الحصار يمنع القطريين من أداء الحج

مع اقتراب موسم الحج كل عام تتصاعد الانتقادات الموجهة للسلطات السعودية بشأن الانتهاكات التي يتعرض لها ضيوف بيت الله الحرام التي تصل في بعض الأوقات إلى حرمان بعضهم من أداء الفريضة، الأمر الذي دفع العديد من المنظمات الحقوقية لرفض تسييس الشعيرة ومناشدة المجتمع الدولي للتصدي لهذه الممارسات.

اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بدولة قطر أحصت ما يقرب من 186 انتهاكًا سعوديًا لحقوق القطريين في ممارسة الشعائر الدينية ممثلة في الحج والعمرة خلال الفترة الأخيرة، منددة باستعمال تلك الشعائر الدينية كأداة للضغط السياسي على الدوحة عقب الأزمة الخليجية التي اندلعت في 5 يونيو/حزيران 2017.

للعالم الثالث على التوالي -منذ فرض الحصار على قطر من الدول الرباعية- لا يتمكن الحجاج القطريون والمقيمون من أداء فريضة الحج بسبب إغلاق الحدود أمام بعثات الحج والعمرة، ومنع الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، إلى جانب منع وجود بعثة قطرية للحج تتولى شؤون الحجاج وترعى مصالحهم.

تحركات دبلوماسية مكثفة تعقدها لجنة حقوق الإنسان والخارجية القطرية لمواجهة تلك التحديات التي يجب ألا تكون محل اعتبار في الأزمة السياسية المندلعة، التي من المتوقع أن تكون على طاولة لجان العديد من المنظمات الدولية على رأسها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

معوقات وعراقيل

استعرضت اللجنة الحقوقية القطرية قبل أيام من بدء موسم الحج العراقيل التي يضعها الجانب السعودي للحيلولة دون إتمام القطريين حجهم أو عمرتهم، وكان وفد من اللجنة قد وصل إلى الولايات المتحدة يوليو/تموز الماضي لعرض هذه المعوقات، في محاولة لإيجاد حل جذري لها يسمح للمواطنين القطريين بأداء الحج.

رئيس اللجنة علي بن صميخ المري خلال لقائه مسؤولين في الإدارة الأمريكية والكونغرس، قدم تقريرًا مفصلاً عن التجاوز الممارس بحق الحجاج والمعتمرين القطريين خلال العامين الماضيين، مخاطبًا رئيس مجلس حقوق الإنسان في دورته 13 كولي سيك، والمفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة ميشيل باشيليه، وكذلك المقرر الخاص المعنيّ بحرية الدين والمعتقد بالأمم المتحدة أحمد شهيد، والمبعوث الخاص لحرية الدين أو المعتقد خارج الاتحاد الأوروبي جان فيغل، بالقيام بمسؤولياتهم حيال هذه الأزمة.

المعوقات التي قدمها الوفد القطري تتزامن وفق ما ذهبوا إليه مع تصاعد واضح في حدة خطاب التحريض والكراهية الذي تمارسه وسائل الإعلام السعودية، وصل إلى حد التحريض على استهداف مواطنين وصحافيين قطريين ومؤسسات إعلامية قطرية، إلى جانب إصدار قوانين تعاقب مواطني دول الحصار في حال أبدوا تضامنهم مع قطر.

 تلك المعوقات شملت منع القطريين من حقهم من التنقل إلى البقاع المقدسة عبر رحلات مباشرة، إضافة إلى منع رحلات الحج والعمرة برًا عبر الحدود السعودية، وحرمان القطريين من حقهم في تحويل الأموال

المري اتهم السلطات السعودية بتعمد تضليل الرأي العام العالمي وإيهامه بأنها ترحب بالحجاج والمعتمرين القطريين والمقيمين لأداء شعائرهم الدينية، لكن تلك السلطات في الواقع لا تقدم أي خطوة أو مبادرة جادة لتذليل العراقيل والصعوبات التي وضعتها منذ بداية الحصار، على حد قوله.

أما عن أبرز تلك المعوقات فشملت منع القطريين من حقهم من التنقل إلى البقاع المقدسة عبر رحلات مباشرة، إضافة إلى منع رحلات الحج والعمرة برًا عبر الحدود السعودية، وحرمان القطريين من حقهم في تحويل الأموال، وغياب بعثة رسمية قطرية في مكة، وعدم وجود أي تنسيق للسلطات السعودية مع نظيرتها القطرية بشأن الترتيبات اللازمة لموسم الحج والعمرة وضمان أمن وسلامة الحجاج والمعتمرين، فضلاً عن التحريض ضد المواطنين والمقيمين في قطر.

ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي حذروا في الوقت ذاته من تصاعد تلك الانتهاكات خاصة بعد اعتقال السلطات السعودية أربعة مواطنين قطريين، أحدهم خلال توجهه للعمرة في رمضان الماضي، معددين بعض صور هذه الممارسات منها رفض وزارة الحج والعمرة في السعودية التواصل مع وزارة الأوقاف القطرية ومقاولي الحج للتنسيق بشأن ترتيبات حجّ القطريين، التي تشمل تحديد حصة قطر وترتيبات السفر والإقامة والتنقلات والأماكن المخصصة للإقامة في مكة ومواقع البعثة القطرية في المشاعر المقدسة بالنسبة للمسلمين في كل من منى وعرفات ومزدلفة، أسوة بالدول الأخرى، وهو ما منع حجاج دولة قطر من التوجه إلى المشاعر المقدسة العام الماضي.

علاوة على اشتراط السلطات السعودية قدوم ومغادرة القطريين الراغبين في أداء مناسك الحج لهذا العام، عبر مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة، وعن طريق أيّ من شركات الطيران، ما عدا الخطوط الجوية القطرية، ما يعني عدم تمكن الحاج القطري من السفر مباشرة جوًا من الدوحة إلى جدة.

بجانب سلب الدوحة حقها في الإشراف على حجاجها ومتابعة أوضاعهم، كما أنها تسببت بإغلاق حملات الحج والعمرة القطرية، وقطع مورد رزق المئات من العاملين في هذه الحملات الذين لحقتهم بالفعل خسائر فادحة، وأغلقت بعض الحملات أبوابها، نظرًا لعدم تمكن القطريين من أداء مناسك العمرة ومن ثم الحج للعام الثالث على التوالي.

علي المري رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان القطرية

تناقض سعودي

حالة من التناقض ظهر عليه الموقف السعودي حيال الاتهامات الموجهة للمملكة، ففي بيان صادر عن وزارة الحج والعمرة السعودية في 13 من يوليو الماضي ردًا على المطالب القطرية دعت فيه "السلطات المعنيّة في دولة قطر إلى تسهيل إجراءات قدوم الأشقاء القطريين الراغبين في أداء مناسك الحج، وإزالة العقبات التي تفرضها حكومة قطر لمنعهم من القدوم لأداء هذه الشعيرة العظيمة".

الوزارة في بيانها قالت إنّها "أطلقت عدة روابط إلكترونية لتمكين المواطنين القطريين والمقيمين في دولة قطر من حجز أماكن إقامتهم والتعاقد على الخدمات التي يرغبونها، والقدوم عبر أي خطوط جوية غير الخطوط القطرية لأداء مناسك العمرة".

اللجنة عملت منذ بدء الحصار على اتباع مسارات قانونية وحقوقية مختلفة لمحاولة إنصاف الضحايا، وإدانة الانتهاكات الخطيرة لدول الحصار

وتابع البيان "وجهت الدعوة للمسؤولين عن شؤون الحج في دولة قطر هذا العام 1440هـ كغيرهم من المسؤولين في الدول الإسلامية للقدوم للمملكة لترتيب قدوم الحجاج القطريين، وعُقد الاجتماع معهم بتاريخ 8/ 6/ 1440 هـ وبُحثت كل الأمور المتعلقة بتنظيم قدوم الحجاج والمقيمين من قطر لأداء مناسك الحج، ولكن الوفد القطري غادر دون أن يوقع على اتفاقية الحج، وبالتالي لم تمنح السلطات القطرية الفرصة لشركات الحج القطرية بالقدوم للاتفاق مع مقدمي خدمات الحجاج في المملكة".

وفي المقابل وصف مدير المكتب الإعلامي بوزارة الخارجية القطرية السفير أحمد الرميحي، مطالب الرياض للدوحة بـ"تسهيل إجراءات الحجاج والمعتمرين القطريين"، بأنها تعكس حالة من "التناقض الواضح"، في ظل عدم وجود سفارة قطرية في الرياض، وعدم السماح للخطوط القطرية بالطيران المباشر إلى المملكة.

الرميحي وعبر تغريدة على حسابه على "تويتر" تساءل "دون سفارة قطرية وبعثة للحج وعدم السماح للخطوط القطرية بالسفر المباشر، كيف سنفهم هذا الحرص الكاذب؟".

تحركات دبلوماسية مكثفة

لم تتوان الدوحة عن بذل الجهود الدبلوماسية لتذليل العقبات أمام القطريين لممارسة شعائرهم المقدسة، فعلى مدار العامين الماضيين ومنذ الحصار المزعوم طرقت قطر أبواب المنظمات والكيانات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، فضلاً عن عشرات اللقاءات التي عقدها مسؤولون قطريون مع نظرائهم في الدول الأخرى لمناقشة هذا الملف.

رئيس لجنة حقوق الإنسان القطرية خلال زيارته لأمريكا الشهر الماضي، وفي رده على تساؤلات المشاركين، قال إن اللجنة عملت منذ بدء الحصار على اتباع مسارات قانونية وحقوقية مختلفة لمحاولة إنصاف الضحايا، وإدانة الانتهاكات الخطيرة لدول الحصار، عارضًا تقريرًا مفصلاً عن قرارات محكمة العدل الدولية بشأن الانتهاكات الإماراتية.

وأكد المري أن اللجنة لن تصمت أمام دعوات التحريض التي أطلقها مسؤولون بارزون بدول الحصار ضد إعلاميين وقنوات إعلامية قطرية، بلغت حد الدعوة صراحة لاستهداف قناة الجزيرة، الأمر الذي يعد جريمة تعاقب عليها القوانين الدولية، لافتًا إلى استمرار الحراك الدبلوماسي حتى وقف هذه الممارسات.