يمثل مضيق هرمز أهمية كبيرة للتجارة العالمية، إذ يمر عبره حوالي 40 % من الإنتاج العالمي للطاقة، كما يتم تصدير ما يقرب من 17 مليون برميل من النفط عبر المضيق كل يوم، ومن ثم فإن التهديدات التي قد يتعرض لها المضيق، سواء كانت واقعية أم لا، قد تؤثر بشكل كبير على حركة الأسواق العالمية، نظرًا لأن جميع مستوردي النفط أو الغاز الطبيعي في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية يعتمدون على المرور الآمن للشحن عبر المضيق.

إن الاستفزازات البحرية التي تقوم بها إيران اليوم في مضيق هرمز، وخصوصاً من جانب القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، باعتبارها تضطلع بالمهمة الرئيسية في منطقة الخليج العربي وخليج عمان، كان لها الكثير من التداعيات الأمنية على المصالح الخليجية والدولية، ولعل هذا يأتي استكمالًا لإستراتيجية الحرس الثوري البرية في ساحات الصراع الأخرى في الشرق الأوسط، كونه الأداة الرئيسة في إستراتيجية إيران الإقليمية.

في حقيقة الأمر هناك العديد من الإشكالات القانونية والأمنية، التي تعترض الجهود البريطانية ومن بعدها الأمريكية في معالجة هذا الوضع الذي يتصف بدرجة عالية من عدم اليقين.

بدأ الوضع الإستراتيجي في المضيق يتعرض لهزات أمنية كبيرة بعد دخول بريطانيا على خط الأزمة، وذلك بعد احتجاز بحرية الحرس الثوري لناقلة "سيتا أمبيرو" البريطانية، وذلك ردًا على احتجاز بريطانيا لسفينة "غريس 1" الإيرانية في مضيق جبل طارق، وهو ما أدى بدوره إلى تعدد أطراف الأزمة والدخول في سيناريوهات معقدة، بل إن إيران لم تكتف بذلك، بل قامت باحتجاز العديد من السفن والناقلات النفطية في المضيق، ومنها سفن تحمل علم ليبيريا والجزائر، فضلًا عن تفجير بعض السفن الأخرى في ميناء الفجيرة الإماراتي، وهو ما جعل المجتمع الدولي يقف عاجزًا حتى اللحظة عن إيجاد حل لهذا الوضع المشتعل.

وفي الوقت الذي بدأ يتضح فيه جليًا غياب الحل العسكري، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، التي بدت وكأنها تفضل خيار العقوبات الاقتصادية المتصاعدة، مع توجيه ضربات تأديبية لوكلاء إيران في بعض المناطق وتحديداً العراق، إلا أن بريطانيا يبدو أنها مهتمة أكثر في إيجاد حل لهذه المعضلة الأمنية، خصوصاً في ظل دعواتها المستمرة لإنشاء تحالف أوروبي لحماية حركة الملاحة في المضيق.

في حقيقة الأمر هناك العديد من الإشكالات القانونية والأمنية، التي تعترض الجهود البريطانية ومن بعدها الأمريكية في معالجة هذا الوضع الذي يتصف بدرجة عالية من عدم اليقين.

فعلى الصعيد القانوني يمكن القول بأن اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار الصادرة عام 1982، عرفت مضيق هرمز بأنه مضيق دولي، وبأنه لايحق لأي دولة وتحديدًا إيران، بأن تفرض إجراءات تمييزية إلا لفترة مؤقتة، وفي المقابل نجد بأن القانون البحري الإيراني يعترف بأن مضيق هرمز هو مضيق وطني، على اعتبار أنه يقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية، كما أن إيران موقعة توقيعًا مشروطًا على اتفاقية أعالي البحار دون التصديق عليها، وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن تصريح وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، والذي أكد فيه بضرورة أن تحتكم إيران للقانون الدولي، يأتي كتوجه بريطاني بإحالة الملف لمجلس الأمن الدولي، من أجل إرغام إيران على الاعتراف باتفاقية أعالي البحار لعام 1982، وإلا فإن هذا الوضع سيستمر دون حلول تذكر.

في خضم هذا المشهد الأمني المتصاعد الذي تشهده منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، تبدو التحركات السياسية لأطراف التصعيد، وخاصة إيران مدركة لطبيعة المردودات السلبية التي قد تنتج عن التحركات الأمريكية أو الأوروبية

أما على الصعيد الأمني، فلا زال هناك اختلاف في وجهات النظر بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية حول طبيعة التحالف الدولي الذي قد ينشأ لحماية الملاحة في مضيق هرمز، ففي الوقت الذي ترغب فيه الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون هذا التحالف هو لكبح جماح السلوكيات الإيرانية في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، ترغب الدول الاوروبية بأن يكون هذا التحالف هو لحماية الممرات المائية للناقلات النفطية فقط، وذلك من أجل أن لا يؤثر هذا التحالف على مستقبل الاتفاق النووي الإيراني، ولعل هذا ما يبرر سبب رغبة الأوربيين الذهاب باتجاه تشكيل تحالف مستقل عن تحالف أمريكا، هذا إلى جانب أسباب أخرى كثيرة، تتعلق بمصادر الطاقة التي يبدو أن دول الإتحاد الأوروبي توجه تحديات صعبة في هذا المجال.

في خضم هذا المشهد الأمني المتصاعد الذي تشهده منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، تبدو التحركات السياسية لأطراف التصعيد، وخاصة إيران مدركة لطبيعة المردودات السلبية التي قد تنتج عن التحركات الأمريكية أو الأوروبية، لتشكيل تحالف دولي لحماية الأمن في منطقة الخليج، ولهذا يبدو أن إيران اليوم تلعب على عامل الوقت من أجل الحصول على مكاسب أمنية وسياسية قبل أن يرى هذا التحالف النور.

الكثير من الإشكالات التي تواجه المجتمع الدولي في طريقة تعاطيه مع الحالة الإيرانية، وهو ما قد يقيد أي تحرك دولي ضد إيران مستقبلاً، وهو ماتعول عليه إيران أيضاً

وعلى الجانب الآخر يبدو أن هناك الكثير من الإشكالات التي تعاني منها وجهات النظر بين أمريكا والأوروبيين حول طبيعة ومهام هذا التحالف، وبالحديث عن ردود أفعال إيران حيال الخطوات الأمريكية والأوروبية، يبدو أنها لن تخرج عن السياق المعمول به حاليًا في منطقة الخليج، وهو ما أعلنت عنه صراحة مرارًا وتكرارًا،  بإنه إما أن يصدر الجميع نفطه من مضيق هرمز، أو لا يصدر أحد، وهو إعلان إيراني واضح بأن الإجراءات الحالية المعمول بها ستستمر، وربما ستصل إلى مستويات أكثر حدة في قادم الأيام.

فهناك اليوم الكثير من الإشكالات التي تواجه المجتمع الدولي في طريقة تعاطيه مع الحالة الإيرانية، وهو ما قد يقيد أي تحرك دولي ضد إيران مستقبلًا، وهو ماتعول عليه إيران أيضًا، وحتى في أسوأ الأحوال فإنه إذا ماكنا أمام سيناريو مواجهة عسكرية مع إيران، فإنها ستكون مواجهات عسكرية منخفضة التكلفة، أي أننا لن نكون أمام سيناريو عراقي جديد، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحةً، بقوله من إنه لا يرغب بتغير النظام السياسي في إيران، وانما يريد تغيير السلوكيات الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط.