ترجمة وتحرير: نون بوست

قد تظهر جبهة جديدة في الصراع اليمني وذلك نتيجة محاولة أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي اقتحام القصر الرئاسي في عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد. وفي مطلع آب/ أغسطس، لم تتوقف الاشتباكات في الشوارع ما أدى إلى تدهور الوضع في عدن بشكل حاد على خلفية وفاة حوالي خمسين شخصا في يوم واحد نتيجة الهجمات. وحسب وجهات نظر الخبراء، قد يكون سبب الاشتباكات هو الخلافات القائمة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي بدأت حربا في اليمن منذ أربع سنوات ضد حركة "أنصار الله" أي الحوثيين.

أسفرت الاشتباكات التي وقعت يوم الخميس وسط عدن عن مقتل شخص واحد على الأقل وإصابة إثنين آخرين، علما بأن هيئات إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا تتمركز في عدن بشكل مؤقت. ولا يزال الوضع متوترا على الرغم من تصريحات وزير الداخلية أحمد الميسري، التي تفيد بأن السلطات تسيطر على الوضع. وقد جاء بيان الوزير بعد الهجوم على القصر الرئاسي والبنك المركزي يوم الأربعاء من قبل التجمع اليمني للإصلاح وأنصار المجلس الانتقالي الجنوبي، وهي منظمة انفصالية تدعو لاستقلال الجنوب.

نتيجة الصدامات بين الانفصاليين والقوات الموالية للحكومة التي تحرس القصر، قُتل ثلاث أشخاص وأصيب نحو عشرة آخرين

إن عدن هي عاصمة أول محمية بريطانية في جنوب اليمن المستقل بعد سنة 1967. وقد استحوذت الإمبراطورية العثمانية سنة 1918 على شمال اليمن لتكون عاصمته صنعاء. وفي سنة 1990، اتحد جنوب اليمن بشماله، لكن السلام بينهما لم يدم طويلا. وفي سنة 1994، اندلعت الحرب الأهلية في البلاد وانتهت بانتصار الشمال. ومع ذلك، لا تزال المشاعر الانفصالية في الجنوب قوية.

نتيجة الصدامات بين الانفصاليين والقوات الموالية للحكومة التي تحرس القصر، قُتل ثلاث أشخاص وأصيب نحو عشرة آخرين. وقد أعلن نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي هاني بن بريك عن التعبئة العامة، متهما الرئيس عبد ربه منصور هادي بأنه تجمعه علاقات مع جماعة الإخوان المسلمين. وتجدر الإشارة إلى أن الموالين لهادي وصفوا تصريحات بن بريك بأنها محاولة انقلابية. كما ذكرت وسائل الإعلام اليمنية نقلا عن مصادر موالية للحكومة أنه تم إيقاف المناوشات يوم الأربعاء بعد تدخل الجيش السعودي الذي أرسل مركباته المدرعة إلى منطقة محيط القصر.

لقد تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي سنة 2017. ووفقا لما تؤكده وسائل الإعلام، تقدم الإمارات العربية المتحدة الدعم للانفصاليين ونتيجة لذلك أصبحت العلاقات بين الإمارات والرئيس اليمني الحالي متوترة للغاية في الآونة الأخيرة. وفي الحقيقة، تقود كل من أبو ظبي والرياض التحالف العربي منذ سنة 2015 لمساعدة عبد ربه منصور هادي في محاربة حركة "أنصار الله" الحوثيين، وفي الوقت نفسه، يعمل الرئيس اليمني على الحفاظ على وحدة اليمن.

أعلنت الإمارات عن إعادة نشر قواتها في اليمن مع تخفيض عددها، والبحث عن حل سلمي للنزاع في اليمن. لكن بالتزامن مع هذا التغيير في الموقف الإماراتي، ازداد الوضع سوءا في جنوب اليمن

يعتبر الصراع في عدن صراعا إقليميا تُوظف فيه العديد من الموارد وتراق بسببه دماء سكان الجنوب من أجل السيطرة على المدينة والمطار والميناء ومدخل مضيق باب المندب. وحسب نائب رئيس المكتب السياسي لمجلس الحراك الثوري الأعلى لتحرير واستقلال الجنوب، مدرم أبو سراج، فإن التحالف العربي كان في البداية بمثابة الجبهة الموحدة إلى جانب قوات المقاومة في الجنوب، ومع بدء تحرير بعض المناطق، حدث الانقسام داخل التحالف وبين حلفائه وانطلق الكفاح من أجل السلطة. ونتيجة لذلك، ظهرت الشرطة المسلحة والهياكل السياسية الموازية. وقال السيد أبو سراج إنه "من الضروري وضع الطموحات الشخصية جانبا من أجل مصلحة الجنوب".

في أواخر تموز/ يوليو، أعلنت الإمارات عن إعادة نشر قواتها في اليمن مع تخفيض عددها، والبحث عن حل سلمي للنزاع في اليمن. لكن بالتزامن مع هذا التغيير في الموقف الإماراتي، ازداد الوضع سوءا في جنوب اليمن. وفي مطلع آب/ أغسطس، أسفر هجومان إرهابيان عن تفجير سيارة وقتل 59 شخصا في عدن وإصابة حوالي 50 شخصا آخرين. وكان بين القتلى محمود أحمد المشالي المسؤول عن الأمن في عدن. وعلى إثر الهجمات مباشرة، انتشرت شائعات بين مؤيدي المجلس الانتقالي الجنوبي بأن الحوثيين تلقوا دعما من قبل الدوائر الموالية للحكومة في عدن.

حسب الخبير الروسي سيرغي سيبروف فإنه "في وقت سابق، كنا نعتقد أن الحرب الأهلية تدور بين السلطات الشرعية التي يمثلها الرئيس عبد ربه منصور هادي والحوثيين. ولكن، في الوقت الراهن، أصبح الصراع اليمني هو نتاج التدخل العسكري من قبل قوات التحالف العربي. وفي هذا الصراع تحاول الأطراف المتدخلة حل قضايا لا ترتبط بأي حال من الأحوال باستعادة الدولة اليمنية".

أعرب الممثلون الدبلوماسيون للأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في اليمن عن قلقهم إزاء الوضعية في اليمن

حيال هذا الشأن، أشار الخبير في المجلس الروسي للشؤون الخارجية كيريل سيمينوف إلى أن "الصراع الخفي بين السعودية والإمارات العربية المتحدة اندلع في جنوب اليمن منذ سنة. ومن جهته، بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي في الاستفادة من الهجمات الإرهابية في عدن لتضخيم موجة جديدة معادية للسعودية ومعادية للحكومة. ووفقا للخبير في المجلس الروسي للشؤون الخارجية كيريل سيمينوف، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تضيف الوقود إلى النار لأنها مهتمة بإنهاء الصراع مع الحوثيين.

في سياق متصل، أكد هذا الخبير أن "الإمارات تحاول الحد من تأثير الإسلام السياسي في عدن، في حين تعتمد السعودية عليه في جنوب اليمن، على الرغم من أن الرياض تعتبر في مواجهة مع المقربين من الإسلام السياسي "الإخوان المسلمين" (قطر)". وفي الوقت نفسه، يشدد الخبير على أن الإمارات لا تزال الحليف الاستراتيجي الأهم للمملكة العربية السعودية، لذلك ليس من المستغرب أن تكون ردود فعل الرياض تجاه أبو ظبي شديدة الدقة، كما أن الرياض لن تعمل على تصعيد الأمور في اليمن التي من شأنها أن تؤدي إلى نزاع مفتوح.

في هذا الصدد، دعا وزير الشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش جميع الأطراف إلى هدنة. وفي تغريدة له على تويتر صرح قائلا "لا يمكن للتصعيد أن يكون حلا مقبولا". وقد كانت ردود فعل بقية أطراف التحالف العربي متفقة مع وجهة النظر الإماراتية. كما دعت الرياض جميع الأطراف المتدخلة إلى التعاون مع حكومة هادي من أجل تجاوز هذه الفترة الحرجة.

في شأن ذي صلة، أعرب الممثلون الدبلوماسيون للأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في اليمن عن قلقهم إزاء الوضعية في اليمن. وعلى الساعة الحادية العشرة ليلا، أصدر الممثلون الخمسة بيانا يدعون فيه عدن إلى ضبط النفس. وتجدر الإشارة إلى أن السبب الرئيسي للتصعيد هو أن حل الأزمة اليمنية لا يزال غير ممكن. ويؤكد السفير الروسي على أنه حان الوقت للجلوس على طاولة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة والاتفاق على تسوية شاملة.

المصدر: كوميرسانت