المليونية تطالب بالقصاص من المتورطين في مجزرة الأبيض

تأبى الأوضاع في السودان إلا أن تسير بسرعة البرق، فما بين ليلة وضحاها ينتاب المشهد أحداثًا بعضها يرتقي لمستوى المفاجآت، تقلب الأمور رأسًا على عقب وتعيد ترتيب الأوراق، بل وتخلط معظمها، ما يجعل التنبؤ بما ستركن إليه الأحداث خلال الساعات القادمة مهمة شاقة.

حالة من الانقسام البين في الصورة تخيم على الشارع السوداني هذه الأيام، فبينما تسير المباحثات نحو تفعيل الاتفاق السياسي الموقع بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير ومحاولة التوصل لصيغة توافقية بشأن الإعلان الدستوري، هناك على الجانب الآخر موجة من التخوين وفقدان الثقة وتصعيد من نوع آخر.

جاءت أحداث الأُبيّض (جنوب) الأخيرة، الإثنين الماضي، لتلقي بظلالها القاتمة على المشهد، فبينما يرفع الجيش شعارات الدعم والتأييد للحراك الثوري كان الرصاص الحي لغة الخطاب الوحيدة في مواجهة طلاب مدارس خرجوا في مظاهرات للتعبير بطريقة سلمية عن مطالب تتعلق بالظروف المعيشية.

الأحداث التي أسفرت عن سقوط 8 قتلى في صفوف المحتجين السوادنيين، ليرتفع بذلك عدد الضحايا إلى 246 شخصًا منذ بدء الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية، أخذت بالمسار التفاوضي إلى منحى آخر.

وعلى الفور جاء الرد عمليًا، حيث دعا "تجمع المهنيين السودانيين" إلى مظاهرات اليوم الخميس تحت شعار "مليونية القصاص" من أجل المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن مقتل الطلاب، يأتي هذا في الوقت الذي أعلن المجلس العسكري توقيف سبعة من قوات الدعم السريع لتورطهم في هذه المجزرة.

موكب القصاص العادل

بدأ السودانيون منذ صباح اليوم التوافد للمشاركة في موكب "القصاص العادل" رافعين شعار "مقتل طالب مقتل أمة" مطالبين بتقديم المتورطين في مجزرة الأُبيّض للمحاكمة الفورية، رافضين ما سموه "التفاف" العسكر على مدنية الثورة عبر لغة الرصاص.

حالة الاحتقان الناجمة عن رد الفعل جراء جريمة الإثنين دفعت المجلس العسكري لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق لكشف المتورطين فيها، وهي الخطوة التي رفضها تجمع المهنيين السودانيين الذي يرى أن الأدلة على الفاعلين واضحة وكثيرة، محملاً أجهزته الأمنية المسؤولية الكامل عما حصل في الأبيض.

وقد كشفت اللجنة التي شكلها المجلس تورط أفراد من قوات "الدعم السريع"، أطلقوا الرصاص الحي على المتظاهرين ما أدى لسقوط ضحايا، وذكرت في بيان لها، مساء أمس، أن "قوة من سبعة أفراد اعترضت مسيرة سلمية لطلاب المدارس الثانوية وحاولت تفريقها باستخدام العصي والهروات فبادلها الطلاب بقذفها بالحجارة، ما دفع بعض أفراد تلك القوة وبتصرف فردي لإطلاق أعيرة نارية تجاه المتظاهرين".

وقد تم التحفظ على أفراد قوة الدعم السريع وعددهم سبعة وتسليمهم للنيابة لاستكمال خطوات محاكمتهم، وفق ما ذكرت اللجنة، مبينة أنه "سيتم التحقيق في قصور خطة التأمين الذي أدى إلى عدم السيطرة على هؤلاء الأفراد".

تحذير للمجلس العسكري

وفي السياق ذاته أعرب تجمع المهنيين عن أمله أن تكون أحداث الأبيض درسًا للمجلس العسكري لتقديم الجناة للمحاكمات، حاثًا الأجهزة الأمنية والمجلس على توفير حماية لمواكب مليونية "القصاص العادل"، محملاً إياه أي تجاوز بحق المتظاهرين قد يخرج المسيرة عن سلميتها.

قوى المعارضة بدورها حذرت مما سمته "محاولات النظام البائد وكتائب الظل لجر البلاد لدائرة العنف وقطع الطريق على ثورة الشعب السوداني"، لافتة في بيان لها نشرته صفحة التجمع على "فيسبوك" أنه قد "نما إلى علم لجنة العمل الميداني لقوى إعلان الحرية والتغيير محاولات من النظام البائد وكتائب ظله لاختراق مجموعات من الثوار وزرع بعض منتسبي النظام السابق وفلوله وسطهم، كما علمت اللجنة من مصادرها عن قيام النظام بتوزيع أسلحة نارية لبعض هذه المجموعات".

حملت قوى الحرية والتغيير المجلس العسكري المسؤولية كاملة عن أي أحداث للعنف والقتل وإراقة دماء السودانيين السلميين

البيان لفت إلى أن هذا المخطط الذي وصفته بـ"القذر" من النظام البائد يأتي "لافتعال العنف على نطاق واسع بدفع هذه المجموعات لإطلاق الرصاص الحي على المواطنين والقوات النظامية، وهي محاولة لجر البلاد لدائرة العنف بغرض قطع الطريق أمام ثورة شعبنا العظيم من الوصول إلى أهدافها وفق إعلان الحرية والتغيير الذي تواثقت عليه جماهير شعبنا".

وعن الجهة التي تقود هذا المخطط كشف البيان أنه "يتم بتدبير وإدارة وتنسيق ومتابعة مباشرة من واحد من قيادات الجهاز سابقًا، وهو عنصر شهير بالعنف تمت إحالته للتقاعد في 2018 واتهامه في قضايا فساد مالي، وقبع في سجون النظام لفترة من الزمان قبل إطلاق سراحه في الشهور السابقة".

وقد حملت قوى الحرية والتغيير المجلس العسكري المسؤولية كاملة عن أي أحداث للعنف والقتل وإراقة دماء السودانيين السلميين، كاشفة أنه إذا "كانت هذه المخططات تُحاك وتُدار بعلمٍ وتنسيقٍ مع المجلس العسكري فهي جريمة تُؤكد تراجعه عما ظلت قياداته تردد عن الانحياز للشعب السوداني والتمسك بأهداف ثورته وحماية الشعب من فلول النظام والثورة المضادة، وفي حال كانت هذه المخططات يتم تدبيرها وتنفيذها دون علمه فهو تقصير بائن في مهامه من الحفاظ على الأمن والسلم وحماية المواطنين والبلاد وهي الأسطوانة المشروخة التي ظل يستخدمها كمبرر لوجوده على سدة الحكم دون شرعية بائنة".

فريق كبير بين المتظاهرين يرى وقف أي حوار مع المجلس العسكري في الوقت الراهن، مطالبًا بمزيد من الضغوط لحين الالتزام بالعهود التي قطعها على نفسه وأولها تأمين المتظاهرين وتقديم المتورطين لمحاكمات عاجلة

أميرة ناصر الكاتبة المتخصصة في الملف السوداني، أشارت أن هناك حالة من التوجس تنتاب شريحة كبيرة من المحتجين، مرجعة ذلك إلى فقدان الثقة في المجلس العسكري ووعوده، خاصة أن سجل تراجعه عما تعهد به مشين، على حد قولها.

الكاتبة أضافت في تصريحاتها لـ"نون بوست" أن هناك قناعة لدى قطاع كبير من الثوار بأن المجلس وراء كل الجرائم المرتكبة بحق المتظاهرين منذ 11 من أبريل وحتى اليوم، سواء كان ذلك عن عمد عبر دفع بعض الأفراد لإطلاق الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، فضلاً عن محاولات الوقيعة لتفتيت لحمة الحراك الثوري أو عن طريق غض الطرف عن الجهات المتورطة في ذلك التي لن تخرج عن النظام البائد وفلوله والجهات الداعمة للثورة المضادة.

الحوار.. إلى أين؟

ألقت الأحداث بظلالها على المسار التفاوضي، حيث علقت قوى المعارضة الحوار مع المجلس العسكري لحين الانتهاء من التحقيق في مجزرة الإثنين الماضي، الأمر الذي ينسحب بدروه على مستقبل الاتفاق السياسي المبرم.

فريق كبير بين المتظاهرين يرى وقف أي حوار مع المجلس العسكري في الوقت الراهن، مطالبًا بمزيد من الضغوط لحين الالتزام بالعهود التي قطعها على نفسه وأولها تأمين المتظاهرين وتقديم المتورطين لمحاكمات عاجلة، وفق ما ذهبت ناصر.

وفي الإطار ذاته قال الحزب الشيوعي السوداني إنه سيوقف تفاوضه مع المجلس الانتقالي عقب إطلاق النار على المحتجين في الأبيض، واصفًا العسكري "بأنه ليس إلا امتدادًا لنظام الرئيس المعزول عمر البشير"، مطالبًا بحل جهاز الأمن والاستخبارات و"كل المليشيات، بما فيها قوات الدعم السريع".

ورغم ما أثير بشأن إحداث تقدم في النقاط الشائكة في المحادثات بين المجلس وقوى المعارضة كما أشار القيادي في قوى التغيير خالد عمر الذي ألمح إلى إجراء محادثات مباشرة في غضون 48 ساعة، فإن آخرين استبعدوا أي خطوة كتلك قبيل الانتهاء من التحقيقات ومحاكمة الضالعين في استهداف المحتجين وكشف الجهات التي تقف وراءهم.

وعلى المسار الداخلي، ما زال التباين في وجهات النظر يخيم على أجواء الحوار بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية رغم الشوط الذي قطعاه في إثيوبيا، الأمر الذي دفع الجبهة للتساؤل في استيضاح بعثته إلى رؤساء كتل قوى التغيير وشخصيات وهيئات سودانية عما إذا كانت قوى التغيير ما زالت تحترم الاتفاق المبرم في أديس أبابا، ومدى استعدادها لإدراج وثيقة الجبهة الثورية المتعلقة بالسلام والتحول الديمقراطي كما اتفق عليها في العاصمة الإثيوبية.