بداية من اليوم، وانطلاقًا من محافظتي كربلاء وأربيل، يبدأ العراق مشواره في بطولة غرب آسيا لكرة القدم التي تعود بعد 6 سنوات من التوقف، وتسأل بلاد الرافدين جماهيرها والعالم الإثارة والمتعة، كما تأمل أن تستثمر الفرصة الذهبية لرفع الحظر الكامل المفروض على ملاعبها من الاتحاد الدولي، بعد ما يقرب من عامين كاملين على إعلان العراق دحر تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والانتصار عليه، أواخر عام 2017.

البطولة التي ينظمها اتحاد غرب آسيا برئاسة الأمير الأردني علي بن الحسين هي الأولى منذ آخر نسخة في 2013 التي توجت فيها قطر باللقب على أرضها، وكان مقررًا أن تقام النسخة الحاليّة في الأردن عام 2017، لكنها أُرجئت ونُقلت إلى العراق، لتقام أواخر العام الماضي، قبل أن تُرجأ مجددًا إلى الصيف الحاليّ، وبحسب الاتحاد العراقي لكرة القدم، تصل آخر الفرق اليوم، إلى محافظتي كربلاء وأربيل، بعد اكتمال جميع الإجراءات، ولم يبق إلا ضربة البداية.

مبارة الافتتاح ستلعب اليوم على ملعب مدينة كربلاء الرياضية، بين العراق ولبنان، على أن تنتهي البطولة في 14 من أغسطس المقبل، وتقام المباراة الختامية في ذات الملعب، وتضم المجموعة الأولى التي ستلعب في كربلاء كلاً من: العراق وسوريا واليمن وفلسطين ولبنان، بينما ستضم المجموعة الثانية التي ستلعب في أربيل منتخبات: السعودية والكويت والبحرين والأردن بإجمالي تسع فرق ستشارك في المنافسة، بينما تخلفت منتخبات كل من عمان وقطر والإمارات العربية المتحدة، واعتذروا عن المشاركة في البطولة.

كانت الفرق قد وزعت في 26 من يونيو 2019 بمدينة أربيل وفقًا لطلباتهم، وتم تقسيم الفرق التسعة إلى مجموعتين: المجموعة أ مع 5 فرق والمجموعة ب مع 4، في حين كان من المقرر عقد القرعة بين 18 و20 من يوليو 2019، وطلبت بعض الفرق من اللجنة المنظمة اللعب في أربيل، وبالتالي وضعها في المجموعة "ب" مع وضع بقية الفرق في المجموعة "أ" للعب في كربلاء، والفائزان بالمجموعات يتقدمان مباشرة إلى النهائي.

حظر اللعب على أرض العراق.. مراحل وتطورات

في مارس من العام الماضي، كان العراق على موعد مع مفاجأة عظيمة، لشعب يعشق ويهيم عشقًا بكرة القدم، حيث أعلن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جاني إنفانتينو، قرارًا تاريخيًا، سمح للاتحاد العراقي لأول مرة باستضافة بلاده للمباريات الدولية الرسمية في 3 مدن، لينهي بذلك حظرًا استمر على الملاعب العراقية منذ الغزو الأمريكي في 2003.

قبل السماح للمدن الثلاثة باستضافة المباريات الدولية، كانت هناك اختبارات متتالية لمدة تقترب من العام بواسطة الاتحاد الدولي، لكيفية إقامة المباريات الودية في أربيل والبصرة وكربلاء، وجاء ذلك بدعم قوي من الاتحاد الآسيوي، ورهن "الفيفا" قراره بموافقة الاتحاد القاري، ما ساهم في إنجاز المهمة بنجاح، في ظل الدعم الكبير من رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن ابراهيم آل خليفة، لرفع الحظر عن المباريات الرسمية بواحد من أهم وأكبر البلدان العربية، بكل ما تمثله الخطوة من ثقل على جميع المستويات وليس الرياضة وحدها.

خاض المنتخب العراقي آخر مباراة دولية غير رسمية، على أرضه العام الماضي أمام المنتخب السعودي في البصرة، وكانت مبادرة سعودية لدعم وتشجيع قرار "الآسيوي" رفع الحظر عن أسود الرافدين، ورغم الخطوة المهمة في تاريخ الرياضة العراقية التي عانت كثيرًا من التقلبات السياسية للبلاد منذ 20 عامًا، فإن ملاعب العاصمة العراقية بغداد، لم تستطع الاستفادة حتى الآن من قرار رفع الحظر.

ووفقًا لهذه المعطيات، لن يستطيع المنتخب العراقي اللعب هناك في الوقت الحاليّ، إذ لا يزال الأمر قيد الدراسة في ظل تخوفات كبيرة يبديها الاتحاد الدولي، مع طلب العراق بالسماح بإقامة مباريات ودية في بغداد، بسبب إرسال الطلب متأخرًا من بغداد، بجانب بعض التخوفات الأمنية.

يضع العراق في حساباته، الخطوة المقبلة لرفع الحظر كليًا عن الملاعب العراقية، من خلال التنظيم المتميز لهذه البطولة، وبجانب ذلك يراهن على الثقل السياسي الخليجي في الاتحادات الدولية

وسيلعب المنتخب العراقي على أرض البصرة في جنوب العراق وأربيل في الشمال وكربلاء وسط البلاد، وهي المدن الأكثر جاهزية من الناحية الأمنية والرياضية، حيث تمتلك البصرة ملعب "جذع النخلة" الذي يتسع لأكثر من 65 ألف متفرج، بجانب تميز المدينة بامتلاك مرافق وبنية تحتية حديثة وعصرية، أما كربلاء، فافتتحت ملعبها الأولمبي الجديد في نوفمبر الماضي، حين استضاف العراق المنتخب السوري في مباراة ودية أمام 30 ألف مشجع عراقي، ورغم عدم امتلاك أربيل ملعبًا بنفس مواصفات البصرة وكربلاء، فإنها تبدو الأكثر استقرارًا من الناحية الأمنية.

الثقل السياسي للخليج وفك الحظر عن ملاعب العراق

يضع العراق في حساباته، الخطوة المقبلة لرفع الحظر كليًا عن الملاعب العراقية، من خلال التنظيم المتميز لهذه البطولة، وبجانب ذلك يراهن على الثقل السياسي الخليجي في الاتحادات الدولية، وخصوصًا السعودية التي تعيد إنتاج سياساتها مع العراق على جميع المستويات، لإبقاء الدولة العربية الكبيرة على مسافة قريبة منها أو على الأقل على نقطة واحدة في صراعها مع إيران.

ولا يقف العراق فقط بين رحى السعودية وإيران، ولكنه يقف في المنتصف من أزمة التجاذب الخليجي، وإن كانت الدفة تميل إلى السعودية، بعد تطور الخلاف بين العراق وقطر على استضافة النسخة المقبلة من بطولة كأس الخليج في كرة القدم "خليجي 24"، وقد يكون التقارب مع الرياض ورفض التنازل للدوحة، سبب عدم مشاركة قطر في هذه النسخة من بطولة غرب آسيا، رغم أهمية المشاركة فيها للعراق، نظرًا للثقل السياسي للدوحة، وكذلك الثقل الرياضي الذي تتمتع به الآن بعد الفوز ببطولة كأس الأمم الآسيوية، وكل ما حدث فيها من تداعيات سياسية ورياضية، جعلت المنتخب القطري صاحب مكانة دولية كان يحتاجها العراق في هذا التوقيت لرفع الحظر كليًا عن ملاعبة ونشاطه الرياضي.

على المستوى اللوجستي، تخلص العراق من بعض المشاهد التي أثارت تخوفات الكثيريين، على رأسها المظاهر المسلحة في الملاعب

التصريحات الواردة من بغداد حتى هذه اللحظة بشأن عدم مشاركة بعض الدول العربية في البطولة، سواء للتشاحن بين بلدان الخليج أم تأسيسًا على ما ذكرناه في السابق بين الدوحة وبغداد للخلاف على تنظيم البطولة القادمة للآسيوي، تبدو في حالة من النضج الشديد، خاصة بعد الصخب الذي دار خلال الفترات الماضية، إثر انسحاب الاتحاد العراقي لكرة السلة من بطولة غرب آسيا للأندية العام الماضي، على خلفية قرار الاتحاد نقلها من بغداد إلى الأردن بسبب مخاوف أمنية أطلقها نادي الرياضي اللبناني، ما أغضب بعض المسؤولين العراقيين الذي هاجموا النادي اللبناني، واعتبروا من المؤسف، أن يرفض أحد الأندية العربية، اللعب في العراق، ما ساهم في تضارب رؤى الاتحادات الدولية، في قرارات رفع الحظر عن الملاعب كاملة.

على المستوى اللوجستي، تخلص العراق من بعض المشاهد التي أثارت تخوفات الكثيريين، على رأسها المظاهر المسلحة في الملاعب التي أسفرت في النهاية عن حادث إطلاق النار على حافلة نادي الزوراء، متصدر الدوري العراقي، من جانب أحد أعضاء نادي الشرطة في شهر يناير من العام الماضي، ما أوجد توترًا دوليًا من العقلية التي تمارس وتتابع الرياضة في الأندية ذات الصبغة العسكرية، وهم رجال أمن في المقام الأول، ما يعني أن هناك خللاً ما في فهم الرياضة ودورها وحدودها وانعكاستها.

ولم يتسن للاتحاد معرفة هل الحادث يمكن تصنيفه فرديًا أم أصبح عقيدة جماعية بين رجال الأمن، ما قد يؤثر على منح العراق تصريح كامل لإقامة الفعاليات الكبرى على أراضيه.

تخوفات رجال الاتحاد الدولي، دعمها، إعلان وزارة الشباب والرياضة العراقية في يناير من العام الماضي، إلغاء عقد تأجير ملعب الشعب الدولي في بغداد، مع نادي الشرطة التابع لوزارة الداخلية، على خلفية تصرفات مشابهة لضباط ومستشار لوزير الداخلية، وإن كان الأمر تم حله لاحقًا مع تفهم وزير الداخلية قاسم الأعرجي، للأزمات التي تثيرها مثل هذه التصرفات الغريبة على سمعة الكرة العراقية ومؤسساته الأمنية، ومنع الرجل في النهاية هذه المظاهر التي تتناقض بشكل صارخ مع لوائح الفيفا وتحضر العراق وعراقته الرياضية الضاربة في جذور التاريخ الحديث.