ترجمة حفصة جودة

يتجاوز عدد ضحايا القمع في العالم العربي جميع ضحايا الصراعات الأجنبية التي حاربت فيها الدول العربية الحديثة منذ نشأتها خلال القرن الماضي، تكشف عملية الجرد السريعة لضحايا الأنظمة العربية التي جاءت إلى السلطة بعد الاستقلال عند مدى العنف الذي تمارسه الدول العربية تجاه شعوبها، لتتحول من جهاز بيروقراطي يخدم شعبه إلى آلة قتل ترتكب الجرائم تحت ستار الشرعية.

من سوريا إلى السودان

في سوريا وحدها وفي أقل من عشر سنوات قُتل أكثر من نصف مليون مواطن بعضهم نتيجة البراميل المتفجرة التي كان النظام يلقيها على الأحياء السكنية، بينما تعرض عدة ملايين لجراح وللنزوح، كما أخفى النظام قسريًا آلاف آخرين.

لقد تجاوز إرهاب بشار الأسد ما فعله والده وعمه عندما دمروا مدينة حماة بالمدفعية الثقيلة في بداية الثمانينيات لسحق جماعة الإخوان المسلمين، بينما قام صدام حسين بأمر مشابه في المذابح التي أقامها ضد الشيعة المسلمين والأكراد بما في ذلك هجوم حلبجة الكيميائي عام 1988.

وفي ليبيا قمع الرئيس السابق معمر القذافي معارضيه في مذبحة سجن أبو سليم المروعة عام 1996 التي أدت إلى مقتل نحو 1200 سجين، في الجزائر، وقع عشرات الآلاف من المواطنين ضحايا للقمع والاستبداد خلال فترة التسعينيات المعروفة بالعقد الأسود، التي أثارها النظام والانقلاب العسكري ضد تجربة إسلامية ديموقراطية ناشئة، وانتهى عقد الدم باتفاقية مصالحة وطنية أطلقها الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة.

صورة للرئيس المصري السابق محمد مرسي معلقة في ميدان رابعة العدوية عام 2013

في السودان ارتكب نظام الرئيس السابق عمر البشير مذابح مروعة في دارفور وغيرها وكان مسؤولًا عن تقسيم البلاد واستنزاف ثروتها، وفي تونس تعرض آلاف المواطنين للاعتقال والتعذيب من عصر الحبيب بورقيبة إلى نظام زين العابدين بن علي حتى قيام الثورة التي تسببت في سقوطه عام 2011.

جرائم قتل تدريجية

في مصر، منذ عهد جمال عبد الناصر كانت السلطوية مسؤولة عن قتل آلاف المواطنين من خلال القمع والتعذيب، لكن أعمال القتل التي أصبحت الأبرز في تاريخ مصر الحديث هي التي تلت انقلاب 2013 خاصة مذبحة رابعة العدوية التي تسببت في مقتل أكثر من 1000 معارض.

أما النظام السعودي فما زال مستمرًا في تصفية النشطاء والمعارضين السياسيين سواء في القطيف أم بقية المناطق في المملكة وخارجها مثل قضية الصحفي الراحل جمال خاشقجي، وفي المغرب ما زال قمع الاحتجاجات مستمرًا في المناطق الريفية والمدن منذ الخمسينيات وحتى اليوم.

ما زالت أعمال القتل التدريجية مستمرة داخل السجون العربية ومراكز الشرطة البعيدة عن المراقبة أو وسائل الإعلام من خلال الإهمال الطبي، مثل قضية الرئيس المصري السابق محمد مرسي الذي توفي خلال محاكمته في شهر يونيو الماضي.

لقد ازدادت وحشية الدولة في أعقاب الربيع العربي وسط مخاوف من تفكك طغيانها

كما تقوم العديد من القوات الأمنية والعسكرية في عدد من الدول العربية بممارسة أعمال القتل تحت شعار "الحرب على الإرهاب"، وهو ما تفعله ميليشيات خليفة حفتر في ليبيا الآن، أضف إلى ذلك حالات الوفاة التي تحدث نتيجة فشل سياسات الدولة سواء في قطاع الصحة أو الإهمال المؤسسي في قطاعات مثل قطاع النقل، حيث يصل عدد ضحايا تلك القطاعات إلى عدة ملايين.

آلة قتل

هذه الجرائم وغيرها حولت الدول العربية من نظام تنفيذي مصمم لخدمة المواطنين إلى آلة قتل، وأصبحت الدولة جهازًا للجريمة المنظمة، ومتخصصة في نهب الثروات العامة، وكل من يعترض على شؤون الدولة يصبح مصيره القتل أو الاختفاء.

لقد ازدادت وحشية الدولة عقب الربيع العربي وسط مخاوف من تفكك طغيانها، لكن العالم العربي ليس فريدًا في هذا الصدد، فجرائم الديكتاتورية والسلطوية قديمة كالإنسانية، لكن الدول العربية بالإضافة إلى النخبة الحاكمة ومن يدورون في فلكها، تدّعي أنها تمتلك الحق في السلطة بعد عصر الاستقلال وأنها قادرة على إدارة تلك السلطة، بما يتعارض مع جرائمها ضد الشعب.

بهذه الطريقة، فهي لا تختلف كثيرًا عن الجماعات المتطرفة العنيفة التي تشن حربًا ضدها منذ عقود، فهذه الجماعات مثل الدولة الإسلامية تقتل باسم الدين، بينما تقتل الدولة العربية باسم الدفاع عن الأمن والاستقرار والقانون.

وفي حين أن إرهاب الجماعات المتطرفة مؤقت، فإرهاب الدول العربية مستمر وأصبح جزءًا لا يتجزأ عن روتين الحياة اليومية للمواطنين العرب، في الواقع، لقد أصبح إرهاب الدولة في العالم العربي أكثر تنظيمًا ووضوحًا وسوف يؤدي في النهاية إلى تدمير المجتمعات العربية.

لم يبق أمام المواطنين العرب إلا الأمل في حياة أكثر كرامة وأقل عنفًا، التي سيستمرون في التطلع إليها والقتال من أجلها بسلام وديمقراطية.

المصدر: ميدل إيست آي