في منتصف عام 2015، خفضت الصين قيمة عملتها المحلية، اليوان، 3 مرات خلال 3 أيام، وحينها قال مسؤولو بنك الشعب الصيني بأن هذا الهبوط هو آخر تخفيض سيعرفه اليوان، ولكن قبل أيام معدودة، صدمت الصين الأسواق بعدما خفضت قيمة اليوان مجددًا إلى أدنى مستوى يشهده العالم منذ الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، ولم تثر هذه الخطوة بحد ذاتها القلق والغضب بالقدر الذي أثاره تلميحها في الاستمرار على هذا النهج.

فلطالما ركز الكونغرس الأمريكي على مسألة التلاعب بالعملة وهو الاتهام الذي يوجهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باستمرار إلى الصين والاتحاد الأوروبي، بسبب تخفيض قيمة العملات المحلية لديهما، وفي ظل ذلك، ضمت وزارة الخزانة الأمريكية الصين إلى قائمة الدول التي تتلاعب بالعملة، وهي المرة الأولى التي تقوم فيها بذلك منذ عام 1994، مع العلم أن العديد من الدول اعتمدت سابقًا على هذه السياسة أيضًا مثل أذربيجان وباكستان وكازاخستان والهند وغيرها، ولكل منها أهداف مختلفة، فماذا يعني تخفيض العملة؟ وما الهدف منها؟ ولماذا تثير هذه الخطوة غضب بعض الحكومات؟

متى أصبحت الدول قادرة على خفض قيمة عملتها المحلية؟

عقب الحرب العالمية الثانية وتحديدًا عام 1944، تم عقد اتفاقية "بريتون وودز" وكان حجز الزاوية في هذا النظام ثبات أسعار صرف العملات وتحديد الدولار بسعر 35 دولارًا مقابل أونس من الذهب، ولكن بعد مرور عدة سنوات، خفضت الحكومة الأمريكية سعر صرف الدولار، بسبب ارتفاع قيمته، الأمر الذي خدم المُصنع الأجنبي ولكنه أذى المصنعين الأمريكيين، فكلما ارتفعت قيمة العملة المحلية، أصبح الاستيراد من دولة ذات عملة ضعيفة نسبيًا أقل ثمنًا وأكثر منطقية من تصنيعها وتصديرها في البلد.

ومع تفكك نظام "بريتون وودز" عام 1971 وتراجع أمريكا عن التزامها بتحويل الدولار المتداول حول العالم إلى الذهب وفقًا للسعر الذي حددته في البداية، تدهورت قيمة الدولار ولم يعد ثبات سعر صرف العملات الأخرى مقابل الدولار أمرًا سهلًا، ونتيجة لذلك، ظهر نظام التعويم الذي جعل سعر صرف العملات محررًا تمامًا من التدخلات الحكومية والمصارف المركزية، وإنما مرتبط بشكل مباشر بحركة الطلب والعرض.

وفي ظل القوانين الجديدة، شهدت العملات الدولية الكثير من المضاربات والقليل من التوازنات التجارية، فعلى سبيل المثال تعاني الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية والنامية من العجز التجاري، في المقابل تمتعت الصين وألمانيا واليابان لعقود طويلة بالفائض التجاري، ما يعني أن هذه السياسة لم ينتج عنها سوى التقلبات المستمرة لأسعار الصرف التي تخضع بشكل مباشر لمزاج وتحركات المضاربين العالميين الذين قد يكونون أفرادًا أو شركات أو حكومات.

لا يتم تداول اليوان الصيني بحرية في الأسواق، إذ تقوم الحكومة الصينية بتحديد سعره يوميًا، وتسمح له بالتحرك بشكل محدد ودون أن يتقلب أكثر من 2%، وذلك منذ 11 عامًا

وفي حالة الحديث عن تخفيض قيمة العملة (Devaluation)، فإن الحكومة تتخذ هذا القرار بشكل مباشر، بحيث تخفض سعر الصرف الرسمي لعملتها المحلية مقابل أي عملة دولية، سواء كانت دولارًا أم يورو. جدير بالذكر أن هذه السياسة مختلفة تمامًا عن انخفاض سعر الصرف (Depreciation) الخاضع لآلية الطلب والعرض، ما يعني أن الحكومة من تتحكم في التخفيض ويكون بملء إرادتها، أما الانخفاض فهو نتيجة تلقائية لحركة الطلب والعرض في السوق، ولا دخل للدولة في تحركاته.

على سبيل المثال، لا يتم تداول اليوان الصيني بحرية في الأسواق، إذ تحدد الحكومة الصينية سعره يوميًا، وتسمح له بالتحرك بشكل محدد ودون أن يتقلب أكثر من 2%، وذلك منذ 11 عامًا، ولكن مؤخرًا خرج عن هذا النطاق وتجاوز سعره 7 يوانات مقابل الدولار الأمريكي الواحد. يضاف إلى ذلك مثال آخر، وهي فنزويلا التي تعد واحدة من أبرز الدول التي خفضت علمتها المحلية، البوليفار، لمستويات قياسية ولأكثر من 5 مرات خلال سنوات معدودة.

لماذا تلجأ الحكومات لهذه السياسة؟

بصورة أساسية تتخذ الدول هذا القرار بهدف إعادة التوازن إلى الميزان التجاري والسيطرة على العجز التجاري أو تخفيفه، من خلال جعل أسعار السلع المستوردة أغلى بالنسبة للمقيمين في البلاد، مما سيؤدي تلقائيًا إلى تقليل الاعتماد عليها واستبدالها بالمنتجات الوطنية، الأمر الذي سيشجع الطلب والإقبال على المنتج المحلي وزيادة قدرته التنافسية، وبالتالي سيتراجع حجم الواردات وتتضاعف الصادرات وتنشط حركة النمو الاقتصادي، بما يكفي لسد العجز التجاري وإبقائه في وضع متوازن. وفي حالات أخرى، قد تعتمد بعض الدول على هذه الآلية من أجل تحفيز المنتج المحلي والحد من البطالة ورفع نسبة النمو الاقتصادي.

أثبتت تجارب الدول النامية أن العلاقة بين تخفيض قيمة العملة والحد من العجز التجاري وتحفيز الاقتصاد الوطني ليست علاقة آلية ولا نتيجة طبيعية لسياسة التخفيض، وإنما تعتمد على  قدرة الإنتاج الوطني على تصنيع سلع بجودة مشابهة أو منافسة لجودة وأسعار السلع المستوردة

جدير بالذكر أن الميزان التجاري المتوازن هو الفرق بين قيمة واردات وصادرات البلد، فإذا كانت الصادرات أقل من الواردات يعني أن اقتصادها يعاني من حالة عجز، وإن كان العكس فيعني أننا نشهد فائضًا تجاريًا، أما إذا تساوى حجم الصادرات مع الوردات يعني أن الميزان التجاري متوازن، وهو مؤشر مهم في قياس صحة الاقتصاد وقدرته التنافسية العالمية أو الإقليمية.

ورغم إيجابيات هذه السياسة، فإنها لم تخل من المخاطر والتحديات، فلقد أثبتت تجارب الدول النامية أن العلاقة بين تخفيض قيمة العملة والحد من العجز التجاري وتحفيز الاقتصاد الوطني ليست علاقة آلية ولا نتيجة طبيعية لسياسة التخفيض، وإنما تعتمد على عوامل مهمة، منها قدرة الإنتاج الوطني على تصنيع سلع بجودة مشابهة أو منافسة لجودة وأسعار السلع المستوردة.

من المحتمل أن يضعف هذا الإجراء القدرة الشرائية للمستهلكين الصينيين في الوقت الذي تحتاج فيه بكين إلى تعزيز النمو الاقتصادي، وذلك عدا عن تشكيلها ضغط هائل على الشركات المحلية والأجنبية التي لديها ديون بالدولار الأمريكي

وفي بعض الحالات الأخرى يفشل اقتصاد الدولة في التكيف مع هذه السياسة، مثلما حدث سابقًا مع المكسيك والأرجنتين، بسبب بعض التأثيرات العكسية مثل التضخم الذي نتج عن ارتفاع أسعار المواد الأولية المستوردة والمستخدمة في عملية الإنتاج مثل الآلات التكنولوجية ومصادر الطاقة، ما انعكس تلقائيًا على أسعار المنتجات النهائية، وبالتالي قل الطلب عليها وأدى إلى تراجع حجم المبيعات ثم الإنتاج والاستثمار، ما يعني أن عجلة الاقتصاد توقفت ودخلت في مرحلة ركود.

في هذا الخصوص، ينذر المراقبون من احتمالية تكرار هذا السيناريو مع الصين التي تجهد اقتصادها المتباطئ أصلًا بهذه السياسة وتدفع المستثمرين والأثرياء الصينيين إلى البحث عن وجهة أخرى أكثر استقرارًا وأمانًا، فلا أحد يريد الاحتفاظ باستثمارات في بلد تفقد قيمة عملتها. إلى جانب ذلك، يرون أنه من المحتمل أن يضعف هذا الإجراء القدرة الشرائية للمستهلكين الصينيين في الوقت الذي تحتاج فيه بكين إلى تعزيز النمو الاقتصادي، وذلك عدا عن تشكيلها ضغطًا هائلاً على الشركات المحلية والأجنبية التي لديها ديون بالدولار الأمريكي.

كما يعتقد المحللون أن هذه الخطوة جاءت بدافع الانتقام من سياسات الرئيس ترامب والعقوبات التي فرضها على الواردات الصينية، ما يشير إلى وجود مرحلة جديدة في الحرب التجارية بين البلدين التي قد تتمثل في مضاعفة إدارة ترامب للرسوم الجمركية إلى أن يتم الضغط على بكين للتوصل إلى اتفاق تجاري بشروط أمريكية.

فلقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل تعريفات على السلع الصينية بقيمة 250 مليار دولار، وفرضت قيودًا أكثر صرامة على الاستثمار الصيني، وحظرت بعض الشركات الصينية من التعامل مع الشركات الأمريكية وبدأت في تقييد تأشيرات دخول بعض طلاب الدراسات العليا في مجالات البحوث الحساسة مثل الروبوتات والطيران.

المثير للقلق بالفعل أن تخفيض عملة الصين لن يضرها وحدها، فبحسب التقارير المتوافرة، أفاد المهتمون في هذا الشأن أن بلدان شرق وجنوب شرق آسيا التي تتنافس في صناعات مماثلة قد تواجه ضغوط السوق لتخفيض قيمة عملاتها، ما قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم وانخفاض القدرة الشرائية وتدفق الأموال عبر الحدود إلى الخارج، ما يمكن أن يتحول بسهولة إلى أزمة مالية حادة وتراجع اقتصادي عالمي كبير.