مسعف يحمل طفلة أُنقذت من تحت الأنقاض في منطقة أريحا بإدلب في أعقاب غارات جوية نفذتها روسيا ونظام الأسد في 24 تموز/ يوليو.

ترجمة وتحرير: نون بوست

لم يعد موضوع القتلى من الأطفال حديث الأخبار، إذ أن التغطية الإعلامية الدولية للحرب في أفغانستان، التي بلغت فيها وفيات الأطفال أعلى مستوى لها على الإطلاق في السنة الماضية، تبدو مُتفرقة في أحسن الأحوال. أما في اليمن، فتشير التقديرات إلى وفاة ما لا يقل عن 85 ألف طفل دون سن الخامسة بسبب المجاعة منذ سنة 2015، وهي أرقام تصيب العقل بالخدر. وفي سوريا على وجه التحديد، يبدو من الصعب حصر عدد الوفيات من الأطفال نظرا لأنهم يموتون كل يوم تقريبا. فمن يقوم بعدّ الضحايا حقا؟

في الواقع، بالكاد تجذب الصور المروعة انتباه المتابعين، وقد أظهرت واحدة من أحدث هذه الصور الطفلة رهام البالغة من العمر خمس سنوات وهي تكافح لإنقاذ شقيقتها الرضيعة، تقى، وسط أنقاض منزلها الذي تعرض للقصف في أريحا في محافظة إدلب شمال غرب سوريا. وقد توفيت رهام لاحقا في المستشفى، بالإضافة إلى والدتها وشقيقتها الأخرى. لكن بفضل جهودها والمسعفين من الخوذ البيضاء، نجت تقى.

كانت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشال باشليت، قد أعلنت خلال الأسبوع الماضي، أن "الهجمات المتعمدة ضد المدنيين هي جرائم حرب، وأن أولئك الذين أمروا بها أو نفذوها يعتبرون مسؤولين جنائيا عن أعمالهم".

مع ذلك، وفي اليوم التالي، قُتل ما لا يقل عن 10 مدنيين آخرين بينهم ثلاثة أطفال في غارات جوية استهدفت قرى وبلدات في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار في إدلب وحلب وحماة. ووفقا لمنظمة "أنقذوا الأطفال"، تجاوز عدد القتلى من الأطفال خلال الشهر الماضي عدد من قُتلوا في سنة 2018. ويقول المراقبون إن 800 شخص لقوا حتفهم منذ بداية هجوم النظام السوري، بدعم من روسيا، على إدلب في نيسان/ أبريل، وكان من بينهم 200 طفل، علما وأن معظم عمليات القتل هذه لم تُسجل بالفيديو.

إن هناك طرقا "مريحة" أكثر لوصف وفيات الأطفال، حيث تشير كلمة "خسائر" إلى أن عمليات القتل قد تكون عرضية، لكن ما يحدث هو "قتل" وهو ما يجب أن يُطلق عليه. إن هذه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد نُفذّت في نهاية المطاف بناء على طلب زعيميْن؛ بشار الأسد وفلاديمير بوتين، الذين ينبغي عليهما مواجهة العدالة يوما ما، وإلا سيكون القانون الدولي خاليا من أي معنى.

كانت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشال باشليت، قد أعلنت خلال الأسبوع الماضي، أن "الهجمات المتعمدة ضد المدنيين هي جرائم حرب، وأن أولئك الذين أمروا بها أو نفذوها يعتبرون مسؤولين جنائيا عن أعمالهم". وفي وقت سابق من الحرب السورية المستمرة منذ ثماني سنوات، قالت باشليت إن العالم أظهر قلقا كبيرا، مضيفة أن "الغارات الجوية اليوم تتسبب في قتل وجرح أعداد كبيرة من المدنيين في مناسبات عديدة في الأسبوع، في حين يبدو أن الرد على ذلك هو لامبالاة جماعية".

في الوقت الراهن، تلوح أزمة لاجئين جديدة مع توجه العائلات النازحة إلى تركيا، وربما إلى أوروبا والمملكة المتحدة، ونتيجة لذلك، قد تضطر الحكومات قريبا إلى إيلاء اهتمام أكبر لما يحدث

من جانبهم، ينكر القادة الروس والسوريون استهدافهم للمدنيين عمدا. في الحقيقة، هم يكذبون، تماما مثلما كذبوا مرارا وتكرارا بشأن الهجمات بالأسلحة الكيميائية. وتشير الأدلة التراكمية للأشهر الثلاثة الماضية إلى سياسة متعمدة لسحق سكان إدلب المدنيين من أجل عزل الثوار والجهاديين واجتتثاهم من المنطقة. وفي إطار تكتيك استُخدم سابقا حول دمشق وفي مدينة حلب، قُصفت العشرات من المستشفيات والعيادات والمدارس والأسواق والأماكن العامة في إدلب. وفي هذا الصدد، ذكرت منظمة "أطباء بلا حدود" الأسبوع الماضي، أن "وتيرة العنف تصاعدت خلال الشهر الماضي ما أدى إلى سقوط المزيد من القتلى والجرحى أكثر من أي فترة أخرى هذه السنة إلى غاية الآن. لقد أجبر القصف والتفجيرات أكثر من 450 ألف شخص على النزوح شمالا".

في الوقت الراهن، تلوح أزمة لاجئين جديدة مع توجه العائلات النازحة إلى تركيا، وربما إلى أوروبا والمملكة المتحدة، ونتيجة لذلك، قد تضطر الحكومات قريبا إلى إيلاء اهتمام أكبر لما يحدث. وعلى الرغم من أن الحلفاء الغرب يصرون على أن قلقا شديدا يعتريهم بشأن المدنيين السوريين، إلا أن منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ، مارك لوكوك، وجه لهم اللوم (بالإضافة إلى روسيا والصين) خلال اجتماع لمجلس الأمن في الأسبوع الماضي، "لعدم القيام بأي شيء على امتداد 90 يوما مع استمرار المذبحة أمام أعينكم". وأضاف لوكوك متسائلا: "هل أصبحوا مستعدين أخيرا للاستماع إلى أطفال إدلب؟".

لكن لم تكن الإجابة التي حصل عليها لوكوك هي ما رغب فيه. ففي محاولة لتجاوز الفيتو الروسي المعتاد، عرضت غالبية أعضاء المجلس على الأمين العام للأمم المتحدة بدء التحقيق في تدمير مستشفيات إدلب وغيرها من المرافق التي تدعمها الأمم المتحدة. لكن شأنها شأن التحقيقات المماثلة، من المحتمل أن يقاطع النظام السوري هذا التحقيق ويتجاهل نتائجه. خلافا لذلك، لم يتم اتخاذ أي تحرك قوي أو عاجل لوقف القتل.

تقع المعركة من أجل إدلب في قلب ما يثير اهتمام الحكومات من جميع الأطراف ألا وهو ميزان القوى المستقبلي في سوريا

وفي رد فعل محتمل على عاصفة الانتقادات هذه، قدم نظام الأسد، المدعوم من موسكو، هدنة محدودة يوم الجمعة ومشروطة بانسحاب قوات المعارضة من منطقة عازلة أُنشأت في أيلول/ سبتمبر الماضي ما انفك الجانبان ينتهكانها، وهو ما مثّل مطلبا كبيرا. وقد جرت العادة ألا تستمر عمليات وقف إطلاق النار لفترة طويلة في سوريا، وبالتالي، ربما تحتاج قوات الأسد، التي لم تنجح محاولتها حتى الآن في اجتياح إدلب، إلى المزيد من الوقت لإعادة رصّ صفوفها.

تقع المعركة من أجل إدلب في قلب ما يثير اهتمام الحكومات من جميع الأطراف ألا وهو ميزان القوى المستقبلي في سوريا. وعلى سبيل المثال، هناك مسألة على صلة وثيقة بذلك وتتمثل في من يسيطر على مناطق ما بعد تنظيم الدولة في شمال شرق سوريا حيث القوات الأمريكية ما زالت موجودة، على الرغم من تعهد دونالد ترامب بسحبها، والأمر ذاته ينطبق على الأتراك. وقد أدى تعاون الولايات المتحدة مع القوات الكردية السورية، التي تعتبرها تركيا إرهابية، إلى تجدّد التهديدات باستيلاء القوات التركية على الأراضي شرق نهر الفرات، في خطوة شبيهة بالعملية التي شهدتها عفرين خلال السنة الماضية. في غضون ذلك، يبدو أن المشاعر المعادية للاجئين داخل تركيا تتصاعد، ما يمثل مشكلة أخرى يواجهها سكان إدلب الفارين.

كما تضع إيران هي الأخرى هذه المنطقة نصب عينيها. وتفيد التقارير بأن المليشيات الإيرانية قد نفذت هجوم إدلب، لكن دعمها لدمشق يظل غير منقوص، مثلما يتضح من خلال استمرار تسليمها للنفط إلى مصفاة بانياس في سوريا. وفي حزيران/ يونيو، تم تفجير خطوط أنابيب بحرية من قبل مهاجمين مجهولين، وفقا لموقع "بيلينجكات" الإلكتروني الاستقصائي. وقد تزامن ذلك مع هجمات الألغام اللاصقة على ناقلات نفط في الخليج، التي أُلقي باللوم فيها على إيران (التي نفت تورطها).

تجدر الإشارة إلى أن هذه الحادثة سبقها بفترة قصيرة استيلاء المملكة المتحدة، بناء على أوامر الولايات المتحدة على ما يبدو، على ناقلة نفط إيرانية محملة بالكامل قبالة جبل طارق. ويظل السؤال المطروح هو؛ هل من الممكن أن يكون ترامب وأصدقاؤه في الدول المجاورة أكثر اهتماما بسعيهم وراء الانتقام من إيران من إنقاذ حياة الأطفال السوريين؟ في الحقيقة، تحمل الإجابة الوحيدة الواضحة على هذا السؤال مفتاح مأساة إدلب المستمرة والتي يجب أن يشعر العالم بأسره بالخزي إزاءها.

المصدر: الغارديان