عندما انطلقت شرارة الثورة السودانية في ديسمبر/كانون الأول 2018 من الدمازين جنوبًا وعطبرة شمالًا، أتذكر أن قيادات وكوادر الحزب الحاكم البائد، سخروا من الحراك الشبابي آنذاك، معتبرين أنه لن يشكل أي تهديد على نظام عمر البشير، وكنت قد كتبت في تلك الأيام مقالةً مطولةً بعنوان "مدن السودان تنتفض.. إليكم التفاصيل وهذه أبرز السيناريوهات المتوقعة"، اقتبست العنوان من الهاشتاغ الذي وثّق لبداية الثورة التي انطلقت بالفعل من عدة مدن سودانية حتى وصلت في أواخر ديسمبر إلى العاصمة الخرطوم.

أتذكر أنه عندما نُشرت المقالة، وقد تنبأت فيها باستمرار التظاهرات حتى سقوط النظام وإمكانية عزل القوات المسلحة لعمر البشير في مرحلة من المراحل، اعتبر أحد أقاربي (من أنصار النظام البائد) أن ما كتبته عبارة عن أمنيات لا يمكن أن تحقق، وأن ما يحدث لن يكون أكثر من "احتجاجات" كما كان يصفها أنصار الرئيس الساقط. عندها قلت لقريبي المنفعل: "انتظر وسترى بعينك".

3 موجات من الثورة

صحيح أن الثورة استمرت في موجتها الأولى زهاء أربعة أشهر ولكن العبرة بالخواتيم كما يقولون، إذ استيقظ السودانيون فجر الخميس 11 من أبريل/نيسان الماضي على وقع المارشات العسكرية التي مهدت لعزل المخلوع بانقلابٍ نفذته لجنته الأمنية المكونة من وزير الدفاع (رئيس اللجنة)، ومدير جهاز الأمن وقائد قوات "الدعم السريع" ومدير قوات الشرطة ورئيس أركان الجيش وغيرهم من القيادات الأمنية.

ثبات قوى إعلان الحرية والتغيير على موقفها، واستمرار مطالبة الثوار للعسكر بتسليم السلطة للمدنيين في الموجة الثالثة، شجّع دول العالم الكبرى والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي على دعم موقف قوى الثورة

تلك كانت نهاية الموجة الأولى من الثورة التي خلصت إلى تشكيل مجلس عسكري برئاسة النائب الأول للبشير ووزير دفاعه عوض بن عوف، لكن الأخير لم يمكث في المنصب إلا يوم ونصف اضطر بعده للاستقالة على وقع التظاهرات المستمرة الرافضة لوجوده، فالرجل كان الذراع اليمنى للبشير ولم يقتنع أحد بالبيان الأول الذي ألقاه ظهر الخميس 11 من أبريل/ نيسان مما كتب نهاية مبكرة للموجة الثانية من ثورة ديسمبر 2018، إذ انتهى أمر ابن عوف ورئيس الأركان الأسبق كمال عبد المعروف سريعًا فمهّد ذلك الطريق لتشكيل مجلس عسكري جديد برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

حتى المجلس الجديد الذي يقوده البرهان ونائبه حميدتي حاول الالتفاف على مبادئ الثورة والاستفراد بالحكم، مستقويًا بالمحور الإقليمي المناهض للديمقراطية، فمن اللحظة الأولى لظهور مجلس البرهان قامت السعودية والإمارات ومصر بالاعتراف به، في موقف مخالف لكل الإجماع الإقليمي والدولي، ولكن الثوار كانوا بالمرصاد لداعمي المجلس العسكري، إذ عبّروا بشكل واضح عن رفضهم للتدخل في الشأن السوداني ومحاولات صُنع ديكتاتور جديد.

رئيس المجلس العسكري الفريق أول عبد الفتاح البرهان

ثبات قوى إعلان الحرية والتغيير على موقفها، واستمرار مطالبة الثوار للعسكر بتسليم السلطة للمدنيين في الموجة الثالثة، شجّع دول العالم الكبرى والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي على دعم موقف قوى الثورة، بل إن الاتحاد اتخذ خطوة جريئة في أعقاب مذبحة فض اعتصام القيادة العامة، إذ جمد عضوية السودان في المنظمة لحين تسليم السلطة للمدنيين، كل هذه الإجراءات أرغمت المجلس العسكري على العودة للتفاوض مع قوى الحرية والتغيير بعدما كان يحاول حشد الكيانات الوهمية مثل الإدارات الأهلية وأذرع النظام البائد من أجل منحه تفويضًا شعبيًا مزعومًا للاستفراد بالحكم والانقلاب على مطالب الثوار.

الموجة الثالثة تنتهي باتفاق سياسي دستوري

خلصت المفاوضات الشاقة في نهاية الموجة الثالثة من الثورة إلى اتفاقين بين العسكري وقوى الثورة، أولهما إعلان سياسي وآخر دستوري لمعالجة تفاصيل تشكيل الحكومة الانتقالية التي ستدير شؤون البلاد لـ39 شهرًا، تبدأ من تاريخ التوقيع الرسمي على الوثيقتين في الـ17 من الشهر الحاليّ، وسط حضور إفريقي ودولي يتقدمه رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد الذي لم ينس له السودانيون مبادرته بزيارة بلدهم قبل شهرين لمحاولة التوسط بين الطرفين، وعندما وجد أن مهمته صعبة ترك مبعوثه السفير محمود درير ليقود جهود الوساطة إلى جانب مبعوث الاتحاد الإفريقي محمد الحسن لبات.

نقطة خلافية أخرى ستعترض طريق الشراكة بين المجلس العسكري وقوى التغيير تتمثل في تشكيل لجنة التحقيق الخاصة بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة والنتائج التي يتوقع أن تخلص إليها

اختلفت وجهات النظر بين السودانيين فيما يتعلق بالاتفاق مع المجلس العسكري ففي حين عبّر كثيرون عن فرحتهم بتوقيع الاتفاق وأنه سيُفضي إلى تحول ديمقراطي بنهاية الفترة الانتقالية، لم يخفِ آخرون مشاعر الغضب من التنازلات التي قدمتها قوى الحرية والتغيير، ومن أهمها القبول بمشاركة أعضاء المجلس العسكري الحالي في المجلس السيادي القادم بنسبة 50%، ومنحهم منصب الرئيس طيلة الـ21 شهرًا الأولى من عُمر الفترة الانتقالية رغم تورطهم المؤكد في مجزرة القيادة العامة باعتراف المتحدث الرسمي باسم المجلس العسكري شخصيًا.

كذلك لم ينص الاتفاق المعني على حلّ قوات الدعم السريع التي تعرف شعبيًا باسم مليشيا "الجنجويد" سيئة السمعة التي يعتقد أنها المتورط الأول في المجزرة قتلًا واغتصابًا وتنكيلًا بالثوار والثائرات، إلى جانب سجلها السيء في حرب دارفور وتورطها في عدة تفلتات وجرائم أخرى من بينها قتل طلاب الأُبيّض قبل أيام قليلة.

ولكن من باب الإنصاف، هناك عدة جوانب إيجابية في الاتفاق تتمثل في الآتي:

1- تسمية رئيس وزراء بصلاحيات واسعة من بينها تعيين حكام الأقاليم وإصلاح أجهزة الدولة بتعيين مسؤولين حكوميين من ذوي الكفاءة والأهلية من دون النظر للانتماء السياسي.

2- تشكيل قضاء ونيابة مستقلان عن السلطة التنفيذية.

3- فتح كل ملفات الفساد وجرائم نظام الإنقاذ من العام 1989.

4- يفتح الاتفاق، إذا تم تنفيذه كاملًا أبوابًا كبيرة للحريات العامة ورد الحقوق وسيادة دولة القانون.

5- تثبيت نسبة 67% من عضوية المجلس التشريعي الانتقالي لصالح قوى إعلان الحرية والتغيير، مما يعني ضمان أغلبية الثلثين، وإمكانية تشريع قوانين جديدة تعالج بها قوى الثورة أخطاء الاتفاقية والتنازلات التي قدمتها لصالح العسكري.

6- النقطة الأهم.. وهي أن الاتفاق يمهد وينتهي إلى تحول ديمقراطي كامل وينهي دولة الرجل الواحد والحزب الواحد.

عقبات في طريق الشراكة والتحول الديمقراطي

وتبقى العقبات كبيرة أمام الحكومة الجديدة بمستوياتها الثلاث المجلس السيادي ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي، فأولى التحديات هي كيفية الحفاظ على تحالف قوى الحرية والتغيير بعد اعتراض الحزب الشيوعي السوداني والجبهة الثورية على الاتفاق وتبنيهما خطًا تصعيديًا بحجة أن الاتفاق لا يلبي طموحات الثوار ولا يحقق مطالبهم. السؤال هو: كيف سيكون شكل العلاقة بين مكونات الحرية والتغيير وقد اتخذ الحزب الشيوعي هذا الموقف، إلى جانب اعتراضات تحالف الجبهة الثورية على الإعلان الدستوري واعتباره انقلابًا على ما تم التوافق عليه في مفاوضات أديس أبابا؟

المؤسسة العسكرية بكل مكوناتها وُضعت في يد القادة العسكريين بجانب سلطة تعيين وزيري الدفاع والداخلية، مما يعني تكريس القبضة الأمنية بيد العسكر خارج نطاق السلطة التنفيذية التي ستتولاها قوى الحراك

نقطة خلافية أخرى ستعترض طريق الشراكة بين المجلس العسكري وقوى التغيير تتمثل في تشكيل لجنة التحقيق الخاصة بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة والنتائج التي يتوقع أن تخلص إليها، فالمجلس في نظر السواد الأعظم من الشعب السوداني مُدان مسبقًا بالتورط في المذبحة بقياداته كلها، وتوجد اعترافات مصورة للمتحدث الرسمي الفريق أول شمس الدين كباشي يقر فيها بتخطيط العساكر لفض الاعتصام بعبارته الشهيرة: "وحدث ما حدث"، إلى جانب زلّة لسان لنائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان "حميدتي" يعترف فيها ضمنًا بتورطهم في المجزرة عندما قال "الاعتصام لو ما فضينا..." قبل أن يستدرك مُعدلًا "لو ما فضوه".

أولى التحديات هي كيفية الحفاظ على تحالف قوى الحرية والتغيير

أيضًا، هناك قنبلة أخرى تتعلق بالسياسة الخارجية لجمهورية السودان في الفترة الانتقالية، فقوى الثورة تتمسك بانتهاج سياسة خارجية مستقلة بعيدًا عن المحاور الإقليمية والدولية وفقًا لما جاء في إعلان الحرية والتغيير الذي هو بمثابة "منفستو" توافقت عليه كيانات الثورة منذ يناير/كانون الثاني الماضي، بينما يبدو المجلس العسكري وقد حسم أمره بالارتماء كاملًا في حضن المحور السعودي الإماراتي وهو ما لن تقبل به قوى الحرية والتغيير التي بيدها منصب وزير الخارجية، فقد لا تستعجل مثلًا في سحب القوات السودانية من اليمن، لكنها لن تسمح برهن البلد كاملًا لهذا المحور والتنازل عن الاستقلالية والتوازن في علاقات السودان الخارجية.

قنبلة موقوتة أخيرة موجودة في الفصل الـ11 من الوثيقة الدستورية، إذ ينص البند على أن "القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسسة عسكرية وطنية حامية لوحدة الوطن وسيادته تتبعان للقائد العام للقوات المسلحة وخاضعتان للسلطة السيادية".

كثيرة هي الألغام والعقبات التي يمكن أن تواجه الحكومة الانتقالية القادمة بما في ذلك احتمالية أن ينقلب العساكر على كل التفاهمات والاتفاقيات التي تمت مع قوى الحرية والتغيير، أو أن ينجحوا في تشتيت الأخيرة وتفرقتها أو حملها على تقديم تنازلات جوهرية تكرس لحكم العسكر

إذًا، المؤسسة العسكرية بكل مكوناتها وُضعت في يد القادة العسكريين بجانب سلطة تعيين وزيري الدفاع والداخلية، مما يعني تكريس القبضة الأمنية بيد العسكر خارج نطاق السلطة التنفيذية التي ستتولاها قوى الحراك، وليس لرئيس الوزراء سلطة على القوات المسلحة والدعم السريع التي نصّ الاتفاق على أن تخضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة، والمشكلة أن المنصب ألغاه الرئيس المعزول عمر البشير منذ سنوات مستعيضًا عنه بمنصب "القائد الأعلى"، فهل سيتم إعادته مرة أخرى ليكون الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيسًا لمجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة مثلًا؟ أم يكون وزير الدفاع القادم هو القائد العام؟

كثيرة هي الألغام والعقبات التي يمكن أن تواجه الحكومة الانتقالية القادمة بما في ذلك احتمالية أن ينقلب العساكر على كل التفاهمات والاتفاقيات التي تمت مع قوى الحرية والتغيير، أو أن ينجحوا في تشتيت الأخيرة وتفرقتها أو حملها على تقديم تنازلات جوهرية تكرس لحكم العسكر، ولكن من المؤكد أن الشعب الذي انتفض وأزال حكم البشير بعد 30 عامًا من القبضة الحديدية، وأزال ابن عوف في أقل من 48 ساعة، لن يعجزه إسقاط المجلس العسكري ولا حتى قوى الحرية والتغيير نفسها في الموجة الرابعة إذا رأى أن أحد الطرفين أو كلاهما انحرف عن مسار الثورة والتحول الديمقراطي المنشود الذي يفترض أن تنتهي إليه الفترة الانتقالية في العام 2022.