بعد ما يزيد على 7 أشهر من الحراك الثوري، تخللتها مجازر دموية فاجعة وأحداث عنف مؤلمة ومماطلات هنا وهناك وجولات تفاوض بعضها كان جديًا والآخر كان لكسب المزيد من الوقت، هاهم طرفا الصراع في السودان يتوصلان لاتفاق سياسي ودستوري، يأمل الجميع أن يقود إلى سلطة مدنية طالما رُفعت شعاراتها.

بالأمس.. وقعت قوى إعلان الحرية والتغيير، ممثلة عن الشعب السوداني، والمجلس العسكري الانتقالي، على الإعلان الدستوري بالأحرف الأولى، الذي من شأنه أن يمهد الطريق لتسليم السلطة إلى هيئة انتقالية جديدة غالبيتها من المدنيين، حيث وقع من جانب المعارضة القيادي أحمد الربيع فيما وقع عن المجلس نائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وذلك بحضور الوسيط الإثيوبي محمود درير ووسيط الاتحاد الإفريقي محمد الحسن ولد لبات.

التوقيع بالأحرف الأولى كان الخطوة التمهيدية للتوقيع النهائي على الإعلان والمتوقع له أن يكون في الـ17 من أغسطس/آب الحاليّ، وسط حضور إفريقي ودولي موسع، يتقدمه رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد الذي قاد عملية التفاوض منذ البداية، سواء بين المجلس وقوى الحرية والتغيير أم بين الأخير والجبهة الثورية للاتفاق على النقاط الخلافية بينهما بشأن الوثيقة.

أبرز بنود الوثيقة

الوثيقة الموقع عليها تنص على تشكيل مجلس سيادي من 11 عضوًا، 5 عسكريين و5 تعيّنهم قوى "الحرية والتغيير"، وعضو آخر مدني يتم التوافق عليه بين العسكريين والمدنيين، وهو ما أشير إليه سابقًا كحل للخلاف بشأن نسبة كل طرف في المجلس.

كذلك حددت الوثيقة صلاحيات مجلس السيادة في المهام التشريعية، مع صلاحيات أخرى مرتبطة بالجوانب الأمنية وملفات السلام مع الحركات المسلحة التي تقاتل في عدد من مناطق السودان، وذلك للحيلولة دون تجاوزها لتلك الصلاحيات، الأمر الذي يخلق منها ديكتاتورية جديدة.

علاوة على ذلك فقد نصت على تشكيل مجلس وزراء، تعيّن "الحرية والتغيير" رئيسه، على أن يعين هو حكومة تنفيذية لا يتجاوز عددها الـ20 وزيرًا يعتمدهم مجلس السيادة، على أن تشمل مهامه كل الصلاحيات التنفيذية مع صلاحيات مشتركة مع مجلس السيادة، بما فيها صلاحية التشريع.

"المرحلة المقبلة هي الأصعب لكل السودانيين لأنها مرحلة بناء دولة وتعمير والسلام والمصالحة الشاملة".. عمر الدقير

كذلك تشكيل مجلس تشريعي، تختار "الحرية والتغيير" 67% من أعضائه، ويتم اختيار 33% بالتشاور مع المجلس العسكري، من أحزاب وقوى سياسية أخرى شاركت في الثورة، لكنها لم توقع على ميثاق الحرية والتغيير، وهو البند الذي لم يتغير عما تم التوصل بشأنه في جلسات التفاوض السابقة.

أما عن مهام المجلس التشريعي، فأبرزها - طبقًا للوثيقة - الرقابة على الجهاز التنفيذي والتشريع وإعلان الحرب والمصادقة على إعلان حالة الطوارئ، ولم تحسم الوثيقة موضوع الإبقاء على عدد الولايات السودانية الحاليّة أم سيتم تشكيل أقاليم جديدة، وترك الأمر إلى ما بعد تشكيل هياكل السلطة الانتقالية.

ومن المقرر أن يتم تعيين رئيس للوزراء في الـ20 من الشهر الحاليّ، على أن تعقد الحكومة المشكلة أول اجتماعاتها في الـ28، أما في الأول من سبتمبر/أيلول القادم فإنه من المقرر أن يُعقَد اجتماع مشترك بين مجلس الوزراء ومجلس السيادة لتحديد الخطوط العامة لإدارة المرحلة الانتقالية المحدد لها 3 سنوات و3 أشهر، بحسب ما ذكرت "رويترز".

حضور كبير من الثوار خارج قاعة الصداقة في انتظار توقيع الاتفاق

مرحلة جديدة

حالة من التفاؤل عمت أرجاء القاعة التي شهدت توقيع الاتفاق، حيث تبادل الحضور التهاني والتبريكات، آملين أن تكون خطوة نحو استقرار البلاد والوصول بها إلى بر الأمان، بعد معاناة استمرت أكثر من 3 عقود مع نظام حكم عسكري، أغرق الجميع في مستنقعات من الصراعات والأزمات على مختلف الأصعدة.

وفي مراسم التوقيع أكد عمر الدقير في كلمة نيابة عن "الحرية والتغيير" أن "المرحلة المقبلة هي الأصعب لكل السودانيين لأنها مرحلة بناء دولة وتعمير والسلام والمصالحة الشاملة"، مبينًا أنهم "يريدون بلدًا يسع الجميع دون إقصاء أو عزل"، مطالبًا بالعبور بالبلاد بإرادة موحدة وعقل جماعي، مشيرًا أن الثوار سيكونون حراسًا للثورة ومراقبين لأداء السلطة الانتقالية.

ومن ناحية أخرى قال نائب رئيس المجلس العسكري، حميدتي: "الإرادة الوطنية هي التي انتصرت وإنه لا كاسب ولا خاسر"، أما فيما يتعلق باتهام قوات الدعم السريع التي يرأسها باستهداف وقتل المتظاهرين السلميين، فأضاف: "طوينا صفحة عصيبة من تاريخ الاقتتال وسنتجاوز كل أمراض الماضي"، زاعمًا "لن يهدأ لنا بال إلا بعد القصاص من كل من أجرم في حق الشعب السوداني".

لا يعني توقيع الاتفاق أن الستار قد أسدل على الفصل الأخير من الحراك الثوري، فما حدث لا يعدو كونه خطوة أولى في البناء العظيم الذي ينشده السودانيون

العديد من القوى السياسية ثمنت الجهد المبذول للوصول إلى هذه اللحظة المنتظرة من السواد الأعظم من الشعب السوداني، مطالبين الجميع بتحمل مسؤولياته خلال المرحلة المقبلة التي ستتطلب وفق ما ذهب بعضهم إلى جهد مضاعف لضمان تنفيذ الاتفاق وعدم الخروج عن الإطار المحدد له، هذا بخلاف اليقظة الدائمة للتصدي لأي محاولة للانقضاض على الثورة وإفراغها من مكتسباتها.

احتفالات بالطبول

ما إن انتهت مراسم التوقيع حتى رُجت الباحة الداخلية للقاعة بالهتافات الثورية على ألسنة الثوار الحاضرين وهم في حالة انتشاء كبير بشعارات تمجد مدنية الدولة منها "البلد دي حقتنا.. مدنية حكومتنا.. ثورة"، و"حرية سلام وعدالة.. مدنية خيار الشعب".

ومن داخل القاعة إلى الشوارع المحيطة بها والقريبة من شارع النيل بالخرطوم، خرج الثوار ليلتحموا بشركائهم في الشارع، فيما شكل السودانيون موجات متتالية من المسيرات، رافعين أعلام بلادهم، ومرددين هتافات وطنية بمدنية السلطة ومواصلة المشوار وانتصار كلمة الشعب.

وفي شارع المعونة عند حي شمبات بالخرطوم بحري، احتفل الثوار بطريقتهم الخاصة، حيث أخرجوا طبول النحاس (مجموعة طبول تقرع بعيدان استخدمها السودانيون منذ مئات السنين في التعبئة للحرب أو التحذير من خطب ما) وقرعوها وسط أهازيج الفرح وزغاريد النساء.

وعند تقاطع شارعي المعونة والزعيم الأزهري، أغلق المحتفلون الشوارع وتسلقوا أماكن عالية وهم يلوحون بعلامة النصر، بينما تفاعل سائقو السيارات معهم بإطلاق الأبواق، كما نقل مراسل "الجزيرة" .

أجواء الفرح لم تنسي الثوار دماء شهدائهم، إذ شهدت الاحتفالات هتافات من نوع آخر، تمجد نضال الشهداء وتنعي نضالهم وتطالب في الوقت ذاته بالقصاص العادل من قتلتهم، حيث هتفوا "شهدانا ما ماتوا.. عايشين مع الثوار" و"دم الشهيد ما راح.. لابيسنوا نحن وشاح".

بعض الثوار في حديث لهم مع "نون بوست" عبروا عن أمنيتهم أن يكون الاتفاق تضمن إجراء تحقيق شفاف في المجازر التي تعرض لها المحتجون طيلة الأشهر السبع الماضية، مطالبين قوى الحرية بالتمسك بهذا المطلب في التوقيع النهائي على الوثيقة، لئلا تذهب دماء إخوانهم سدى.

الحراك لم ينته بعد

"لا يعني توقيع الاتفاق أن الستار قد أسدل على الفصل الأخير من الحراك الثوري، فما حدث لا يعدو كونه خطوة أولى في البناء العظيم الذي ينشده السودانيون، وفي حالة الإخلال بأي مرحلة من مراحل البناء سيتحول الشارع إلى شعلة وقود متجددة في أي وقت".. بهذه الكلمات علق الشاب السوداني أحمد عبد القادر على الأجواء الاحتفالية التي صاحبت مراسم التوقيع.

عبد القادر وهو الذي شارك في الحراك منذ انطلاق شعلته الأولى في ديسمبر الماضي أضاف في حديثه لـ"نون بوست" أن الثوار سيكونون الرقيب على تنفيذ الاتفاق، لافتًا إلى أن عدم الالتزام بأي من بنوده أو تجاوز الصلاحيات الممنوحة أو القفز على مدنية الدولة سيعيد الملايين للشارع والميادين مرة أخرى.

وأشار أن حالة فقدان الثقة في المجلس العسكري التي تعززت الفترة الأخيرة بعد سياسة المماطلة التي ينتهجها وتورطه في المجازر التي خلفت وراءها عشرات القتلى ومئات المصابين من الثوار، كفيلة أن تجعل الجميع على أهبة الاستعداد في أي وقت، كاشفًا أن إنهاء الاعتصامات ليس معناه طي صفحة الحراك.

من جانبها أكدت قوى الحرية والتغيير في بيان لها على "فيسبوك" أن الإعلان الدستوري الموقع عليه، أمس الأحد، خطوة أولى سيكون لها ما بعدها، مضيفة "لن نتكئ ما لم نستكمل ما بدأناه من كفاح من أجل الحرية والسلام والعدالة، فمعركة المدنية أكبر وغمار التغيير يحتاج لمزيد من اليقظة والثبات على المبادئ".

مجدي الجزولي، وهو أكاديمي سوداني وزميل في معهد ريفت فالي، علق على هذه الخطوة بقوله: "هذه ليست المرة الأولى التي يوقع فيها السودان اتفاقات لحل مسائل سياسية بالغة الصعوبة"، لكنه أضاف في حديثه لـ"رويترز" "أعتقد أنه إذا كان هناك سبب يدعو للتفاؤل فهذا لا يعود إلى ما يحدث في غرف المفاوضات.. السبب يكمن في هذه الحركة الشعبية التي لا تريد أن تتبدد".

على مدى 30 عامًا هي مدة حكم نظام الإنقاذ برئاسة عمر حسن البشير (يونيو/حزيران 1989-أبريل/نيسان 2019)، قامت المعارضات السودانية بشقيها المسلح والمدني بعدة محاولات فاشلة للإطاحة بالنظام، عبر انتفاضات شعبية أو تحركات مسلحة أو في حالات كثيرة عبر الحوار أو صندوق الاقتراع.

لكن ما حدث بالأمس وما سيتبعه في الـ17 من الشهر الحاليّ نقطة تحول كبيرة في المسار الثوري للمعارضة، أثبتت خلالها قدرة الشارع على فرض كلمته مهما كانت الأجواء، لكن تبقى الأيام القادمة وحجم الالتزام بالوثيقة وما تضمنته من بنود ترسخ لمدنية الدولة، ترمومتر الاختبار الحقيقي لمدى نجاح الحراك، وهو ما يراهن عليه الكثيرون.