حالة من الترقب تخيم على الشارع المغربي عقب تصريحات الملك محمد السادس بشأن إجراء تعديل في التشكيل الحكومي في الـ2 من أكتوبر/تشرين الأول القادم، وهو الموعد المحدد لافتتاح السنة التشريعية الجديدة في البرلمان المغربي.

العاهل المغربي في خطابه بمناسبة مرور 20 سنة على توليه الحكم دعا إلى مرحلة مغايرة لما هي عليه الآن عبر ضخ دماء جديدة في حكومة سعد الدين العثماني التي أثارت الكثير من التساؤلات عن أدائها العام منذ تعيينها في أبريل/نيسان 2017، لا سيما على مستوى الحقوق الاجتماعية.

التصريحات تناولت كذلك تشكيل لجنة خاصة بهدف وضع النموذج التنموي الجديد للبلاد، وذلك بغرض معالجة المشاكل التي اعترت النموذج المعتمد حاليًّا، مضيفًا أنه سينصب أعضاء اللجنة مع بداية الموسم السياسي المقبل، في محاولة لسد الثغرات التي تخللت النظام القديم وألقت بظلالها القاتمة على الطبقة المتوسطة في المملكة.

مرحلة جديدة

طلب الملك من رئيس حكومته أن يقترح عليه شخصيات "لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية الحكومية والإدارية بكفاءات وطنية عالية المستوى، وذلك على أساس الكفاءة والاستحقاق"، مستدركًا في الوقت ذاته أن ذلك لا يعني أن الحكومة الحاليّة لا تتوافر على كفاءات، و"لكننا نريد أن نوفر أسباب النجاح لهذه المرحلة الجديدة، بعقليات جديدة، قادرة على الارتقاء بمستوى العمل، وعلى تحقيق التحول الجوهري الذي نريده".

يأتي هذا القرار بعدما شهدت بعض مناطق المغرب حركات احتجاجية خلال السنوات الماضية بسبب الأوضاع المعيشية المتردية، على رأسها ما وقع في منطقة الريف شمالي البلاد في 2017

العاهل المغربي في إشارته لما سماه "المرحلة الجديد" أشار إلى أن الهدف منها هو الحد "من التفاوتات الصارخة في المملكة"، مشيرًا إلى أن المملكة حققت منذ العام 1999 "نقلة نوعية على مستوى البنيات التحتية"، وقطعت "خطوات مشهودة في مسار ترسيخ الحقوق والحريات".

إلا أن تلك النقلة التي تحققت وما تبعها من إنجازات لم تشمل بما يكفي جميع فئات المجتمع المغربي، بحسب الخطاب الملكي الذي أشار إلى أن بعض المواطنين لا يلمسون آثار المشاريع المنجزة في تحسين ظروف عيشهم وتلبية حاجياتهم اليومية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية والحد من الفوارق الاجتماعية.

وفي هذا السياق أصدر قرارًا بإحداث لجنة خاصة بوضع نموذج تنموي جديد للمملكة يعالج الأخطاء التي تضمنها النموذج المعمول به حاليًّا، لافتًا إلى أن اللجنة ستضم كفاءات عليا من القطاعين الخاص والعام لمواجهة تحديات المرحلة الجديدة في المغرب.

يأتي هذا القرار بعدما شهدت بعض مناطق المغرب حركات احتجاجية خلال السنوات الماضية بسبب الأوضاع المعيشية المتردية، على رأسها ما وقع في منطقة الريف شمالي البلاد في 2017، ومنطقة جرادة شرقي المغرب عام 2018.

الوزير المنتدب في إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية محمد بنعبد القادر

فشل سياسات مكافحة الفساد

الملف الأبرز في مسيرة حكومة العثماني تمحور حول مدى كفاءتها في مكافحة الفساد، ورغم ما قطعته المملكة من شوط كبير في هذا المضمار، فإنها ما زالت تحتل مرتبة متأخرة في مؤشر الفساد العالمي، وهو ما دفع الكثير من المحللين إلى إلقاء اللائمة على الحكومة في الفشل في إنجاز هذا الملف.

جل الانتقادات التي تعرضت لها الحكومة خلال العامين الماضيين تركزت بشكل كبير حول التلاعب المالي والإداري وتفشي الفساد في قطاعات كبيرة من الدولة، وهو الرهان الأكبر الذي واجه الحكومة منذ تشكيلها، الأمر الذي رفع من سقف المطالب بإجراء تغييرات وزارية قادرة على إسراع الخطى في مسار المكافحة، وهو ما مثل بدوره ضغطًا على الملك.

أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري المغربي رشيد لزرق، اتهم رئيس الحكومة والوزير المنتدب في إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية محمد بنعبد القادر، بأنهما لم يتخذا إجراءات حازمة وسريعة، لوضع حد للتلاعب بالمال العمومي والمساس بالمصالح العامة للشعب، كاشفًا أنه وبعد أكثر من عام ونصف من وجودهم على رأس الحكومة، لم يتخذوا إجراءات فعلية لتفعيل الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد.

التعديلات من المرجح أن تتضمن إقالة وزير إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية محمد بن عبد القادر، وتعيين بديلاً له

لزرق في تصريحات نقلتها "سبوتنيك" أضاف أن الحكومة لم تفعل القوانين، ولم تسهل عمل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بتكريس مزيد من الشفافية في مجال المعاملات المالية والصفقات العمومية، لافتًا إلى أن إهمال الحكومة الحاليّة لملف مكافحة الفساد، النقطة الأبرز التي ستحدد مصيرها سياسيًا وانتخابيًا في الفترة المقبلة، خصوصا أن الدستور المغربي الصادر عام 2011، أولى مكانة مهمة جدًا للحكامة الجيدة "منظومة الحكم"، وخصص لها بابا كاملاً، مضيفًا أن مطلب إسقاط الفساد، مطروح بقوة، رغم أن حكومات ما بعد دستور 2011 ماطلت في سن تشريعات وقوانين تتصدى له.

الفقيه الدستوري المغربي أوضح أن السياسات العامة التي مورست خلال الفترة الماضية كشفت بشكل قاطع أن أحزاب التحالف الحكومي، عجزت خلال السنوات الـ7 الماضية، عن مواجهة هذه المعضلة، نتيجة انعدام الرؤية تجاه الخطى المثلى للإصلاح الحقيقية، وعدم الجدية في تطبيق مواد الدستور ووضع إستراتيجية وطنية حقيقية لمحاربة الفساد.

أما عن ملامح التغيير الحكومي فأشار إلى أن التعديلات من المرجح أن تتضمن إقالة وزير إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية محمد بن عبد القادر، وتعيين بديلاً له، كما توقع تعيين من يخلف وزير المالية والاقتصاد محمد بوسعيد الذي أقاله الملك مؤخرًا، وتعيين وزيرًا جديدًا للحكامة خلفًا للوزير لحسن الداودي الذي تقدم باستقالته في شهر يونيو/حزيران الماضي.

جدير بالذكر أنه رغم ضعف إستراتيجية مكافحة الفساد وقانون الحق المغربي في الوصول للمعلومة، فإن المملكة قفزت إلى المرتبة 81 عالميًا لسنة 2017 بدلاً من المرتبة 90 مقارنة بعام 2016 في مؤشرات إدراك  الفساد لترنسبارنسي الدولية وإحراز ثلاث نقاط الرتبة 40 على 100، كما حلت سابعًا عربيًا.

تعزيز الفوارق الاجتماعية

"تازة بدلاً من غزة".. أحد الشعارات التي رفعت قبل عشرين عامًا، حين اعتلى محمد السادس، العرش، شعار يعكس منذ الوهلة الأولى رغبة الملك الجديد في إعطاء الأولوية للتنمية المحلية الداخلية، والاهتمام بالمناطق النائية ومحدودي الدخل، فـ"تازة" مدينة مغربية على الهامش، فيما ترمز "غزة" لدبلوماسية الحسن الثاني الدولية.

وخلال العقدين الماضيين تمكن المغرب فعلاً من مضاعفة ناتجه الإجمالي من 41.6 مليار دولار عام 1999 إلى 121.4 مليار عام 2019 ليحتل المرتبة الخامسة في الكيانات الإفريقية الأقوى خلال العامين الأخيرين، هذا بجانب تحوله لواحدة من أكثر الدول جذبًا للاستثمار في القارة السمراء.

السعي للتحول إلى قوة اقتصادية صاعدة لا يمكن تحقيقه في ظل غياب طفرة مشابهة في القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم

وصناعيًا.. تحولت المملكة لمحطة دولية لصناعة السيارات وقطاع غيار الطائرات، كما تأمل السلطات في غضون سنوات في إنتاج مليون سيارة سنويًا، هذا في الوقت الذي تمكن فيه المغرب فعلاً من تجاوز جنوب إفريقيا ليصبح أول منتج للسيارات في القارة، طامحًا إلى رفع صادراته في هذا القطاع إلى 10 مليارات دولار في أفق عام 2022.

لكن بينما يسير قطار المملكة الاقتصادي بخطى متسارعة كانت هناك معضلات أخرى بطأت من تلك الحركة، بل أفقدتها قيمتها في كثير من الأحيان، على رأسها الهشاشة الاجتماعية وتعميق الفوارق بين شرائح المجتمع، وهو الأمر الذي تعزز بصورة أكبر بسبب انتشار الفساد كما تم ذكره سابقًا.

يونس بلفلاح أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في جاملة ليل الفرنسية قال: "جرد الحصيلة الاقتصادية للعشرين سنة الأخيرة فيها إنجازات وجوانب إيجابية لكنها تنطوي أيضًا على إخفاقات وجوانب سلبية"، لافتًا إلى أن "أبرز الإخفاقات خلال العقدين الماضيين تهم الجانب الاجتماعي من حيث معدلات البطالة والفقر والتهميش والعوز والفوارق البنيوية بين المدينة والبادية، المركز والهوامش، بين الرجل والمرأة.. إلخ".

خبير الاقتصاد الدولي في حديثه لـ"DW" أشار إلى فرق جوهري بين العشرية الأولى والثانية من حكم محمد السادس، معتبرًا دستور 2011 تاريخًا مفصليًا، موضحًا أن "النتائج الاقتصادية كانت إيجابية قبل ذلك التاريخ حيث كان حضور الملك ومراقبته للمشاريع الاقتصادية أكبر".

واعتبر أن الفساد أحد أهم أسباب عدم استفادة المواطن من التنمية، "فالفساد تحول لأسلوب إدارة والمغرب يحتل مراتب متأخرة في مؤشرات الشفافية الدولية"، وبالتالي فإن السعي للتحول إلى قوة اقتصادية صاعدة لا يمكن تحقيقه في ظل غياب طفرة مشابهة في القطاعات لاجتماعية كالصحة والتعليم.

وعليه فإن أبرز الأسئلة الدارجة على ألسنة المغاربة تدور حول العائد من تلك المشروعات على المواطن العادي، ففي الوقت الذي تهلل فيه السلطات بإنجاز عشرات المشاريع، تتفشى معدلات البطالة بصورة مقلقة، وتزداد الهوة بين أصحاب الحظوة من النخبة وعلية الناس والسواد الأعظم من محدودي الدخل المهمشين، ولعل التقرير السنوي لصندوق النقد لدولي لعام 2019 بشأن الاقتصاد المغربي، أبرز تجسيد على هذه المفارقة العجيبة، إذ دق ناقوس الخطر على ضرورة "التوجه نحو نموذج تنموي أكثر استيعابًا للمواطنين يكون مبنيًا على القطاع الخاص، مع العمل على تقليص الفوارق الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر هشاشة".

آمال عديدة يعقدها المغاربة على التغييرات الجديدة في الحكومة، أكتوبر المقبل، ومدى قدرتها على حلحلة الملفين الأكثر تعقيدًا في المسار التنموي المغربي، مكافحة الفساد وتقليل الفوارق الاجتماعية، الأمر الذي يضع العديد من التحديات أمام الأسماء المرشحة التي تعي جيدًا أن بقاءها مرهون بما يمكن أن تحققه من إنجاز في هاتين النقطتين على وجه التحديد.