم عقد النية على الحكم بأمره لا يكاد يستر نياته ما يصطنعه هو وأنصاره من مظاهر التهليل والتضليل، ورواج سوق النفاق وتفنن الصحافة في تملق أصحاب السلطان، وأن يصبح للناس وجهان أحدهما تبدو عليه مظاهر التأييد للحاكم والآخر فيما بينهم يكره العبودية.

ونتيجة للنفاق والتأييد، يفرض الحاكم دستوره الديكتاتوري ويقوم بإيثار الجيش عن باقي طوائف الأمة، وإيثار الأنصار من الضباط عن غيرهم، ولا يغفل سليمان حافظ ما رآه من إيجابيات كالجهود الكبيرة التي بذلت في تدريب وتسليح الجيش، ولكنه يرى أن انغماس الجيش في السياسة وإقصاءه للعناصر المدربة وشيوع الفرقة يضعف من الجبهة الخلفية، مما يعني أنه بناء ضخم من الرمال وهو ما يبدو كنبوءة بهزيمة يونيو 67.

ويرى سليمان حافظ أن سياسة الحياد الموفقة من جانب الحكومة لن تواصل نجاحها وأثرها ما دام هذا النظام ديكتاتوري لا يصلح إلا لتسخير الفرد للدولة في حين أنها لم توجد إلا لخدمته، فلا خير في نظام يجعل من الأمة قطيعًا لا يهمه أن يحكمه فرد منه أو أجنبي عنه ,وأن جهود إصلاح المرافق الاقتصادية والعلمية والصحية هي كإصلاح واجهات المباني دون إصلاح الجوهر الحقيقي.

عدوان واعتقال

حاول سليمان حافظ أن يسعى من أجل إطلاق سراح محمد نجيب المعتقل وذلك عن طريق بعث رسالة إلى جمال عبد الناصر عن طريق وزير العدل، إذ رأى حافظ أنه لم يعد هناك داع لاعتقال نجيب بعد استقرار الأمور، وأن حب الناس لنجيب سيكون له أثر في تخفيف ما يراه حافظ من مقت مكبوت لجمال.

كان العقاب لسليمان حافظ علي ادلائه بتلك النصائح هو الاعتقال في اواخر نوفمبر 1956، فيصبح ضحية جديدة لانقلاب عسكري ساهم في ارساء قواعده ,وتكييف القانون لصالحه

ولكن نشوب مشكلة تأميم القناة أجّل الاجراءات القانونية التي كان ينتوي حافظ فعلها من أجل الإفراج عن نجيب. إذ كان حافظ يرى أن تأميم القناة عمل صالح ولكنه كان يخشى أن يكون الضباط قد أقدموا عليه ارتجالًا وهو مأكدته له الأحداث. ومع بدء الهجوم الإسرائيلي والإنذار البريطاني-الفرنسي وهجوم الطائرات على المطارات المصرية وإعلان جمال عبد الناصر اللجوء للمقاومة الشعبية، طلب سليمان حافظ اللقاء بعبد الناصر وأثمر طلبه عن اللقاء بعبد اللطيف البغدادي وعبد الحكيم عامر ليخبرهم بمقترحاته وهي عودة عبد الناصر لكتيبته العسكرية وتولي محمد نجيب الحكم ليتولى عبد الناصر المقاومة العسكرية.

أما الاقتراح الثاني فهو إعلان مصر لحيادها السياسي على طريقة حياد سويسرا، وبينما رأى البغدادي أن الشعب قد نسي محمد نجيب وتحدى عبد الحكيم بنتائج الاستفتاء على رئاسة الجمهورية، كان رد سليمان حافظ بأنه استفتاء خادع وأن الـ99% من رأيه بينما قال عبد الحكيم عامر له: "لا يوجد في البلد مائة شخص يرون رأيك".

وكان العقاب لسليمان حافظ على ادلائه بتلك النصائح هو الاعتقال في أواخر نوفمبر 1956، ليصبح ضحية جديدة لانقلاب عسكري ساهم في إرساء قواعده، وتكييف القانون لصالحه وهو لا يدري أن من يستدعي عفريت العسكر لن يقدر على صرفه.