في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة الصراع على الأراضي السورية، فتحت تركيا أبوابها كاملةً أمام اللاجئين السوريين، على العكس تمامًا من بعض الدول الأخرى التي بنت أسوارًا وأغلقت حدودًا ومعابر منعًا لاقترابهم وتدفقهم، ومع استمرار المأساة وتفاقم الأزمة السورية، تدهور الوضع الاقتصادي والأمني في بلدان عربية أخرى إلى مستويات مخيفة، مثلما حدث في ليبيا والعراق واليمن، ما أدى إلى تهجير الآلاف من هذه البلدان إلى تركيا خوفًا من نيران التطرف وظلمات الفقر.

ظلت تركيا على مبدأها واستقبلت المزيد من المهاجرين، وبكل فخر كان رجالها السياسيون يطلقون على إسطنبول "العاصمة العربية" الجديدة لأنها أصبحت واحدة من أكثر الأماكن تفضيلًا للعرب المضطهدين في بلادهم، أو المطرودين، ولقاء هذا الترحيب، كانت تركيا تستمتع بالوزن السياسي الذي اكتسبته مع إدارتها لملف اللجوء، وهو الحلم الذي كان يراودها منذ أن كبحت رغبتها باللحاق في الغرب واستبدلته بقيادة السياسة الإقليمية ورعاية العالم الإسلامي والمناطق التي تعاني من النزاعات والاضطرابات والنكبات.

أدى هذا التحول الكبير في السياسة التركية إلى استناد اللاجئين على موقف الحكومة ورئيسها رجب طيب أردوغان، في تأمين مسكنهم ومستقبلهم وتخليصهم من المعاناة والضياع، ولو بشكل مؤقت وغير واضح المعالم، فمنذ تلك اللحظة انتشرت اللافتات التي تشكر الزعيم الكاريزمي بين أيدي اللاجئين، امتنانًا منهم على جهوده في تقدير حجم مأساتهم، وبذلك باتت تركيا الموطن السياسي للفارين من الحروب والأنظمة السياسية القمعية.

ولكن في الأشهر الأخيرة، شوهد تغير في خطابات الأحزاب السياسية والجهات الإعلامية التركية بشأن أزمة اللاجئين السوريين في تركيا، ولذلك اجتهد "نون بوست" في تحليل أجزاء من الخطابات الرئيسية من أجل التعرف على التغيرات التي أصابت السياسة التركية، إضافة إلى الدوافع والتحديات التي ساهمت في هذا التبدل الملحوظ.

لهجة الحديث تجاه اللاجئين السوريين في تركيا

وفقًا لمؤسسة، هرانت دينك، وحدة متخصصة في رصد خطاب الكراهية في وسائل الإعلام التركية، فلقد تم استهداف اللاجئين السوريين بشكل متزايد في تركيا منذ عام 2014، إذ كان السوريون ثاني أكبر المجموعات استهدافًا في خطاب الكراهية بوسائل الإعلام المطبوعة عام 2017، وتحديدًا خلال فترة الانتخابات التي عادةً ما تزداد فيها الخطابات القومية والتمييزية ضد الجماعات الأخرى، وهي التصريحات التي تكتسب شرعية سياسية واجتماعية، علنية ولا جدال عليها، من أجل كسب أكبر عدد ممكن من أصوات الناخبين المعارضين للوجود السوري في تركيا.

الحكومة التركية صدرت الخطاب الإسلامي الممزوج بمصطلحات إنسانية تحمل معاني عاطفية ومرحبة باللاجئين السوريين الذين وصفتهم مرارًا بكلمات مثل: الأخوة، أمة واحدة، الأشقاء، المضطهدين، اللاجئين المستضعفين، الفارين من ظلم الأسد

جدير بالذكر أن استغلال الأحزاب السياسية هذه الورقة، سلبًا أم إيجابًا، لم يساعد اللاجئين السوريين، فلقد ساهم في تسييس قضيتهم وتبرير القيود المفروضة والسياسات المقيدة لحقوقهم وتحركاتهم، كما أزال الملامح الإنسانية والاجتماعية عن وضعهم وجعله أكثر ارتباطًا بالرؤى والمصالح السياسية، وجزء من رأس المال السياسي الذي تسعى الأحزاب لاكتسابه من أجل ضمان استمرار بقائها على الساحة، وبصرف النظر عن مصالحهم هم.

على أي حال، وضحت النتائج التي استخلصناها من قراءات الخطب السياسية، أن الحكومة التركية صدرت الخطاب الإسلامي الممزوج بمصطلحات إنسانية تحمل معاني عاطفية ومرحبة باللاجئين السوريين الذين وصفتهم مرارًا بكلمات مثل: الأخوة، أمة واحدة، الأشقاء، المضطهدين، اللاجئين المستضعفين، الفارين من ظلم الأسد، نصرة المظلوم، وغيرها العشرات من التعابير والأوصاف التي حاولت من خلالها إدماج السوريين في المجتمع التركي على مبدأ التسامح والإحسان والأنصار والمهاجرين. 

شاركت الأحزاب الأخرى المعارضة، مثل حزب الجيد، في وصفهم بشكل سلبي، فلقد عبروا عنهم بكلمات مثل: عبء، مصدر الجرائم والبطالة، تهديد للثقافة والقيم التركية، مشكلة أمنية وطنية، أجندة أو أدوات للمنظمات الإرهابية، أعداء تركيا

أراحت هذه الكلمات اللاجئين السوريين، لكن في المقابل، قضت خطابات الأحزاب المعارضة مضاجعهم وأثارت فيهم القلق، مثل حزب الشعب الجمهوري الذي اتخذت خطاباته طابعًا اقتصاديًا واستخدم فيها تعابير قاسية ومنفرة من الوجود السوري، مؤكدًا على ذلك من خلال تكرار بعض الكلمات التي تدل على جدية وثبات موقفه من اللاجئين السوريين، فلقد استخدم كلمات مثل: إرسال السوريين، إعادة السوريين، بقاء السوريين في بلادهم، ترحيل السوريين.

شاركت الأحزاب الأخرى المعارضة، مثل حزب الجيد، في وصفهم بشكل سلبي، فلقد عبروا عنهم بكلمات مثل: عبء، مصدر الجرائم والبطالة، تهديد للثقافة والقيم التركية، مشكلة أمنية وطنية، أجندة أو أدوات للمنظمات الإرهابية، أعداء تركيا.

دور الأوضاع الداخلية في تشويه صورة اللاجئ السوري

رغم محاولات حزب العدالة والتنمية إقناع الشارع التركي بتقبل اللاجئين السوريين، فإن إحدى الدراسات وجدت أن الشعور الإيجابي تجاه اللاجئين بين عامي 2014 و2015 تلاشى وانتشرت في هذه الفترة الدراسات والتقارير الاستقصائية التي تصف الوجود السوري بـ"العبء"، ونتيجة لذلك، ظهرت التوترات المجتمعية بين الأتراك واللاجئين السوريين على السطح، لا سيما عام 2016 بسبب محاولة الانقلاب الفاشل وانتشار شعور بعدم الأمان، إضافة إلى فقدان الليرة التركية لأكثر من نصف قيمتها وارتفاع معدل التضخم ونسبة البطالة لأعلى مستوى منذ عام 2005.

وما زاد استياء المجتمع التركي بشكل أوسع، إعلان الحكومة إمكانية تجنيس اللاجئين السوريين، ومجموعات أخرى من المقيمين الأجانب، فلقد منحت تركيا حق "الحماية المؤقتة" للاجئين السوريين عام 2014، استنادًا إلى قانون الأجانب والحماية الدولية، ووفقًا لهذا القانون، وفرت الحكومة 3 عناصر: سياسة الباب المفتوح لجميع السوريين وحمايتهم من الإعادة القسرية إلى سوريا وإقامة غير محدودة في تركيا.

وبعد سنوات من تطبيق هذه اللائحة القانونية التي لا تزال تؤطر اللاجئين بحالة مؤقتة، عدلت الحكومة الكثير من سياسات اللجوء والإدماج، وبدأت باعتبارهم جزءًا من المنظومة الاجتماعية والاقتصادية، فلقد أدخلت تصاريح العمل ودمجت الطلاب السوريين في المدارس التركية، والأهم من ذلك إشارة أردوغان في إحدى اللقاءات السياسية إلى ضرورة منح الجنسية للاجئين السوريين المقيمين في تركيا، فقال: "اليوم، يذهب التركي إلى ألمانيا ويصبح مواطنًا ألمانيًا، ويذهب إلى أمريكا ويصبح أمريكيًا، لماذا لا يمكن أن يصبح الأمر نفسه ممكنًا للأشخاص الذين يعيشون في بلدنا؟".

تزامنت هذه الأجواء المضطربة مع الأزمة الاقتصادية التي اعتبرها البعض نتيجة لمنافسة اللاجئين السوريين الأتراك على الموارد والوظائف في السوق التركية، وتهربهم من الضرائب وانزلاقهم نحو العمالة الرخيصة غير الشرعية

وكما هو متوقع، إلى حد كبير، أثار هذا البيان ضجة كبيرة في تركيا مما جعل المواطنين الأتراك يستنتجون أن جميع السوريين سيتم منحهم الجنسية على الفور، وبسبب الاستهجان العام من هذه الخطوة، أعلنت وزارة الداخلية أن الحكومة تفكر في منح الجنسية لأولئك الذين لديهم رأس مال ثقافي أو اقتصادي فقط، وهم الأشخاص الذين يمكن الاستفادة من خبراتهم ومهاراتهم في بناء تركيا، ومع ذلك لم تلق قبولًا من الشعب التركي الذي بنى جمهوريته على مفهوم الدولة القومية التي تقوم على هوية عرقية ودينية وثقافية واحدة.

وبالطبع، تغذى هذا الموقف من خطابات الأحزاب المعارضة، مثل التي صرحت به ميرال أقشنر، زعيمة حزب الجيد التركي، التي قالت: "سوف نُعيد السوريين مجددًا.. إنني أعلن لكم الوصفة، خذوا قلمًا وورقة وابدأوا الكتابة. أعلِنوا (مخاطبة الحكومة) أنكم لن تمنحوا الجنسية التركية للاجئين السوريين. أعلنوا بلغة قطعية أنهم لن يستطيعوا أن يكونوا مواطنين أتراكًا مهما بلغت عدد السنوات التي سيبقون خلالها".

ولسوء الحظ، تزامنت هذه الأجواء المضطربة مع الأزمة الاقتصادية التي اعتبرها البعض نتيجة لمنافسة اللاجئين السوريين الأتراك على الموارد والوظائف في السوق التركية، وتهربهم من الضرائب وانزلاقهم نحو العمالة الرخيصة غير الشرعية، وهو ما تم الترويج له بقوة في المنصات الإعلامية المعارضة التي نجحت في تشكيل تصورات سلبية في ذهن المواطنين الأتراك عن اللاجئ السوري، مركزة على الاختلافات الثقافية والتصرفات الخاطئة لبعض الفئات.

هل غير حزب العدالة والتنمية مفردات خطاباته؟

تورط اللاجئون السوريين، دون إرادتهم، بالخطابات العنصرية والتحريضية التي تفتقر للموضوعية والصحة، وباتوا على المستوى السياسي والحزبي والمجتمعي عرضة لحملات التشويه والترهيب من مستقبلهم في البلاد، فلم تعد مسألتهم كارثة اجتماعية وإنما مشكلة شخصية بالنسبة لكل تركي، وحين أدرك أردوغان هذا الفرق الذي أحدثته الأحزاب المعارضة والأحداث الاقتصادية والأمنية في البلاد، تغيرت المفردات.

هذه المرة، أثر الرأي العالم على الخطاب الحكومي وليس العكس، كما هو معتاد منذ بداية الأزمة، فلم يعد الحزب يتبنى الخطاب السياسي المتسامح والمتعاطف، بل أصبح يلعب بنفس الورقة من أجل احتواء النفوذ المتزايد للمعارضة والسيطرة على شعبيته المتزايدة، كما استخدم نفس المفردات التي استخدمتها الأحزاب المعارضة، إذ ذكر أردوغان وعدد من المسؤولين الأتراك من حزب العدالة والتنمية، إمكانية ترحيل السوريين إلى المناطق الآمنة في سوريا، وهو ما أشار إليه مرشح البلدية للحزب بن علي يلدريم، حين قال: "عاد 295 ألف سوري إلى بلادهم"، مضيفًا "يجب على سكان إسطنبول معرفة أن السوريين ليسوا هنا للبقاء". 

التحول في الخطاب السياسي جاء لتخفيف استياء الرأي العام والطبقة العاملة المحافظة الدينية التي لطالما ساندت حزب العدالة والتنمية وقائدها الكاريزمي الذي يقود هذه المهمة

وخلال المناظرة التاريخية التي ظهر فيها أكرم إمام أوغلو ويلدريم أمام الملايين في برنامج تليفزيوني على مدى 3 ساعات تقريبًا، وعد يلدريم باتخاذ الإجراءات اللازمة بحق من يثير الفوضى ويتجاوز القوانين، ويشمل ذلك ترحيله إلى بلاده، لم يعتد اللاجئ السوري سماع هذه الكلمات إلا من الأحزاب المعارضة، لكن هذه المرحلة تحديدًا لم يأت إمام أوغلو على ذكر إحداها واكتفى بالوعد بتأسيس لجنة لإدارة شؤون اللاجئين، ومنهم غير المسجلين قانونيًا.

ولا شك أن التحول في الخطاب السياسي جاء لتخفيف استياء الرأي العام والطبقة العاملة المحافظة دينيًا التي لطالما ساندت حزب العدالة والتنمية وقائدها الكاريزمي الذي يقود هذه المهمة، ولكن مع تباطؤ النمو الاقتصادي وانهيار سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي، أصبح أردوغان والحزب في مأزق وعرضة للانتقادات من السكان المحليين الذين يرون أن السوريين التهموا حصتهم في سوق العمل وأنظمة التوظيف. 

بالنهاية، لا بد أن نعي ونعترف بأن السياسة التركية، كغيرها، ليست منقذًا للأخلاق والمبادئ الإنسانية، فلطالما كانت اللعبة السياسية تدور حول المصالح والأولويات التي تعود بالنفع على المجتمع المحلي أولًا، وخاصةً بالنسبة لتركيا التي عانت من تاريخ سياسي مضطرب، ما يدفعها إلى المحاولة، بكل ما أوتيت من قوة، التقليل من الصدمات السياسية  والاجتماعية الجوهرية التي يمكن أن تزعزع استقرارها الداخلي أو صورتها المحلية والإقليمية.