من الواضح أن الحديث عن التحرش الجنسي بات متداولًا كثيًرا في السنوات الأخيرة، خاصة في عالم الإنترنت والسوشيال ميديا. وجميعنا نعلم أنه ليس موجهًا إلى فئةٍ معينة دون غيرها، فقد يحدث التحرش بالنساء أو الرجال أو الأطفال، الأمر الذي يحتم علينا توعية أطفالنا من سن مبكرة جدًا ضد التحرش وأساليبه ومظاهره، لحمايتهم منه من جهة ومساعدتهم على تخطيه وتجاوز أعراضه حال حدوثه من جهةٍ ثانية.

وعلى الرغم من أننا لا نستطيع الإتيان بإحصاءات دقيقة ومحددة عن عالمنا ومجتمعاتنا العربية، فإننا نستطيع اللجوء إلى بعض الأرقام العالمية المتعلقة بالأمر، فتُشير إحداها إلى أن معدلات التحرش بالأطفال قد تصل إلى نسبة 18% بين الفتيات و8% بين الذكور، فيما تشير الأكاديمية الأمريكية لاضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية "PTSD" إلى أن 30% من الأطفال الذكور يتم التحرش بهم بطريقةٍ أو بأخرى، فيما تصل النسبة إلى أكثر من 40% بين الإناث، وهي أرقامٌ كبيرة تستدعي منا القلق والخوف حيالها، لا سيما أنها لا تفصح عن جميع الحالات التي يبقى أغلبها طي الصمت والتجاهل إما لعدم إفصاح الطفل عنها أو لعدم قيام والديه بالتبليغ عنها.

ما الذي يمنع الطفل من التحدث؟

هناك العديد من الأسباب التي تمنع الطفل من التحدث وإخبار من حوله عن تعرضه للتحرش أو الاعتداء الجنسي، قد يكون أهمها شعوره بالخوف والعجز والارتباك مما يحدث معه، خاصة أن معظم حالات التحرش يقوم بها أشخاص مقربون من دائرة الطفل الاجتماعية، كأحد أفراد الأسرة أو الجيران أو أصدقاء العائلة أو معلميه في المدرسة ممن يلجأون للعديد من الحيَل لمنع الطفل من التحدث والإفصاح.

لحسن الحظ، لا يتطلب الأمر جهدًا كبيرًا لتوعية طفلك ضد التحرش وإمكانية تعرضه له وتوعيته لكيفية التعامل معه حال حدوثه

اللغة هي الأداة الرئيسية التي يستغلها المتحرش جنسيًا بالأطفال، فهو يحتاج بدايةً لأن يستميل الطفل بهدف بناء نوعٍ من الثقة معه قبل أن يتأكد من إمكانية عزله عمن حوله وتقليل فرص حديثه معهم عما يجري معه. ومن هنا، يعلم الجاني أن الإقناع وبناء الثقة يعملان بفعالية أكبر لتحقيق أهدافه بدلًا من وسائل الإكراه والإجبار، فقد يقنع الطفل بأن ما يحدث بينهما أمر طبيعي، أو أنه "سرهما الخاص والجميل" على سبيل المثال.

وبكلماتٍ أخرى، يعمل الجاني على حياكة شبكة من الخداع تهدف إلى عزل الطفل نفسيًا عمن حوله لضمان حماية نفسه، فيستخدم الكلمات والمديح والهدايا، فالسرية أمرٌ أساسي لنجاح تقنيات الاستمالة هذه ولها تأثيرات قوية على الطفل خاصةً أن الضحية يكون في كثيرٍ من الحالات أصغر من أن يعرف كيف يعبر عن نفسه وعن شعور الذنب والخجل والخوف والعجز الذاتي الذي يلازمه جراء التحرش، ومع الوقت، تنعدم ثقة الطفل في نفسه وفي البالغين الآخرين من حوله ما يصعب فعليًا من كسره لحاجز الصمت والإفصاح عن الجريمة التي يتعرض لها.

كيف توعي طفلك ضد التحرش؟

لحسن الحظ، لا يتطلب الأمر جهدًا كبيرًا لتوعية طفلك ضد التحرش وإمكانية تعرضه له وتوعيته لكيفية التعامل معه حال حدوثه، ومن معرفتنا بأن مثل هذا النوع من الجرائم البشعة يعتمد أساسًا على الصمت والسرية، فإننا نحتاج دائمًا إلى توفير جو عائلي واجتماعي يساعد الطفل على البوح والكلام دون خوف أو قلق مما سيقوله وما سيخبر به والديه.

يبدأ الأمر بمجرد خلق حوارات يومية مع الطفل لمعرفة أحواله وتشجيعه على الحديث دون قيودٍ تحكمه أو مخاوف تمنعه عن أي سلوكيات مربكة ومؤذية قد يتعرض لها.

توعيتك لطفلك بشأن جسده وأعضائه منذ سنٍ مبكرة جدًا يساعده لاحقًا في التعبير عن نفسه بشكلٍ جيد حال حدوث موقفٍ مربكٍ معه

لكن قبل كل شيء، ثمة حاجة لتوعية الطفل بشأن خصوصية جسده، ولدًا كان أم بنتًا، ولحساسية الموضوع وصعوبة استيعاب الطفل له، يقترح خبراء التربية بأن يبدأ هذا النوع من التوعية في عمر العامين، كأن تُخبر طفلك عن جسده وأجزائه ووظائف كلٍ منها لتصل إلى نقطة أن هناك أماكن معينة في جسده لا ينبغي أن يراها أو يلمسها أو يصورها أحد من حوله.

عوضًا عن أن توعيتك لطفلك بشأن جسده وأعضائه منذ سنٍ مبكرة جدًا يساعده لاحقًا في التعبير عن نفسه بشكلٍ جيد حال حدوث موقفٍ مربكٍ معه، ولا حاجة للف والدوران بشأن أسماء الأعضاء الجنسية أو الخجل من الحديث عنها مع طفلك، فالتسمية الصحيحة تساعد الطفل على تقبل جسده وتغيراته ونموه مع الوقت تمامًا كما تساعده على الحديث دون الشعور بالخجل أو العار عن أي مشكلة تحرش.

يتحدث الكثير من خبراء التربية أيضًا عن اللمسة الجيدة واللمسة السيئة أو اللمسة الآمنة واللمسة غير الآمنة، فحاول بالكلمات المناسبة لعمره تعليمه الفرق بين اللمستين. فعلى سبيل المثال، أخبره أن أمه أو أباه يستطيعان مساعدته في الحمام مثلًا أو في تبديل ملابسه، وأن الطبيب يستطيع لمسه لفحصه في حضور والديه وأن جدته تستطيع عناقه، ثم بين له أن اللمسات غير الآمنة هي تلك التي قد تستدعي لمس أعضائه الجنسية أو تتطلب منه كشف جسده بعيدًا عن أعين الناس.

تتعرض الفتيات والنساء للتحرش والاعتداء الجنسي أكثر من الأولاد والرجال

ولا يجب أنْ ننسى أن للتحرش أشكالًا كثيرة غير أن يقوم المتحرش بلمس أعضاء الطفل أو كشفها، فقد يُجبر المتحرش الطفلَ على لمس أعضائه الخاصة أو أعضاء أحدٍ آخر أو التلصص على الطفل وتصوير جسده أو التحديق في جسده أو التلفظ بألفاظ فاضحة أو تعريض الطفل لأفلام وصور إباحية، وهناك أيضًا التحرش الإلكتروني سواء بالرسائل النصية أم غيرها.

القوالب النمطية للذكورية

تتعرض الفتيات والنساء للتحرش والاعتداء الجنسي أكثر من الأولاد والرجال. هذا صحيح، وربما هذا هو السبب الذي يجعلنا نعرف أكثر عن حالات التحرش بالفتيات دون الفتيان، ومن جهةٍ ثانية، فنادرًا ما يقوم الأولاد بالتبليغ عن حالات التحرش التي تحدث معهم إما لشعورهم بالحرَج والعار أو نتيجةً للثقافة المجتمعية التي تزرع في الفتيان فكرة كتم مشاعرهم وعواطفهم وعدم الإفصاح عنها ما يزيد من صعوبة إخبار الطفل عن أي حادثة تحرش تحدث معه.

غالبًا ما يُظهر الطفل الذكر الذي يتعرض للتحرش بعض العلامات التي يمكن للوالدين تمييزها، كالانسحاب الاجتماعي والقلق واللجوء للصمت والامتناع عن الحديث واللعب وفقدان الشهية وغيرها. تشير بعض الدراسات إلى أن الأولاد أو الرجال الذين يتعرضون للتحرش أو الاعتداء الجنسي يظهرون ميلًا أكبر لسلوكيات خارجية مثل العدوانية والغضب والإفراط في المخاطرة، في حين أن الفتيات والنساء فعادةً ما تتمحور الأعراض عندهن على المشاعر الداخلية مثل الشعور بالذنب والاكتئاب وفقدان الثقة بالآخرين وغيرها.

هناك العديد من الأسباب التي تقف عائقًا أمام الرجل للتحدث عن مشكلته، إما لوصمة العار المرتبطة بالاعتداء الجنسي والخضوع لسلطة وتهديد المتحرش أو الخوف من نظرات مَن حوله واختلاف معاملتهم له

وعادةً ما يكشف الرجال عن تعرضهم للتحرش أو الاعتداء الجنسي في مرحلة الطفولة في وقتٍ متأخر مقارنة مع النساء، فمتوسط الفارق الزمني للإفصاح بين الجنسين يصل إلى عشر سنوات، ما يزيد من احتمالية استمرار تلك الأعراض في المراحل العمرية اللاحقة فتنعكس على العلاقات العاطفية والجنسية أو قد تؤدي إلى سلوكيات خطرة مثل الإدمان أو محاولة الانتحار، وهذه جميعها أعراض معقدة للصدمة الناتجة عن التحرش في الطفولة.

هناك العديد من الأسباب التي تقف عائقًا أمام الرجل للتحدث عن مشكلته، إما لوصمة العار المرتبطة بالاعتداء الجنسي والخضوع لسلطة وتهديد المتحرش أو الخوف من نظرات مَن حوله واختلاف معاملتهم له، وهذا جميعه مرتبط بالقوالب النمطية للذكورية التي تستدعي من الرجل أنْ يكون قويًا وألا يظهر بمظهر الضعيف أو الضحية بأي شكلٍ من الأشكال.

وقد تؤدي تلك القوالب إلى تشكيك الرجل أو المراهق في هويته الجنسية لا سيما إن كان المعتدي أو المتحرش رجلًا، ما يزيد من صعوبة الإفصاح وكشف المشكلة، فقد يشعر بالقلق من أنه حال تعرض للتحرش فإن الناس سيعتقدون أنه مثلي الجنس أو منحرف، خاصة مع انتشار الفكرة الخاطئة بأن الصبي الذي يتعرض للاعتداء الجنسي في الطفولة فمن المحتمل أن يستمر في ارتكاب الاعتداء على غيره من الأطفال لاحقًا.

لذلك وكما أسلفنا سابقًا، على الوالدين البدء بتوعية الطفل مبكرًا عن جسمه وأعضائه الجنسية وعن الأسئلة المتعلقة بالجنس والتحرش بشكلٍ صريحٍ وواضح دون اللجوء للألغاز والكلمات الملتوية، عوضًا عن ذلك، يجب توعية طفلك عن مواضيع الذكورة والضعف وصورة الرجل وتعليمه الإفصاح عن مشاعره وطلب المساعدة منذ سنٍ صغيرةٍ جدًا حتى لا ينتهي به الأمر خائفًا من ذكورته وصورته أمام المجتمع حال تعرض لمشكلة تحرش في مرحلةٍ ما من طفولته.