قلما تجد شارعًا في مصر خلال أيام العيد، الفطر أو الأضحى، إلا وتسمع أصوات الزغاريد تهز أركانه، والأغاني الصاخبة تزلزل المكان، فبداخل بيت من بيوته - على الأقل - حفل يقام، زفاف كان أو خطبة، ففي مثل هذا الوقت من كل عام، تزدحم الميادين العامة بحفلات الزواج وتزاحم السيارات التي تزف العروسين، المارة، في الشوارع والطرقات الرئيسية.

تحولت الأعياد في مصر إلى مواسم للزواج، ظاهرة تباينت أسبابها وتعددت دوافعها، إلا أنها في النهاية باتت واقعًا ملموسًا وطقسًا اُشتهر به المصريون منذ مئات الأعوام، فأصبحت ملمحًا رئيسيًا من ملامح المجتمع المصري الذي يتميز بطبعه بعادات وتقاليد قلما تجدها في مكان آخر.

العديد من المصريين يرون أن اقتران الأفراح بالعيد يضاعف الاحتفال ويعزز البهجة، فيما ألمح آخرون إلى بعد ديني في هذه الظاهرة التي تنتشر بصورة أكبر في القرى والمناطق الريفية، فيما تتراجع بصورة ملحوظة بين العائلات ميسورة الحال التي ترى في هذا الاقتران إقلالاً لشأنها.. فما تفسير هذه الظاهرة؟  

الزواج في العيد يزيد من بركته، فحين تخرج من شهر كرمضان أو من فريضة عظيمة كالحج والعشر الأوائل من ذي الحجة، في مثل هذه الأوقات يتنزل الله برحماته ونفحاته، ومن ثم تزداد البركة والقبول ويديم الله في قلب الزوجين المحبة والود

أسباب اجتماعية

"في الغالب معظم الشباب المسافرين للخارج بيرجعوا في أيام العيد، وبيظبطوا مواعيد زواجهم على عودتهم في الوقت ده، عشان كده بتكثر حفلات الزواج في مثل هذا الوقت من كل عام"، بهذه الكلمات علقت أميمة إبراهيم، أم مصرية، على هذه الظاهرة، لافتة إلى أن الظروف في الغالب هي التي تفرض نفسها.

الخمسينية، التي تعمل مدرسة، أضافت في تصريحاتها لـ"نون بوست": "ابني يعمل في السعودية، ويأخذ إجازته السنوية كل عام في عيد الأضحى، وبالتالي إحنا قررنا يكون فرحه بعد عودته بأيام قليلة، يعني ثالث يوم العيد على الأكثر، لأجل أن يقضي أيامًا كافية مع عروسه قبل العودة إلى العمل مرة أخرى".

وأشارت أن الإجازة لا تتعدى شهرًا واحدًا، وأن ابنها يعود إلى بلاده قبيل العيد بيوم واحد فقط أو يومين على الأكثر، ويكون كل شيء جاهز، شقة الزوجية قد اكتملت، أثاثها، جميع مستلزماتها، وتقف الأمور عند "كتب الكتاب" ويكون ليلة العيد أو يوم العيد بعد صلاة العصر تقريبًا، أي قبل حفل الزفاف بأقل من 24 ساعة فقط.

تقترن حفلات الزواج بالأعياد في الريف المصري 

فيما اعتبر أحمد سالم، البالغ من العمر ستين عامًا، أن إقامة حفلات الزواج في العيد لتكون الفرحة فرحتين، فرحة العيد وفرحة الزواج، كاشفًا أن معظم أبناء قريته بمدينة المنصورة (شرق) يزوجون أبناءهم في الأعياد، خاصة عيد الفطر، بعد انتهاء رمضان مباشرة.

وأضاف سالم لـ"نون بوست" أن الزواج في العيد يزيد من بركته، فحين تخرج من شهر كرمضان أو من فريضة عظيمة كالحج والعشر الأوائل من ذي الحجة، في مثل هذه الأوقات يتنزل الله برحماته ونفحاته، ومن ثم تزداد البركة والقبول ويديم الله في قلب الزوجين المحبة والود، على حد قوله.

علاوة على هذا فإن معظم الأسر المغتربة تعود إلى مواطنها الأصلية في إجازات العيد، فتكون الأجواء المجتمعية مناسبة لتجمع كل أفراد الأسرة الكبيرة، بما يمثل فرصة جيدة لإقامة حفلات الزواج، عكس الأوقات الأخرى التي من الصعب حضور معظم أفراد العائلة نظرًا لارتباطاتهم العملية.

يمثل العيد فرصة جيدة لإقامة الحفلات الاجتماعية خاصة لدى الجمعيات الخيرية، إذ تشتهر مصر بعشرات الجمعيات التي تقيم مثل هذا النوع من حفلات الزفاف في العيد

الريف في المقدمة

يحتل الريف مرتبة الصدارة في انتشار هذه الظاهرة، وذلك يعود لسببين وفق ما ذهبت الباحثة في مركز الدراسات المجتمعية (مستقل) أماني عزمي، الأول: أن معظم المقبلين على الزواج في الأقاليم يعملون في الخارج، ومن ثم يعودون وفق إجازتهم في أيام العيد، وهو ما يتفق مع شهادات أخرى كثيرة.

أما السبب الثاني كما أشارت عزمي في تصريحاتها لـ"نون بوست" فيعود إلى ارتباط أهالي الريف بالأعياد بصورة كبيرة، فتلك المناسبة تحتل مكانة مقدسة، ومن ثم من يريد أن ينجز أي شيء يختار هذا التوقيت من كل عام لإتمامه فيه، تساوى في ذلك الزواج والخطوبة وحفلات الذكر والزيارات العائلية المجمعة وغير ذلك من المناسبات التي تمثل قيمة مجتمعية كبيرة لسكان المناطق الزراعية.

كما اتفقت مع ما ذهب إليه آخرون بشأن البُعد الديني في الظاهرة، حيث التعرض لنفحات تلك الأيام الربانية، ومن ثم يلقي الله البركة والمحبة والديمومة في هذه العلاقة التي يعتبرها المصريون أوثق ميثاق يربط بين الرجل والمرأة، هذا على عكس المدن تمامًا التي تنتفي فيها تلك الأسباب بشكل كبير.

تكثر حفلات الزواج الجماعي في العيد

أما الطبقات ميسورة الحال فنادرًا ما تلتزم بهذا الطقس المجتمعي، إذ ترى أن فيه إقلالاً لشأنها، وتصدير صورة عن تواضع مستواهم، بما يسيء لهم،  خاصة أنهم يربطون بين إقامة حفل الزواج في العيد والعامل المادي، معتبرين أن من يقيم الزفاف في هذا التوقيت يسعى لتوفير النفقات عبر تخصيص لحوم الأضحية للحفل، وهو مبرر ربما لا يروق لكثير من الحالات، على حسب رأي الباحثة الاجتماعية.

ويمثل العيد فرصة جيدة لإقامة الحفلات الاجتماعية خاصة لدى الجمعيات الخيرية، إذ تشتهر مصر بعشرات الجمعيات التي تقيم مثل هذا النوع من حفلات الزفاف في العيد، خاصة عيد الفطر على وجه التحديد، ورغم تراجع هذه الظاهرة خلال الأعوام القليلة الماضية بسبب الضغوط المادية التي تتعرض تلك الجمعيات فإن البعض يلتزم بها.