"سجل حقوقي يزداد ثقلاً"، هي حال البحرين بحسب تقارير حقوقية كثيرة، أحدث ما أُضيف إلى ذلك تنفيذ أحكام الإعدام يوم السبت رميًا بالرصاص بحق 3 مدانين بحسب وكالة الأنباء البحرينية الرسمية، من بينهم شابان أُدينا حسب رئيس نيابة الجرائم البحرينية بتهم تتعلق بالإرهاب وحيازة متفجرات وأسلحة نارية، بينما اُتهم الثالث بقتل إمام مسجد.  

إعدامات مثير للجدل 

استحوذت القضية الأولى على اهتمام حقوقي واسع، وجاءت فيها رواية المعارضة البحرينية والمنظمات الحقوقية مناقضة للرواية الرسمية التي تحدثت عن "قيام تنظيم إرهابي تم تأسيسه والانضمام إليه من 12 متهمًا بالخارج في إيران والعراق وألمانيا و46 متهمًا في الداخل، بالإعداد والتخطيط لارتكاب عدد من الجرائم الإرهابية داخل البحرين".    

لم تذكر المصادر الرسمية أسماء من نُفِّذت في حقهم أحكام الإعدام، لكن منتدى البحرين لحقوق الإنسان قال إن كلاً من علي العرب (25 عامًا)، وأحمد الملالي (24 عامًا) أُعدما، وهما شابان بحرينيان في منتصف العشرينيات أُوقف كل منهما على حدة منذ 9 من فبراير/شباط عام 2017، دون أمر قضائي، وحُكم عليهما بالإعدام إلى جانب 58 رجلاً آخر في 31 من يناير/كانون الثاني 2018.

وفي محاكمة جماعية شابتها مزاعم التعذيب وانتهاكات خطيرة للإجراءات القانونية الواجبة، أيدت محكمة النقض البحرينية - محكمة الملاذ الأخير في المملكة - حكم الإعدام بحقهما في 6 من مايو/أيار 2019، بعد أن استنفدا جميع سبل الإنصاف القانونية وفرص الطعون القضائية المتاحة لهما دون أن يُخفف الحكم.

أخبرت عائلة العرب المنظمات الحقوقية أنه تعرض للضرب مرارًا وتكرارًا عند القبض عليه، وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، نُقل إلى عيادة السجن على كرسي متحرك بسبب ضربه على ساقيه، كما تعتقد العائلة

وبموجب القانون البحريني، بعد أن تؤكد محكمة النقض عقوبة الإعدام، يُرسَل القرار إلى الملك الذي يتمتع بسلطة التصديق على الحكم أو تخفيفه أو منح العفو، وفي 26 من أبريل/نيسان 2018، خفف الملك حمد الأحكام بحق 4 رجال حُكم عليهم بالإعدام في محاكمة عسكرية في ديسمبر/كانون الأول 2017.

ولأن القرار بات بيد السلطة الحاكمة في البحرين، كتبت 13 مجموعة حقوقية محلية ودولية، في 30 من مايو/أيار الماضي، رسالة مشتركة إلى الملك حمد بن عيسى آل خليفة بخصوص قضيتي العرب والملالي، وأثارت المجموعات مخاوفها بشأن حُكمَي الإعدام الصادرة بحق الرجلين بالنظر إلى الادعاءات التي تفيد بأن اعترافاتهما انتُزعت تحت التعذيب وانتُهك حقهما في المحاكمة العادلة.  

صورتا أحمد الملالي وعلي العرب اللذين أيدت محكمة النقض البحرينية حكم الإعدام بحقهما في 6 من مايو/أيار 2019

وفي رسالة سابقة بتاريخ 21 من مايو/أيار 2019، ناشد 5 خبراء أمميّين في مجال حقوق الإنسان حكومة البحرين "لوقف الإعدامين الوشيكين" بحق العرب والملالي، وأثاروا "مخاوف جدية من تعرضهما للإكراه على الاعتراف من خلال التعذيب، وكونهما لم يحصلا على محاكمة عادلة"، وقبل أشهر من ذلك، وجَّه 3 خبراء أمميون في حقوق الإنسان رسالة إلى الملك، عبّروا فيها عن قلقهم البالغ إزاء الحكم بالإعدام على عدة متهمين، منهم العرب والملالي.

كما أعرب فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي والمُقرر الأممي الخاص المعني بالتعذيب عن "قلق بالغ" إزاء مزاعم العرب عن تعذيبه، وذلك في رسالة إلى الملك في 6 من يوليو/تموز 2017، ردت الحكومة البحرينية، مدعية أن جميع المزاعم "كاذبة"، بدعوى أن العربي لم يبلغ عن تعرضه للتعذيب في أثناء التحقيق ولم يقدم هو، ولا أي شخص ينوب عنه، شكوى إلى أمين المظالم بوزارة الداخلية، لكن قالت عائلة العرب لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" إنها قدمت أكثر من شكوى إلى أمين المظالم.

اعتقال فتعذيب فإعدام 

وفقًا للمعلومات المتوافرة، أخبرت عائلة العرب المنظمات الحقوقية أنه تعرض للضرب مرارًا وتكرارًا عند القبض عليه، وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، نُقل إلى عيادة السجن على كرسي متحرك بسبب ضربه على ساقيه، كما تعتقد العائلة، وخلال استجوابه، قامت عناصر من الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بضربه وصعقه بالصدمات الكهربائية وقلع أظافر قدميه، ثم أجبروه على توقيع اعتراف بينما كان معصوب العينين، كما لم يتمكن من الاتصال بمحامٍ في أثناء استجوابه، ورأى محاميه لأول مرة خلال جلسة استماع للمحكمة، على حد قول أفراد أسرته. 

وقبل الإدانة، ذُكر أن علي العرب اختفى قسرًا لمدة شهر، تعرض خلاله للتعذيب لدى المباحث وفي سجن الحوض الجاف، للحصول على اعترافات استخدمت ضده في المحكمة، وزُعم أنه متهم بقتل ضابط شرطة، وإطلاق النار على دورية أمنية وإصابة أحد ضباطها، والمساعدة في محاولة للهروب من السجن، وحيازة أسلحة نارية، كما لم يكن لديه إمكانية الوصول إلى محامٍ قبل بدء إجراءات المحاكمة. 

تفيد مجموعات حقوقية محلية أنه في المرة الأخيرة التي أُخطر فيها أفراد أسرة السجناء المحكوم عليهم بالإعدام في يناير/كانون الثاني 2017، نُفِّذ الحكم بحق المحتجزين في غضون ساعات قليلة في أول أحكام بالإعدام المجمدة منذ عام 2010

أمَّا الملالي، فقد أُصيب برصاصتين على الأقل في يده اليمنى وكُسرت ساقه خلال اعتقاله، لكن خبراء في حقوق الإنسان تابعين للأمم المتحدة أشاروا إلى أن الرصاصات لم تُزَل إلا بعد 23 يومًا، وقد احتُجز الملالي بمعزل عن العالم الخارجي شهرين تقريبًا في إدارة المباحث. 

ووفقًا للخبراء، تعرض الملالي للتعذيب وأُجبر على التوقيع على "اعتراف" دون قراءته مسبقًا، ثم حكم عليه غيابيًا في انتهاك واضح لاتفاقية مناهضة التعذيب، ووُجهت إليه قبل ذلك تهمة حيازة أسلحة نارية والانتماء إلى خلية إرهابية والقتل المزعوم لضابط أمن، ويُزعم أنه لم يكن لديه حق الوصول إلى التمثيل القانوني إلا في وقت متأخر من إجراءات المحاكمة. 

وقبل التنفيذ بساعات، شهد محيط السجن وجودًا أمنيًا متزايدًا، بالإضافة إلى ذلك دُعي أهالي الشابين خلال مكالمات هاتفية من الجهات البحرينية الرسمية لزيارتهما على نحو عاجل بعد الظهر، حيث يُسمح لأفراد الأسرة بزيارة نهائية قبل الإعدام في اليوم المحدد له، وذلك بموجب المادة 330 من قانون الإجراءات الجنائية البحريني، وهو ما كان يؤكد اقتراب موعد تنفيذ الحكم بحق الشبان الثلاثة.   

وفي هذا السياق، تفيد مجموعات حقوقية محلية أنه في المرة الأخيرة التي أُخطر فيها أفراد أسرة السجناء المحكوم عليهم بالإعدام في يناير/كانون الثاني 2017، نُفِّذ الحكم بحق المحتجزين في غضون ساعات قليلة في أول أحكام بالإعدام المجمدة منذ عام 2010، وفي صباح هذا اليوم، ضاعفت السلطات في سجن "جاو" من وجود ضباط الأمن وشرطة مكافحة الشغب في كل مبنى وعلَّقت الزيارات العائلية لنزلاء السجن على نطاق أوسع، وتلقت أسر سامي مشيمع وعباس السميع وعلي السنكيس مكالمات مماثلة من السجن بعد أن أُعدم الرجال الثلاث رميًا بالرصاص في الصباح الباكر.

يبدو أن حكومة البحرين خططت بدقة هذه المرة، فبحسب مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية (منظمة غير ربحية مقرها لندن) الناشط المنفي سيد أحمد الوادعي، يتزامن توقيت عمليات الإعدام مع فترات الاستراحة التشريعية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لتجنب التدقيق الدولي.

"المملكة الصغيرة" تجاهلت كل المناشدات

منظمات حكومية عديدة ناشدت المنامة وقف أحكام الإعدام، بينها الأمم المتحدة على لسان أغنييس كالامار مقررة الأمم المتحدة المعنية بالقتل خارج نطاق القضاء والإعدام التعسفي، إلى جانب منظمة العفو الدولية التي اعتبرت إعدام الملالي والعرب جاء في محاكمة "جماعية جائرة".

المثير للقلق بشكل عاجل في الملف الحقوقي البحريني كما يؤكد حقوقيون أن 23 شخصًا آخر ينتظرون تنفيذ الإعدام بحقهم في أي لحظة بعد أن استنفدوا مراحل الطعن في الحكم

في حين ذكرت منظمة "هيومان رايتس واتش" أن ملك البحرين ارتكب ظلمًا كبيرًا بتصديقه على أحكام الإعدام بحق الرجلين رغم مزاعم التعذيب وغيرها من بواعث القلق، واعتبرت مديرة قسم الشرق الأوسط بالإنابة لما فقيه، أن عدم اكتراث الملك بالأدلة التي أثارها خبراء الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية يدلّ على أنه غير جاد بشأن الإصلاح.

بعد ذلك، تتالت المناشدات من منظمات حقوقية لتنفيذ هذه الأحكام، تمامًا كما كانت المناشدات تتوارد على الحكومة البحرينية، داعيةً إلى تجنب إعدامات تصر الأوساط الحقوقية على عدم توافقها مع أدنى معايير المحاكمات العادلة، لكن يبدو أن البحرين لا تبالي بكل ذلك.

حمل ذلك نشطاء ومعارضين على تنظيم وقفة احتجاجية أمام سفارة بلدهم بلندن، تحذيرًا من التنفيذ ومطالبةً بوقفه على اعتبار عدم احترام الإجراءات القانونية في الملاحقة، كما دعوا بريطانيا للضغط على المنامة لوقف الإعدامات، وتلك ملاحظات تتكرر في الشأن الحقوقي البحريني دون أن تعيرها اهتمامًا.

قائد الحرس الملكي العميد ناصر بن حمد آل خليفة، يتفقد خوذة بالستية عسكرية مدرعة خلال افتتاح معرض البحرين الدولي للدفاع  في المنامة

حدة الاحتقان عشية تنفيذ الإعدام حملت المعارض البحريني موسى محمد إلى اعتلاء مبنى سفارة بلاده بلندن، مطالبًا بتدخل الحكومة البريطانية لإنقاذ المحكومين بالإعدام، وبحسب ناشطين، سُحب موسى محمد إلى داخل المبنى، وسُمِعت أصوات صياح ومناشدة، وبدا من الصور تدخل عناصر من الأمن البريطاني بمشاركة مروحيات ودخول مبنى السفارة لتخليص الناشط المعارض من قبضة موظفي السفارة، الذي قال إن اثنين من موظفي السفارة انهالا عليه ضربًا بألواح خشبية.

استدعت رواية الاعتداء داخل السفارة لدى نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي ذكريات القنصلية السعودية بإسطنبول التي دخلها الصحفي السعودي جمال خاشقجي قبل 10 أشهر ولم يخرج، وبات مصيره البشع حديث العالم. 

سجل حقوقي مثقل بالانتهاكات

البحرين التي صمت آذانها عن المناشدات الحقوقية أصبح سجلها الحقوقي أكثر ثقلاً من أي وقت مضى كما يقول منتدى البحرين لحقوق الإنسان، الذي كشف مؤخرًا بيانات بشأن واقع الانتهاكات في البحرين، أكد فيها أن حالات الاعتقال التعسفي طالت 934 حالة، من بينهم أكثر من 140 طفلاً.

وبحسب التقرير، وصلت حالات التعذيب إلى أكثر من 790 حالة، منها 33 حالة إساءة لأطفال و40 حالة إساءة لنساء، ووصلت حالات الاختفاء القسري إلى أكثر من 200، حُرم هؤلاء من حقهم في الامتثال بمحامٍ أو من الزيارات، وفي حالات كثيرة لم تُعرف أماكن احتجازهم. 

رصد التقرير الحقوقي أيضًا تنفيذ السلطات الأمنية أكثر من 6 آلاف مداهمة خلال عام 2018، وقد عُرض أكثر من ألف مواطن بحريني على القضاء أو النيابة العامة لأسباب سياسية، بين هؤلاء أطفال ونساء، كما أصدرت محاكم البحرين أكثر من 1100 حكم قضائي سياسي، تضمنت هذه الأحكام الإعدام لنحو 30 شخصًا والسجن المؤبد لنحو 130، فضلاً عن إسقاط الجنسية عن أكثر من 300 مواطن بحريني.  

المثير للقلق بشكل عاجل في الملف الحقوقي البحريني كما يؤكد حقوقيون أن 23 شخصًا آخر ينتظرون تنفيذ الإعدام بحقهم في أي لحظة بعد أن استنفدوا مراحل الطعن في الحكم، واعتبروا أن الأحكام صدرت بحقهم بعد اعترافات انتزعت تحت التعذيب.  

انطلقت احتجاجات شعبية بقيادة الأغلبية الشيعية في البحرين، لكن السلطات اجتهدت في قمعها من جهة بمساعدة من جيرانها العرب في الخليج، وفي إلباسها من جهة أخرى ثوبًا طائفيًا لتسوق ممارساتها بحق المعارضين

في حين اعتبر تقرير "هيومان رايتس واتش" لعام 2019 أن المحاكم المدنية والعسكرية تواصل إدانة المعارضيين السلميين وحبسهم بمن فيهم مدافعون بازون عن حقوق الإنسان وزعماء معارضة بدعوى حماية الأمن القومي.

 وسبق أن وثقت المنظمة حالات تعذيب لدى المباحث مثل استخدام الصدمات الكهربائية والتعليق في وضعيات مؤلمة والضرب المبرح والتهديد بالاغتصاب والاعتداء الجنسي، ونقلت عن العديد من المحتجزين قولهم إن المحققين تفاخروا بسمعتهم في تعذيب المحتجزين، وأفاد العديد ممن تعرضوا للاعتداء إلى أنهم وقّعوا اعترافات قسرية.  

وأثارت "لجنة مناهضة التعذيب الأممية" مخاوف بشأن هيئات الرقابة البحرينية، بما فيها الأمانة العامة للتظلمات، وقالت إن هذه الهيئات لم تكن مستقلة ولا فعالة، ولم تحقق منذ إنشائها في 2012 في مزاعم موثوق بها بشأن إساءة معاملة السجناء أو محاسبة المسؤولين الذين شاركوا في التعذيب وأمروا به على نطاق واسع في أثناء عمليات الاستجواب منذ 2011. 

ومنذ ذلك العام، تتصاعد وتيرة قمع المعارضين في البحرين، حين انطلقت احتجاجات شعبية بقيادة الأغلبية الشيعية في البحرين، لكن السلطات اجتهدت في قمعها من جهة بمساعدة من جيرانها العرب في الخليج (السعودية والإمارات)، وفي إلباسها من جهة أخرى ثوبًا طائفيًا لتسوق ممارساتها بحق المعارضين. 


 

مظاهرات بعد وفاة شاب بحريني على إثر إطلاق النار عليه خارج منزل أحد قادة الشيعة في البحرين

وبالعودة إلى أجواء هذه التظاهرات، يشهد الشارع البحريني مجددًا، ومنذ يوم السبت، تصاعدًا في حراك الاحتجاجات، حيث استخدم الأمن البحريني الغاز المسيل للدموع  لتفريق احتجاجات منظقة البلاد القديم في العاصمة المنامة، ليلقى الشاب العشريني محمد المقداد حتفه بعد أن وُجد فاقدًا للوعي في احد شوارع العاصمة بعد فض الشرطة البحرينية للاحتجاجات، وهذه هي المرة الثانية خلال 24 ساعة التي تشهد فيها البحرين مظاهرات للتنديد بأحكام الإعدام بحق معرضين.    

من جهتها، قالت الداخلية البحرينية إن وفاة المقداد كانت أسبابها طبيعية، وهو ما يرفضه المعارضون بدعوى أن الغازات المسلة للدموع وتأخر الرعابة الطبية تسببا في الوفاة، وبين نفي الشبهة الجنائية والتقصير من قِبل السلطات ومحاولة إثباتها من قِبل المعارضة، تبدو البحرين في مواجهة عاصفة من الانتقادات لسجلها الحقوقي الذي تفيض عن كيله الانتهاكات.

لا تبدو معايير حقوق الإنسان في البحرين تسير في طريقها الصحيح في ظل تصاعد حالات القمع وأحكام الإعدام على الأقل من وجهة نظر المنظمات الحقوقية، فالتقارير تفيد باتساع دائرة قمع الحرية والتجريد من الحقوق كما يقول "مركز البحرين لحقوق الإنسان" تقريره السنوي للعام 2019.