يسدل السودانيون اليوم الستار على الماراثون الأطول في تاريخ بلادهم الحديث، حين يوقعون على الاتفاق التاريخي الذي تم التوصل إليه بين المجلس العسكري الانتقالي الحاكم وقوى الحرية والتغيير، بهدف الانتقال إلى الحكم المدني بعد ثلاثة عقود كاملة من حكم الرئيس الواحد والسلطة العسكرية.

الاتفاق النهائي المزمع توقيعه، اليوم السبت 17 من أغسطس/آب، من المتوقع أن يضم إعلانين: سياسي ودستوري، يمهدان لتشكيل حكومة انتقالية تدير البلاد لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، إضافة إلى مجلس للسيادة، وباقي مكونات الحكم.

خطوة تأتي بعد أربعة أشهر تقريبًا من المفاوضات الشاقة، منذ الإطاحة بالرئيس عمر البشير في 11 من أبريل/نيسان الماضي، تخللتها أوقات عصيبة جمدت المسار التفاوضي لبعض الوقت، وكادت أن تنسف أي تحرك من شأنه تهدئة الأجواء المشتعلة في الشارع منذ الـ19 من ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ورغم العديد من القنابل الموقوتة التي تحيط بجانبي الطريق نحو الديمقراطية والانتقال لدولة مدنية، فإن الأجواء الاحتفالية تخيم على البلاد التي تستقبل هذا التحرك بموجة من الاحتفالات التي تعم أرجاء الدولة في الوقت الذي من المقرر أن يشارك في مراسم التوقيع العديد من قادة وزعماء وممثلي بعض الدول ليكونوا شهودًا على هذا الحدث التاريخي كما يصفه مسؤولو الطرفين الموقعين على الاتفاق.

صفحة جديدة

وفق الجدول الزمني للإعلان الدستوري الموقع في 17 من يوليو/تموز الماضي فإن أجل المجلس الانتقالي ينتهي بحلول صبيحة الـ18 من أغسطس/آب الحاليّ، ليحل محله مجلس السيادة المتفق عليه والمقرر أن يضم عسكريين ومدنيين.

وفي الـ19 من الشهر سيؤدي أعضاء المجلس برئاسة عبد الفتاح البرهان اليمين أمام رئيس القضاء المعين من قوى الحراك، على أن يعقد الاجتماع الأول في ذات اليوم، فيما يؤدي رئيس الوزراء المقترح تعيينه من السيادي اليمين في اليوم التالي، أمام المجلس ورئيس القضاء.

كما سيختار رئيس الوزراء أعضاء حكومته العشرين، ليعتمدهم مجلس السيادة رسميًا يوم الـ30 من ذات الشهر ويؤدون اليمين في اليوم التالي مباشرة، ويعقد في ذات اليوم أول اجتماع لمجلس الوزراء، وذلك يوم الـ28 من الشهر الحاليّ.

من الأمور التي أثارت التساؤل امتناع قادة بعض الدول الحليفة للمجلس العسكري عن الحضور، التي فتحت أبوابها لاستقبال قادته بداية الإطاحة بالبشير وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات

ويبدأ السطر الأول عمليًا من الصفحة الجديدة في تاريخ السودان الحديث مطلع سبتمبر/أيلول المقبل حين ينعقد أول اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء، وهو الاجتماع الذي من المحتمل أن يضع الخطوط العريضة للشكل الذي ستكون عليه الدولة في مرحلتها الانتقالية.

جدير بالذكر أن المجلس العسكري وممثلي المعارضة قد توصلا إلى تفاهمات بشأن النقاط الخلافية التي عرقلت الاتفاق طيلة الفترة الماضية، حيث تم الاتفاق على أن يتقاسم الطرفان السلطة لمدة 39 شهرًا، تتولى شخصية عسكرية رئاسة مجلس السيادة لمدة 21 شهرًا، ثم تترأسه شخصية مدنية لمدة الـ18 شهرًا الباقية.

فيما احتكر الجيش صلاحية اختيار وزيري الدفاع والداخلية وهي النقطة التي أثارت حفيظة بعض القوى المحسوبة على المعارضة، بجانب نقاط أخرى عدة، كان للوسيط الإفريقي دور محوري في إنهاء معظمها، وإن لم ينجح في الحصول على المباركة الكاملة لكل القوى والتيارات السياسية الأخرى، على رأسها الحركات المسلحة، التي ربما تمثل خنجرًا في ظهر الاتفاق.

الاحتفالات تعم شوارع السودان بتوقيع الاتفاق

أجواء احتفالية ومشاركة عربية ضعيفة

أجواء احتقالية تخيم على المشهد السوداني برمته، حيث أنهت العديد من التيارات والقوى المدنية والسياسية على حد سواء استعداداتها لحضور مراسم التوقيع عبر مسيرات احتفالية كرنفالية غير مسبوقة، تعكس حجم الفرح والسعادة من الوصول إلى هذه المرحلة بعد مشوار طويل من المفاوضات الصعبة.

وفي الوقت ذاته كثفت اللجنة الفنية المشتركة من طرفي الاتفاق من جهودها لإخراج حفل التوقيع على أكمل وجه، خاصة بعد تأكد حضور عدد من القيادات الإفريقية على رأسها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ورئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت مع وفد رفيع من مسؤولي حكومته، علاوة على نظيره الكيني أور كينياتا، والتشادي إدريس ديبي بجانب رئيس إفريقيا الوسطى، هذا بجانب وصول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى مطار الخرطوم في وقت سابق للمشاركة في احتفال التوقيع.

ومن الأمور التي أثارت التساؤل امتناع قادة بعض الدول الحليفة للمجلس العسكري عن الحضور، التي فتحت أبوابها لاستقبال قادته بداية الإطاحة بالبشير وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات، حيث تم الإعلان رسميًا عن حضور وزير الدولة بالخارجية السعودية عادل الجبير ونظيره الإماراتي أنور قرقاش، بجانب وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ووزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يوسف العثيمين، ووفد من البرلمان العربي والجامعة العربية.

وفي الوقت ذاته وصلت دعوة إلى الحكومة القطرية التي تجري مشاورات لتحديد وفدها المشارك، بحسب "الجزيرة" ليبقى التمثيل العربي على مستوى الزعماء والرؤساء منخفضًا، خاصة مع غياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي يرأس الدورة الحاليّة للاتحاد الإفريقي.

وفي تطور اعتبره البعض مفاجئًا قررت الحركة الشعبية - قطاع الشمال بقيادة مالك عقار- إرسال وفد رفيع من قادتها للمشاركة في حفل التوقيع، رغم إعلان الجبهة الثورية - التي تنضوي حركة عقار تحتها - مقاطعة المشاركة بسبب عدم التوصل إلى تفاهمات معها فيما يخص ملف السلام.

عدم استحواذ الاتفاق على موافقة كل تلك القوى والتيارات، السياسية والمسلحة، لاشك أنه سيكون نقطة ضعف تهدد مستقبله في أي وقت

تحديات وصعوبات

لن ينتهي الأمر بتوقيع الاتفاق النهائي كما يتوقع البعض، إذ إن الطريق نحو مدنية الدولة وديمقراطية مؤسساتها ملغمًا بالعديد من التحديات والعراقيل التي تجعل من تقييم هذه الخطوة أمرًا سابقًا لأوانه، في انتظار مدى قدرة الطرفين على تجاوز تلك العقبات والتعاطي معها بما لا يجهض هذا الحراك.

وجود العديد من العناصر التي ترغب في إفشال الاتفاق وعرقلة أي تحرك يطوي صفحة الماضي على رأس تلك التحديات وفق ما ذكرت أميرة ناصر، الكاتبة الصحفية المتخصصة في الشأن السوداني، التي أوضحت أن تفاصيل عملية التفاوض كشفت العديد من الوجوه التي يقلقها التوصل إلى اتفاق نهائي على رأسها فلول النظام السابق وبعض الجماعات الدينية.

ناصر في تصريحاتها لـ"نون بوست" أشارت إلى أن هناك بعض القوى المنضوية تحت لواء الحرية والتغيير ما زالت حتى كتابة هذه السطور تتمسك بالتصعيد الثوري، رافضة وبشكل كبير معظم ما جاء في الاتفاق، على رأسها الحزب الشيوعي وبعض الجماعات المسلحة التي طلبت التمهل قبل الموافقة على الإعلان الدستوري الموقع يوليو الماضي.

الكاتبة المتخصصة في الشأن السوداني ألمحت إلى أن عدم استحواذ الاتفاق على موافقة كل تلك القوى والتيارات، السياسية والمسلحة، لا شك أنه سيكون نقطة ضعف تهدد مستقبله في أي وقت، خاصة حال تجاوز العسكريين الممثلين في المجلس السيادي لسلطاتهم وهو التخوف الذي أقلق الكثيرين بداية الأمر.

ثم تأتي الأوضاع الاقتصادية المتردية التي كانت سببًا رئيسيًا في إشعال فتيل الثورة ضد البشير كواحدة من أبرز التحديات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، ومن ثم وقع الاختيار على شخصية اقتصادية بحتة لرئاسة الحكومة خلال هذه الفترة، فكان عبد الله حمدوك هو الرهان.

عبدالله حمدوك، المرشح لرئاسة الوزراء في الحكومة المقبلة

حمدوك.. رئيس الحكومة المرشح

قبل سبتمبر/أيلول الماضي قلما كان يتردد اسم حمدوك على الساحة السياسية السودانية، فالرجل كان معروفًا فقط بخبرته الاقتصادية الكبيرة، غير أن رفضه منصب وزير مالية في حكومة معتز موسى، إبان عهد البشير، كان بوابة الدخول نحو الشهرة وتسليط الأضواء عليه.

بات الرجل المرشح لتولي رئاسة الوزراء في الحكومة الانتقالية المقبلة والمقرر لها وفق الاتفاق 3 سنوات و3 أشهر، وذلك بعد الاستقرار على اسمه من معظم قوى إعلان الحرية والتغيير، وقد تم إبلاغه في الخارج وهو في طريق العودة للبلاد لمباشرة منصبه الجديد وفق ما تناولت بعض وسائل الإعلام.

يتمتع حمدوك الحاصل على بكالوريوس الشرف من جامعة الخرطوم، وعلى ماجستير ودكتوراه في علم الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية بجامعة مانشستر في بريطانيا، بسجل حافل من الخبرات الاقتصادية، حيث عمل في أكثر من كيان اقتصادي، محلي وإقليمي ودولي.

الكثير اعتبر ترشيح حمدوك اختيارًا موفقًا ومدعاة للتفاؤل، باعتباره سيكون قطيعة بين ماضي نظام البشير والنظام المدني الديمقراطي الجديد

عمل المرشح لرئاسة الوزراء خبيرًا اقتصاديًا وخبيرًا في مجال إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد وإدارة الأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية، بدايته المهنية كانت عام 1981 حين التحق بالعمل في وزارة المالية السودانية وظل فيها حتى 1987، وابتعث بعدها إلى بريطانيا لنيل الماجستير.

وفي 1995 التحق حمدوك بشركة مستشارين خاصة في زيمبابوي، ومن ثم عمل مستشارًا في منظمة العمل الدولية في ذات البلد حتى العام 1997، بعد ذلك التحق ببنك التنمية الإفريقي في ساحل العاج، ليبقى هناك قرابة 4 سنوات، قبل أن ينضمّ للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في عدة مواقع حتى أصبحَ نائبًا للأمين التنفيذي.

بعض المصادر تشير إلى أنه فُصل من العمل بعد انقلاب عمر البشير عام 1989، ضمن حملة قادها نظام الأخير سميت بسياسة التمكين، حيث فصل عشرات الآلاف من وظائفهم تحت مسمى "الإحالة للصالح العام"، ورغم ما أثير بشأن هذه الخطوة، فإنها كانت بداية تعارف الشارع السوداني به.

في الفترة من 2003 وحتى 2008 عم في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (مؤسسة حكومية دولية مقرها ستوكهولم)، ثمّ شغل في وقتٍ لاحقٍ منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا منذ عام 2011، وبحلول عام 2016 عُيّن من الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، قائمًا بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأممية ذاتها.

الكثير اعتبر ترشيح حمدوك اختيارًا موفقًا ومدعاة للتفاؤل، باعتباره سيكون قطيعة بين ماضي نظام البشير والنظام المدني الديمقراطي الجديد، هذا بخلاف ما تبعثه خلفيته الأممية الاقتصادية من رسائل إيجابية بشأن قدرته على إحداث الفارق وتحول السودان من نمط الاستهلاك إلى الإنتاج.

وفي الجهة المقابلة، يراه البعض اختيارًا ليس في محله، باعتباره غير ملامس للواقع السوداني بحكم وجوده خلال السنوات الأخيرة خارج البلاد لمدة تجاوز الـ30 عامًا، وهي الانتقادات التي رد عليها آخرون بأن الرجل لن يكون بمفرده، إذ سيحاط به فرق عمل متعددة قادرة على نقل الصورة كاملة وإقحامه في تفاصيل المشهد في أقرب وقت ممكن.

وبصرف النظر عن موقف الفريقين من مسألة الاختيار، فإن هناك حزمة من الملفات الحساسة التي ستكون بمثابة بالونة اختبار لتقييم حمدوك كرئيس للوزراء، على رأسها الإصلاح الاقتصادي بالبلاد وانتشالها من مأزقها القابعة فيه سنوات، فضلاً عن محاسبة الفاسدين في النظام السابق وتقديمهم للمحاكمة.

هذا بخلاف الجانب التشريعي المتعلق بإعادة النظر في حزمة القوانين والتشريعات المعمول بها حاليًّا، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة فضلاً عن السعي لرفع اسم البلاد من قائمة الإرهاب الأمريكي المدرجة عليها منذ عام 1993، إضافة إلى ملامح السياسة الخارجية المتبناة خلال الفترة المقبلة التي ستحدد خريطة التحالفات والتوجهات التي ستلعب دورًا محوريًا في تحديد هوية الدولة السودانية السنوات القادمة.