أحد أفراد القوات المسلحة الأردنية يحمل طفلاً يعيش في مخيم الركبان العشوائي، الذي يقع في المنطقة المحرّمة منزوعة السلاح قبالة الحدود السورية الأردنية، خارج عيادة طبية تشرف عليها الأمم المتحدة على الجانب الأردني مباشرة، في غرة آذار/ مارس 2017.

ترجمة وتحرير: نون بوست

وفقًا لمسؤولين أمريكيين وتقرير جديد أصدرته منظمة بحثية سورية، يسعى النظام السوري إلى تجويع آلاف المواطنين المشردين الذين لجؤوا إلى مخيم الركبان جنوبي البلاد، لإجبارهم على الفرار دون أي ضمانات على سلامتهم. ويوم 23 تموز/ يوليو، ظلّ حوالي 11 ألف نازح سوري يقيمون في الركبان، التي تقع في المنطقة المحرّمة قبالة الحدود السورية الأردنية، وفقًا لـ "إيتانا" وهي منظمة بحثية مقرها عمان تنشط تحت مظلة مبادرة الإصلاح العربي التي أطلقتها الناطقة باسم المجلس الوطني السوري بسمة قضماني. وقد جمعت هذه المنظمة معلومات من مصادر مدنية وعسكرية ميدانية متعددة داخل المخيم وبالقرب منه.

وفقا لمذكرة قدّمتها هذه المنظمة البحثية لمجلة "فورين بوليسي" في 23 تموز/ يوليو، قال مصدر يعيش داخل هذا المخيم إن "أغلب اللاجئين الذين ظلّوا يعيشون في المخيم مطلوبون من قبل النظام ووضعهم الأمني ​​خطير. ولكن نتيجة للجوع وظروف المعيشية البائسة، لم يعد أمامهم سوى خياران: إما الموت بسبب الجوع أم التعرض للقتل على يد النظام". وفي مقابلة له مع نائب قائد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في سوريا، أفاد اللواء أليكس غرينكويش بأن الأسد رفض السماح بتدفق المساعدات الإنسانية التي أرسلتها الأمم المتحدة إلى المخيم منذ شهر شباط/ فبراير الماضي.

ينصب الكثير من اهتمام وسائل الإعلام على المنطقة الشمالية الشرقية في سوريا، حيث يقاتل التحالف بقيادة الولايات المتحدة بقايا تنظيم الدولة الإرهابي، أو على محافظة إدلب الواقعة شمال غربي البلاد حيث يعد التفاوض على هدنة هشة بين كل من روسيا وتركيا مهدّدا بالفشل

في رسالة إلكترونية لمجلّة "فورين بوليسي"، أورد غرينكويش: "لقد عمل فريقنا تحت إشراف الأمم المتحدة على بعث رسالة إلى النظام السوري مفادها أنه ينبغي عليه السماح بتدفق المساعدات الإنسانية التي تقدّمها هذه المنظمة الدولية للمخيم"، مضيفا "لقد كان لنا موقف ثابت في دعوة جميع الأطراف إلى تشجيع السلطات المختصة على السماح للأمم المتحدة بالوصول دون قيود إلى الركبان من أجل توفير الإغاثة للسكان الذين يعيشون هناك". وذكر غرينكويش أن عددًا من عائلات القوات الشريكة للولايات المتحدة تقيم في مخيم الركبان.

ينصب الكثير من اهتمام وسائل الإعلام على المنطقة الشمالية الشرقية في سوريا، حيث يقاتل التحالف بقيادة الولايات المتحدة بقايا تنظيم الدولة الإرهابي، أو على محافظة إدلب الواقعة شمال غربي البلاد حيث يعد التفاوض على هدنة هشة بين كل من روسيا وتركيا مهدّدا بالفشل. لكن التقرير الذي أصدرته منظمة "إيتانا"، يسلّط الضوء على منطقة في سوريا وقع تجاهل الحديث عنها، حيث يعيش الآلاف من المدنيين تحت رحمة الأسد والميليشيات التي تدعمها إيران مثل حزب الله.

أثارت قصة نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" في 24 تموز/ يوليو الجدل حول الطرف المسؤول عن الظروف القاسية في مخيّم الركبان. وفي مقاله، أشار جيمس جيفري، الممثل الخاص للولايات المتحدة في سوريا، إلى أن الولايات المتحدة تجاهلت بشكل متعمّد الخوض في هذا الحديث، حيث قال: "في حال وفرنا لهم الغذاء، فإن الأمر سيبدو وكأننا سنظل هنا إلى الأبد". وأضاف قائلا: "لا يمكننا الالتزام بالتواجد طويلا في التنف أو في أي مكان آخر في سوريا".

انتقد كولين كلارك، وهو زميل بارز في "مركز صوفان" وعالم سياسي مساعد في مؤسسة الأبحاث والتطوير "راند"، الحكومة الأمريكية لأنها لم تعد تولي اهتماما للأزمة السورية بعد هزيمتها لتنظيم الدولة

حسب ما نقلته منظمة "إيتانا"، فإن الكثير من اللاجئين في المخيم يلقون اللوم على الولايات المتحدة والأمم المتحدة وحتى الأردن لعدم تقديمهم المساعدات العاجلة إلى مخيّم الركبان. ويحمّل بعض المنتقدين المسؤولية للحكومة الأمريكية، التي تسيطر على القاعدة العسكرية في التنف الواقعة على بعد 10 أميال فقط من المخيم، لتخليها عن السكان الذين "يموتون جوعا دون داع". ولكن، يحمّل غرينكويش مسؤولية الأزمة الإنسانية في مخيم الركبان في المقام الأول للنظام السوري.

يتفق باحث يتابع عن كثب التطورات الجارية في سوريا، طلب عدم الكشف عن هويته، بأنه لا توجد سابقة لتوزيع المساعدات الأمريكية على لاجئي مخيّم الركبان، حيث يتحكم النظام السوري وداعموه الروس فيما إذا كان سيُسمح للأمم المتحدة بالوصول إلى المنطقة أم لا.

في المقابل، اعترض مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية على ما ورد في المقال الذي نشرته "واشنطن بوست"، قائلا: "لقد رفضت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إقرار بالحاجة إلى تقديم المساعدة إلى مخيّم الركبان نظرا لاستحالة وصولها إلى المخيم، وإلا "لكنا وفرنا الغذاء لهؤلاء الأشخاص". وردا على سؤال حول هذا الادعاء، أجاب مسؤول بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بأن الولايات المتحدة "تسعى جاهدة للبحث عن كل السبل الممكنة لإيصال المساعدات إلى لاجئي هذا المخيم".

أضاف المصدر ذاته أن "الولايات المتحدة تؤمن إيمانا راسخا بأن اللاجئين في مخيم الركبان في حاجة إلى المساعدة الإنسانية، وقد دافعنا وعملنا مع الأمم المتحدة لتقديم المساعدات الإنسانية طوال سنوات"، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة قدمت مساعدات تتجاوز قيمتها 9.6 مليار دولار منذ بداية الأزمة في سوريا للسكان الذين كانوا في حاجة ماسة إليها"، منوّها بأن "أي ادعاء يفيد عكس ذلك هو عار من الصحة".

وفقا لـ "إيتانا"، فرّ الآلاف من النازحين من مخيّم الركبان معرضين أنفسهم لخطر الاعتقال من قبل قوات النظام أو التجنيد الإلزامي في الخدمة العسكرية بدلاً من البقاء داخل المخيّم بسبب الظروف المعيشية القاسية

من جهته، انتقد كولين كلارك، وهو زميل بارز في "مركز صوفان" وعالم سياسي مساعد في مؤسسة الأبحاث والتطوير "راند"، الحكومة الأمريكية لأنها لم تعد تولي اهتماما للأزمة السورية بعد هزيمتها لتنظيم الدولة. وفي هذا الصدد، قال كلارك: "كل شيء ممكن في الولايات المتحدة. إذا كنا نرغب حقًا في القيام بشيء ما وسعينا جاهدين لتحقيقه، فإنه يمكننا بلوغه".

بغض النظر عن الطرف المسؤول عنه، فإن الوضع داخل المخيم بائس للغاية. وفقا لـ "إيتانا"، فرّ الآلاف من النازحين من مخيّم الركبان معرضين أنفسهم لخطر الاعتقال من قبل قوات النظام أو التجنيد الإلزامي في الخدمة العسكرية بدلاً من البقاء داخل المخيّم بسبب الظروف المعيشية القاسية. وصرّح مصدر يعيش داخل المخيم لـ "إيتانا": "سنموت في كلتا الحالتين، في هذا المخيم البائس أو على أيدي النظام ... يمرّ المخي بأسوأ حالاته منذ إنشائه".

أفادت المنظمة بأن الذين فرّوا من المخيم يعانون من سوء التغذية الحاد ويعيشون على الخبز المصنوع من مكونات تستخدم عادة لإطعام الحيوانات. في بعض الحالات، أدى هذا الخبز إلى إصابتهم بحالات تسمم غذائي. ومع ذلك، فإن الطعام أضحى نادرا لدرجة أن الخبز يُعتبر "ترفًا". في الآن ذاته، إن البضائع التي تصل إلى المخيم "لا يمكن تحمل تكاليفها" بسبب التهريب وارتفاع الأسعار التي يتحكم فيها ضباط الجيش التابعين للنظام السوري. ووفقًا لمنظمة "إيتانا": "لقد ارتفعت الأسعار وبلغت مستويات هائلة، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد تدهور الظروف الإنسانية القاسية داخل المخيم".

فضلا عن ذلك، تعتبر الظروف الطبية أسوأ بكثير، فالممرضون القلائل الموجودون في المخيم يفتقرون إلى الخبرة الطبية الكافية وغير قادرين على تقديم العلاجات في الحالات الحرجة، بما في ذلك العمليات الجراحية. أما أولئك الذين يعيشون في المخيم، فمازال لديهم بعض الأمل بوصول المساعدات. لكن هذا الاحتمال يبدو غير مرجح، لأن جميع الأطراف المعنية تتراشق الاتهامات. وفي هذا الخصوص، قال كلارك: "يعكس هذا الأمر الوضع برمته حيث استنفذنا الكثير من الوقت والطاقة والموارد في هذه المعركة. وبعد سقوط باغوز، تخلينا عن هؤلاء اللاجئين".

المصدر: فورين بوليسي