عاد وزير الدفاع الجزائري الأسبق خالد نزار إلى واجهة الأحداث في الأيام الأخيرة بإعلان آرائه الرافضة لمواقف قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح التي وصلت حتى دعوة الجيش للتمرد ضده، وكذا إعادة بعث محاكمته في سويسرا بتهم ارتكاب جرائم إبان تسعينيات القرن الماضي خلال عشرية العنف التي عاشتها البلاد، فماذا تخفي شخصية هذا الرجل الذي لا يزال يشغل الداخل والخارج حتى اليوم؟

ظل اسم خالد نزار راسخًا في مخيلة الجزائريين بالنظر إلى أنه كان من أبرز القادة العسكريين الذي أعطى في يناير 1992 أوامر بوقف المسار الانتخابي الذي فاز فيه الإسلاميون، بعد نحو 4 سنوات مما سمي وقتها "ربيع جزائري" الذي انطلق في 5 من أكتوبر/تشرين الأول 1988.

ينتمي خالد نزال إلى من يسمون "جنرالات فرنسا" وهم المجاهدون الذين تكونوا في الجيش الفرنسي وكانوا أعضاءً في صفوفه قبل أن يتمردوا عليه ويلتحقوا بالثورة

ماضٍ مشبوه

رغم أنه يحوز بطاقة مجاهد التي تمنح فقط للجزائريين الذين شاركوا في الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي، وهي البطاقة التي تعطي ميزات سياسية ووظيفية لحاملها كإلزامية الحصول عليها لمن يترشح للرئاسيات ومولود قبل 1942، إلا أن مشاركة خالد نزار المولود في ديسمبر/كانون الأول 1937 بولاية باتنة في ثورة التحرير ظلت إلى اليوم محل تشكيك واستفهام من العديد من الجزائريين.

ينتمي خالد نزال إلى من يسمون "جنرالات فرنسا" وهم المجاهدون الذين تكونوا في الجيش الفرنسي وكانوا أعضاءً في صفوفه قبل أن يتمردوا عليه ويلتحقوا بالثورة التحريرية ابتداءً من عام 1958، بعد 4 سنوات من انطلاق الثورة التحريرية الجزائرية في الفاتح نوفمبر/تشرين الثاني 1954، ومن أبرز القيادات المنتمين لهذه الفئة قائد المخابرات الأسبق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق القابع اليوم في السجن العسكري بالبليدة بتهمة محاولة المساس بتماسك الجيش.

وبعد التحاقه بجيش التحرير الوطني الجزائري، عمل نزار تحت قيادة الرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد، فكلف بالوجود في تونس ليدرب الثوار، حتى حصلت الجزائر على استقلالها عام 1962، وبعدها، ترقى من رتبة إلى أخرى، خاصة بعد أن استعان الرئيس الراحل هواري بومدين وسط السبعينيات بـ"جنرالات فرنسا"، وهي الاستعانة التي صنفت بأنها خطأ فادح في مسيرة الزعيم المحبوب لدى الجزائريين حتى اليوم.

عام 1992 قاد خالد نزار عملية وقف المسار الانتخابي الذي اعتبره البعض انقلابًا على الديمقراطية الفتية

وتمكن نزار عام 1982 من أن يصبح قائدًا للمنطقة العسكرية الخامسة بقسنطينة، ثم قائدًا للقوات البرية ونائبًا لرئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وذلك في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد الذي يبدو أنه اضطر لإعطاء بعض المسؤوليات لجنديه السابق، رغم عدم ثقته به، مثلما يقول عبد العزيز بوباكير كاتب مذكرات بن جديد.

أعطيت لنزار مهمة إخماد مظاهرات 5 من أكتوبر 1988 التي سقط فيها 500 جزائري على الأقل، لذلك يحمله البعض مسؤولية قتلهم كونه يتهم  بإعطاء أوامر بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين.

عام 1992 قاد خالد نزار عملية وقف المسار الانتخابي الذي اعتبره البعض انقلابًا على الديمقراطية الفتية بعد أن فاز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات، ما أجبر الرئيس بن جديد على الاستقالة لرفضه التفاف نزار وجماعته على نتائج صناديق الاقتراع حتى ولو فاز بها الإسلاميون.

وبعدها كان من أعضاء المجلس الأعلى للدولة الذي أتى بمحمد بوضياف رئيسًا للبلاد، لكن تم اغتياله قبل إنهاء عام من ولايته، في مشهد تبقى تثار بشأنه العديد من التساؤلات خاصة فيما تعلق بعلاقة خالد نزار بهذا الاغتيال.

علاقته بنظام بوتفليقة

لم يكن خالد نزار في البداية مقتنعًا بشخص عبد العزيز بوتفليقة رئيسًا لقيادة البلاد، إلا أنه رضي في 1994 رفقة القادة العسكريين الذين كانوا يحكمون البلاد وقتها بتقديم مقترح للرجل للعودة لرئاسة البلاد، إلا أن وزير الخارجية السابق رفض هذا العرض وانتظر حتى 1999 لقبوله، حتى لو كان نزار غير متحمس لذلك.

فقد كان ظاهرًا أن أبرز "جنرالات فرنسا" لا يحبذون قدوم بوتفليقة الذي كان يصفه بـ"الدمية المتخفية بعباءة هواري بومدين"، غير أن تقاطع المصالح سرعان ما جعلت بوتفليقة عند نزار عام 1999 "الرئيس الأقل سوءًا على مستقبل الجزائر".

لكن هذا الجفاء لم يدم طويلاً، لأن المصالح كانت أكبر من أي خلاف شخصي، فسمح نظام بوتفليقة لخالد نزار بالتوسع اقتصاديًا عبر نجله لطفي الذي أسس شركة مختصة في الإنترنت والاتصالات، وهو قطاع لا يحظى به في الجزائر إلا الخواص من المقربين.

هذا التزاوج بين الجنرال "المارق" كما يصفه خصومه ونظام بوتفليقة كان دافعًا للسعيد بوتفليقة للاتصال بنزار عقب انطلاق حراك 22 فبراير

وساهم نظام بوتفليقة أيضًا في إنقاذ خالد نزار من الملاحقة القضائية عن اتهامات تتعلق بممارسة التعذيب أو التغطية عليه خلال فترة توليه حقيبة وزارة الدفاع بين 1991 إلى 1993، ففي 2001 و2002 سعى القضاء الفرنسي إلى توقيفه، غير أنه استطاع مغادرتها مسرعًا بعد أن أرسل له بوتفليقة طائرة خاصة قبل القبض عليه.

لكن لم يكن له هذا الحظ من جديد في 2011، فقد استجوب لساعات بسويسرا بتهمة ارتكاب جرائم حرب، لكن تم إطلاق سراحه بعد تدخل من  نظام بوتفليقة الذي جند مجموعة من الشخصيات التي دعت للإفراج عنه، وتحويل قضيته زورًا إلى انشغال وطني.

هذا التزاوج بين الجنرال "المارق" كما يصفه خصومه ونظام بوتفليقة كان دافعًا للسعيد بوتفليقة (شقيق الرئيس السابق) للاتصال بنزار عقب انطلاق حراك 22 فبراير لتجربته في إجهاض مساعي الشعب نحو الحرية.

وبعد أن أعلن رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح عن الاجتماع السري الذي عقده السعيد بوتفليقة مع رئيس المخابرات السابقين الجنرال توفيق واللواء بشير طرطاق، سارع نزار إلى نشر رواية بشأن الاتصال الذي جرى بينه وبين شقيق الرئيس السابق.

وقال نزار إن السعيد استشاره بشأن إقالة قايد صالح وإعلان حالة الطوارئ في مواجهة الحراك الشعبي، مضيفًا "تمسك سعيد، بالسلطة، وهذا كان واضحًا من قيامه بمحاولات التفاف ومناورات ومخططات للحفاظ على وضع يده على شؤون البلاد"، واستدعت محكمة البليدة العسكرية بعدها نزار كشاهد في قضية الثلاثي السعيد بوتفليقة والجنرال توفيق وبشير طرطاق.

دعوة للتمرد

لكن التحقيقات مع الثلاثي المعتقل في السجن العسكري بالبليدة رفقة الأمين العام لحزب العمال لويزة حنون، أخافت خالد نزار من تحوله كشاهد إلى متهم، لذلك بدأ بحملة تغريدات ضد قائد الجيش أحمد قايد صالح، وأعاد بعث الموقع الإلكتروني "الجزائر باتريوتيك" الذي يملكه بعد أسبوع من إعلان توقفه.

وعاد الموقع بخط سياسي جديد أساسه سلسلة مقالات ضد قايد صالح تغيب فيها الموضوعية في غالب الأحيان، مع حملة دعم منقطعة النظير لوزير الدفاع الأسبق.

وبعد هذه التطورات، قرر خالد نزار السفر إلى إسبانيا رفقة نجله لطفي، ليعلن في تغريدة في 26 يوليو الماضي تراجعه عن الدخول إلى الجزائر، بسبب وجود مخطط لاعتقاله من طرف السلطات، لتصدر في 5 من أغسطس/آب مذكرة توقيف دولية ضده وابنه وضد صاحب شركة صيدلانية أيضًا بتهمة التآمر والمساس بالنظام العام، وهي تهم تعاقب عليها المادتان 77 و78 من قانون العقوبات والمادة 284 من قانون القضاء العسكري، وهي المواد التي تتضمن إدانات تتراوح بين 5 سنوات سجنًا نافذًا إلى الإعدام.

لكن صمت خالد نزار لم يدم طويلاً، فقد دعا منذ أسبوع عناصر الجيش الجزائري إلى التمرد على القيادة الحاليّة للجيش دون أن يسمي أحمد قايد صالح بالاسم، وقال نزار الذي فضل التحدث بالعربية رغم تكوينه الفرنسي: "اليوم أقحمتم رغمًا عنكم رفاقي الأعزاء في الصعيد السياسي والعسكري ولا يجب أن يتمخض تاريخيًا عن ألم وإذا كان هذا سيحدث فسيكون ألمًا زائدًا، وإذا استمر الانسداد الحاليّ وبلغ مداه فسيفرض علينا ذلك لا محالة، إنني أناشدكم لننقذ بلدنا طالما أنه لا يزال هناك وقت، ولنضع الرجل المناسب في المكان المناسب".

وإن كان تسليم إسبانيا التي فضلها نزار مكانًا لفراره من العدالة قد يتطلب جولات من المفاوضات رغم وجود اتفاقات قضائية بين الجزائر ومدريد تتعلق بتسليم المطلوبين من طرف العدالة، فإن ملاحقة الجنرال المتقاعد المدمن على تدخين "السيجارة" ومص "الحلوى" قد يجد نفسه مكبل اليدين مرحلاً نحو سويسرا بعد فتح القضاء هناك دعوة تقدمت بها منظمة حقوقية تتعلق باتهامه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الجزائر.