عبر موجات الأثير والقنوات التليفزيونية تصدح في مثل هذه الأيام من كل عام أغاني الحج، نسمعها في البيوت والمقاهي وفي أثناء السير على الطرقات، فيغالبنا الحنين ونحن نسمع ليلى مراد تشدو قائلة: "يا رايحين للنبي الغالي.. هنيّالكو وهنييالي، ياريتني كُنت وياكو وأروح للهادي وأزوره وأبوس من شوقي شباكه.. وقلبي يتملي بنوره وأحج وأطوف سبع مرات والبر وأشوف منى وعرفات وأقول ربي كتبهالي يا رايحين للنبي الغالي"، وعلى ألحان رياض السنباطي وكلمات بيرم التونسي تغني أم كلثوم "القلب يعشق كل جميل" لتكتمل بذلك صورة رحلة الحج في أذهاننا التي توارثناها جيلًا عن جيل، والحقيقة أن الأغنية الدينية ليست وليدة اليوم ولم ترتبط في تاريخها فقط بالشعائر الإسلامية، فمتى ظهرت الأغنية الدينية؟ وكيف تطورت؟

تاريخ الأغنية الدينية

كان شعراء العصر الجاهلي بارعين بشدة في المديح ولكنه حينها كان مقصورًا على مديح العشيرة والقبيلة، وعلى الضفة الأخرى كان يقابله الهجاء، ومع انتشار الدين الإسلامي ودخول العديد من الشعراء في الإسلام تحولوا إلى مدح دينهم الجديد، ومن هنا بدأت معاني القرآن تشيع في الأشعار، ومن هنا يمكن القول إن الحروف الأولى للغناء الديني كانت أنشودة "طلع البدر علينا" التي قابل بها أهل المدينة النبي محمد عليه الصلاة والسلام فرحة بهجرته إليها.

اتخذ الغناء الديني شكلًا جديدًا يتواءم مع الموسيقى العصرية ولم يقتصر دوره فقط على الحديث عن الشعائر الإسلامية ولكنه راح يدور دورة كاملة في جميع معاني المعجم الإسلامي من فرائض وأوامر دينية

وعلى امتداد التاريخ الإسلامي اتخذ الغناء الديني عدة أشكال بداية من القصيدة الفصيحة ووصولًا إلى اللهجات الدارجة ليصل لأوج تطوره وتوهجه في بداية القرن العشرين وتحديدًا مع إنشاء الإذاعات الرسمية وهنا اتخذ الغناء الديني شكلًا جديدًا يتواءم مع الموسيقى العصرية ولم يقتصر دوره فقط على الحديث عن الشعائر الإسلامية ولكنه راح يدور دورة كاملة في جميع معاني المعجم الإسلامي من فرائض وأوامر دينية ونواه كما ظهر أيضًا فيما بعد المديح النبوي الذي تسابق الشعراء والملحنون والمطربون في إنشاده وكتابته وتلحينه.

أم كلثوم وأحمد شوقي والسنباطي.. ثلاثي الأغنية الدينية الحديثة

في فبراير 1946 غنت أم كلثوم أول أعمالها الدينية التي كتبها شوقي ولحنها رياض السنباطي وهي أغنية "سلوا قلبي" المأخوذة من القصيدة الأصلية التي تحمل اسم "ذكرى المولد النبوي" التي نُشرت للمرة الأولى في يناير 1914 بجريدة عكاظ المصرية، وتحتوي القصيدة على 71 بيتًا غنت أم كلثوم منهم 21 بيتًا تم انتقاؤهم بعناية شديدة، إذ إن أبيات القصيدة كانت مترابطة ومحكمة البناء ما يعني أن عملية الانتقاء والتوليف بين الأبيات التي غنتها أم كلثوم كانت صعبة للغاية.

أما القصيدة الثانية التي غنتها أم كلثوم من كلمات أحمد شوقي وألحان السنباطي هي "نهج البردة" وذلك عام 1948، وفي هذه المرة لم يتم تغيير اسم القصيدة التي كتبها شوقي عام 1909 بمناسبة ذهاب الخديوي عباس لأداء فريضة الحج، ونُشرت القصيدة في يناير 1910 وجاءت محاكاة لبردة البوصيري أما البردة الأصلية فترجع للشاعر المخضرم كعب بن زهير بن أبي سُلمى.

في سبعينيات القرن الماضي ومع انتشار تيار الصحوة الإسلامي في العالم العربي شكل أصحاب المشروع الإسلامي فضائهم الخاص بعيدًا عن الواقع السائد حيث ظهرت مصطلحات: الاقتصاد الإسلامي والأدب الإسلامي والتربية الإسلامية والإعلام الإسلامي

في نوفمبر 1949 غنت أم كلثوم "ولد الهدى" أو الهمزية النبوية كما أطلق عليها شوقي حين نشرها للمرة الأولى في جريدة المؤيد المصرية مارس 1912 ويدور موضوع القصيدة حول الابتهاج بمولد النبي عليه الصلاة والسلام، وتحتوي القصيدة الأصلية على 131 بيتًا غنت منهم أم كلثوم 34 بيتًا.

وبهذه القصائد الثلاثة التي تحولت إلى ألحان بديعة على يد رياض السنباطي وصوت رائع بأداء أم كلثوم تم إثراء الأغنية الدينية، فشوقي تتبع بدقة المعاني النورانية وانتقى الصور البديعة بدقة ليصف بها شمائل النبي محمد الذي تتبع خطاه في قصيدة "ولد الهدى" من الميلاد إلى الوحي، وهكذا فقد رسم لنا الثلاثي صورةً فنيةً بديعةً للأغنية الدينية اتسمت برصانة اللغة الفصحى وعمقها وتوهجها.

 الأغنية الدينية في السبعينيات

في سبعينيات القرن الماضي ومع انتشار تيار الصحوة الإسلامي في العالم العربي شكل أصحاب المشروع الإسلامي فضائهم الخاص بعيدًا عن الواقع السائد حيث ظهرت مصطلحات: الاقتصاد الإسلامي والأدب الإسلامي والتربية الإسلامية والإعلام الإسلامي، وفيما يخص الأغنية الدينية فقد ارتكزت موضوعاتها في تلك الحقبة على الاعتزاز بالأمجاد الإسلامية القديمة والحماسة ورفض ظلم الحكام، ومع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 تربع موضوع الجهاد على عرش الأغنية الدينية لعقود متتالية ومع تراجع وتيرة الجهاد العسكري في فلسطين لصالح المشاركة في العملية السياسية تراجع الجهاد وظهر شكل جديد من الأغنية الدينية.

الأغنية الدينية الحاليّة.. مضمون إنساني وقضايا مجتمعية

في تسعينيات القرن الماضي تحول مضمون الأغنية الدينية، إذ اتجه معظم منشدي الأغاني الدينية إلى اختيار موضوعات الشأن الإنساني في أعمالهم ورافق هذا التحول في المضمون نقلة من استخدام الدف الذي استشرى بقوة في عهد الصحوة إلى استخدام الإيقاع الموسيقي، ومع تداخل هذا المشهد أضحى هناك صعوبة في وضوح معايير الأعمال الفنية، فاختلطت الأغنية الدينية مع الأغنية العادية وإن كانت هناك محددات قد توجد في بعض الأحيان مثل محتوى الكلمات وهوية المغني والإيقاع، ومن أشهر رواد هذا اللون الجديد من الغناء سامي يوسف وماهر زين وحمزة نمرة وحمود الخضر.

اعتاد الناس في القرى الشعبية ترديد المواويل والأغاني الشعبية التي خرجت من قلوبهم مباشرة للتعبير عن شوقهم لزيارة بيت الله الحرام وقبر نبيه الكريم

موسم الحج.. بين أغاني التراث القديمة والأغنيات الحديثة

في الوقت الذي شهدت فيه الأغنية الدينية الكثير من التحولات والتغيرات ظلت أغاني موسم الحج عصية على الاندثار أو النسيان، حيث رسمت في وجداننا وذاكرتنا خطًا لم يمحه الزمن، فخلال أيام الحج من كل عام نسمع تلك الأغنيات وكأنها جزء أصيل من مراسم الحج لا يخفت صوتها ولا ينطفئ بريقها، وخلال هذه الأيام يصدح نوعان أصيلان من أغاني الحج: الأغاني التراثية الشعبية والأغنيات التقليدية.

اعتاد الناس في القرى الشعبية ترديد المواويل والأغاني الشعبية التي خرجت من قلوبهم مباشرة للتعبير عن شوقهم لزيارة بيت الله الحرام وقبر نبيه الكريم، ولا تقتصر تلك الأغاني الشعبية على مصر فقط ولكنها تمتد لتشمل أغلب البلاد العربية مثل المغرب والعراق وتونس والجزائر.

أما في قرى مصر فعادة ما يجتمع أهل القرية أمام بيت المسافر للحج بشكل يومي وطوال شهرين يغنون جميع الأغاني التراثية، حيث يفرحون لفرحته ويبدأون في إرسال دعواتهم الخاصة مع المسافر وسلامهم للنبي الكريم.

بجانب الأغاني التراثية هناك أغنيات أخرى حفظها الزمن ومن أشهر تلك الأغنيات "يا رايحين للنبي الغالي" للفنانة ليلى مراد التي أدتها في أثناء تصوير فيلم "ليلى بنت الأكابر" والأغنية من كلمات أبو السعود الإبياري وألحان رياض السنباطي، وقصة الأغنية أن الفنانة ليلى مراد طلبت الذهاب لأداء فريضة الحج ولكن طلبها قوبل بالرفض بسبب ظروف تصوير الفيلم وذلك بعدما طلبت منها إدارة إستديو مصر سرعة الانتهاء من التصوير خلال أسبوعين وإلا سيتعرضون لخسائر مالية فادحة، حينها طلبت ليلى مراد من الكاتب أبو السعود الإبياري تأليف أغنية عن الحج تعبر من خلالها عن مشاعرها وتودع المسافرين لأداء المناسك، وبالفعل انتهت ليلى مراد من تسجيل الأغنية وأهدتها للإذاعة المصرية لتصبح الأغنية فيما بعد علامة مميزة من علامات مراسم الحج.

حين توفي الشاعر المصري بيرم التونسي عام 1961 ترك لأم كلثوم بعض قصائده ومن هذه القصائد "القلب يعشق كل جميل" التي يدور موضوعها حول الحب الإلهي والسلام النفسي الذي يغمر المسافرين لأداء فريضة الحج، ولكن أم كلثوم انتظرت عشر سنوات بعد وفاة التونسي حتى تقرر تسليمها إلى رياض السنباطي ليلحنها، والمختلف في تلحين السنباطي هذه المرة أنه لجأ إلى اللحن الخفيف وهو أسلوب مختلف عن الذي استخدمه في تلحين "سلوا قلبي "و"نهج البردة" الذين كانوا أقرب إلى الابتهالات الدينية.