مراسم توقيع الاتفاق في السودان

رغم غياب الهالة الإعلامية بداية الأمر، فإن السودانيين نجحوا في سحب البساط كلاعب مؤثر في المشهد الشرق أوسطي، وتقديم أنفسهم للعالم بثوب جديد، إثر توثيقهم لواحدة من أهم اللحظات التاريخية التي طال انتظارها، هذه الخطوة التي يتحول فيها السودان إلى الحكم المدني بعد عقود طويلة من الرضوخ تحت السيطرة العسكرية.

المكان: قاعة الصداقة المطلة على نهر النيل في قلب العاصمة الخرطوم.

الزمان: تمام الساعة الواحدة ظهر السبت (الثانية عشر بتوقيت جرينتش) الموافق الـ17 من أغسطس/آب.

الحدث: توقيع الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير.

بهذا الاتفاق ينهي الشعب السوداني فصلًا مريرًا من تاريخه الحديث، يطوي به صفحة دامت 30 عامًا من حكم الرئيس المعزول عمر البشير، و7 أشهر من الاحتجاجات الشعبية العارمة، و4 أشهر من المفاوضات بين العسكر والمعارضة، سقط فيها عشرات القتلى ومئات المصابين.

أجواء احتفالية وحضور كبير

وسط أجواء احتفالية زاهية ومشاعر مفعمة بالأمل وحضور إقليمي ودولي كبير ومشاركة جماهيرية واسعة، وقّع الطرفان الاتفاق التاريخي الذي يمهد الطريق نحو حكم مدني، ملقيًا وراءه سنوات عجاف من حكومة الإنقاذ التي أثقلت كاهل السودانيين بتركة عصية من الفساد والفشل، دفع الشعب ثمنها من دمائه وأرواحه وقوت يومه.

"فرح السودان" هكذا عنون السودانيون ليومهم الخالد، رافعين شعارات النصر والثورة والإصرار على المضي قدمًا في إعلاء شأن بلادهم وإعادتها إلى مكانتها الطبيعية التي فقدتها تباعًا جراء سياسات قدمت مصالح أصحابها وأجنداتهم الخاصة على مصلحة الوطن ومستقبل شعبه.

أجواء وصفها رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان بـ"يوم نصر أمتنا التاريخي"، مخاطبًا السودانيين بقوله: "قواتكم المسلحة ستبذل الغالي والنفيس من أجل حماية الشعب السوداني وتحقيق الانتقال إلى الحكم الديمقراطي"، مطالبًا بجعل هذا اليوم محطة لتجاوز مرارة الماضي، مؤكدًا "سلمية الشعب السوداني ستبقى محفوظة في وجدان العالم خلال هذه الثورة".

البرهان المرشح أن يكون رئيسًا للمجلس السيادي أضاف أن الشباب السوداني الذي كان وقود هذه الثورة مدعو للانتقال الآن للعطاء والبناء والإعمار، داعيًا لجعل استشهاد من قدموا نفوسهم في سبيل السودان منطلقًا لبناء الوطن وتحقيق التطلع، مشددًا في الوقت ذاته على أن القوات المسلحة أثبتت أنها شريك وجسر عبور للتغيير دون أن تفقد مهنيتها، وأنها عازمة على حماية إرادة الشعب لتحقيق الحرية والعدالة.

التمسك بروح الثورة أولًا

منذ الوهلة الأولى حرصت قوى الحرية والتغيير على تأكيد التمسك بهوية الثورة وروحها المجيدة التي تجسدت في دماء الشهداء التي سالت لإذكائها والوصول إلى هذه النقطة الفاصلة في تاريخ السودانيين، فالكلمات الأولى التي خرجت على لسان الدكتور ناجي الأصم ممثل قوى الحرية في كلمته التي ألقاها بمناسبة الاحتفال بمراسم توقيع الفترة الانتقالية، حملت رسالة واضحة على التمسك بهذه الروح.

الأصم استهل كلمته "بالترحم على أرواح الشهيدات والشهداء من شعبنا السوداني الكريم المناضل الذين بذلوا دماءهم بسخاء طوال ثلاثين عامًا من النضال الوطني ضد نظام الإنقاذ الدموي الفاسد، فبفضل هذه الدماء والتضحيات أصبح هذا اليوم واقعًا وأضحى هذا الجمع مُمكنًا في هذه المناسبة الوطنية العظيمة بعد أن كان في عداد الأحلام العصية على التحقق".

كما وجه "تحية خاصة لضحايا حروب نظام الإنقاذ ضد شعبنا من الشهداء والجرحى والنازحين واللاجئين وضحايا الاعتقال والتعذيب الممنهج"، لافتًا إلى أن "كل التضحيات التي قدمها هذا الشعب كانت غرسًا طيبًا نحصد ثماره اليوم وعدًا وأمنيات وطموحات مُستحقة"، هذا بخلاف رفقاء الثورة  شهداء مجزرة القيادة العامة.

الأمر ذاته شدد عليه الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، الذي أكد في كلمته ضرورة التمسك بروح الثورة التي قادها شباب السودان وحراستها حتى تحقق أهدافها في الوصول إلى دولة الشفافية والمشاركة وسيادة حكم القانون، داعيًا حكومة الفترة الانتقالية للعمل على تحقيق السلام والتحول الديمقراطي عبر الانتخابات، منوهًا إلى أن المرحلة المقبلة لفتح المشاركة لكل الناس للإسهام في بناء ونهضة الوطن.

المهدي حيا كذلك نضالات الشعب السوداني ممثلاً في الشباب والمرأة التي تقدمت الصفوف بقوة، مؤكدًا أن القوى المدنية التي قادت هذا التحول ستشارك في البناء، لافتًا إلى أن المرحلة القادمة ستضبطها شراكة مدنية عسكرية وصولاً للانتخابات الحرة النزيهة التي تعيد للوطن حريته.

أولويات المرحلة

حدد الأصم في كلمته أولويات المرحلة المقبلة استجابة لما تم الاتفاق عليه مع بقية القوى المنضوية تحت لوء الحرية والتغيير، حاثًا الشعب السوداني على أن "نطي معًا صفحات مزمنة من الدكتاتورية البغيضة في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، ونؤسس معًا ديمقراطية مستدامة في السودان".

ثم انتقل إلى ضرورة المكاشفة والمحاسبة من أجل تحقيق العدالة في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الضحايا والعائلات، مؤكدًا أن ذلك من أهم واجبات الحكومة وواجبات المؤسسات القضائية والعدلية والشرطية التي يجب أن تبنى مستقلة، لتُكلَّف رسميًا بإنجاز مهام الفترة الانتقالية.

كما أكد تمسك الحكومة بإجراء تحقيقٍ وطني وشفاف، عادل وموضوعي، في مجزرة القيادة العامة، وتابع "نؤكد أننا سنعمل حثيثًا حتى لا يفلت أي شخص ارتكب جريمةً ضد الشعب السوداني منذ الـ30 من يونيو 1989 من العقاب".

المرحلة الجديدة تضع على قائمة أولوياتها المشكلة الاقتصادية وهو ما أكده القيادي بالحرية والتغيير الذي أشار إلى أن القوى "تضع جُل اهتمامها في مشكلة الاقتصاد في بلادنا ورغم أن هناك أسبابًا موضوعية عدة تعترض هذا الطريق، حيث إن استشراء الفساد والمحسوبية والتغوُّل على المال العام والترهل الإداري والصرف البذخي على دواوين الحكومة وتحويل غالبية المصادر للقوى القمعية، تقف حجر عثرةٍ في طريق الإنعاش الاقتصادي وحل المشكلات التي تعاني منها القطاعات العظمى من شعبنا، إلا أننا نعتقد أنه في ظل الإرادة الثورية والروح الوطنية الجديدة، ستتوفر المصادر الاقتصادية والخبرات البشرية اللازمة للعبور نحو التقدم والنماء".

بات القرار السوداني في قبضة مصالح الطبقة الانتهازية الحاكمة، وأصبح السودانيون أسرى الوصاية الدولية حيث مسَّت هذه العقوبات السيادة الوطنية، مما يجعل مهمة إعادة البلاد إلى المجتمع الدولي وإزالة آثار الدمار الشامل مهمة عاجلة وأولوية

التماسك المجتمعي كان هو الآخر على أجندة أولويات المرحلة الانتقالية، في محاولة لمعالجة الخراب الذي أحدثه النظام السابق وطال مناحي الحياة كافة من عيش كريم وغذاء للأطفال وماء نظيف وصحة وتعليم، كما عمد إلى ضرب النسيج الاجتماعي بالتفريق بين المواطنين على أساس قبلي وجهوي وديني وعنصري، الأمر الذي لم يعهده السودانيون من قبل، وهذا يتطلب من الحكومة الانتقالية العمل جاهدة على رتق النسيج الاجتماعي ليتمكن السودانيون من العيش في سلام ووئام.

هذا بخلاف إنقاذ المرأة السودانية من القهر عبر القوانين القمعية التي شرعت لأجلها تحديدًا وتخصيص محاكم ونيابات وشرطة مهمتها إذلال النساء، ومن ثم تنحية كل أشكال التمييز ضد المرأة جانبًا، والعمل على كفالة حقوقها دستورًا وقانونًا وممارسة، وأضاف "نأمل أن نبدأ هذا العهد الجديد بالالتزام بنسبة الـ40% للمرأة كحدٍ أدنى من مقاعد المجلس التشريعي الانتقالي".

واختتم القيادي كلمته بضرورة إعادة النظر في تشكيل خريطة العلاقات الخارجية لبلاده، تلك المنظومة التي دمرها النظام السابق الذي رهن علاقات السودان الخارجية بمصالحه الخاصة، حتى بات القرار السوداني في قبضة مصالح الطبقة الانتهازية الحاكمة، وأصبح السودانيون أسرى الوصاية الدولية حيث مسَّت هذه العقوبات السيادة الوطنية، مما يجعل مهمة إعادة البلاد إلى المجتمع الدولي وإزالة آثار الدمار الشامل مهمة عاجلة وأولوية.

إنجاز تاريخي

جاءت ردود الفعل الإقليمية والدولية حيال الاتفاق الموقع كونه إنجازًا غير مسبوق، حيث اعتبره رئيس وزراء إثيوبيا أبى أحمد بداية مرحلة جديدة، مجددًا الالتزام بدعم السودان خلال المرحلة الانتقالية، مطالبًا في كلمته عقب التوقيع بضرورة التعاون ووحدة الصف في السودان، مشيرًا إلى أن  الطريق إلى الديمقراطية بدأ الآن.    

أما رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي فوصف الاتفاق بأنه "إنجاز تاريخي" وأكد أن مستقبل السودان رهين بمشاركة الجميع، منبهًا إلى أن التعقيدات في المشهد السوداني نتاج الموروث السياسي والتراكمات السلبية والتهميش والحروب، مشددًا على ضرورة إشاعة روح الانفتاح والمصالحة، والابتعاد عن التهميش والإقصاء لإتاحة الفرصة لكل السودانيين للإسهام في الحرية والديمقراطية والسلام والبناء الوطني.

اعتبر الرئيس الكيني أوهورو كينياتا أن التوقيع النهائي على وثائق الفترة الانتقالية يمهد الطريق لحلول مستقبلية لقضايا السودان

فيما أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (ممثلاً لرئيس الاتحاد الإفريقي) دعم القاهرة لآمال الشعب السوداني، مشيدًا بالجهود الإقليمية التي ساعدت في التوصل إلى اتفاق الفترة الانتقالية، موضحًا أن بلاده لن تدخر جهدًا في تقديم كل أشكال الدعم الممكن للسودان الشقيق خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك الدعم السياسي في المحافل الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، حتى يستعيد السودان مكانته المتميزة في القارة.

بدوره اعتبر الرئيس الكيني أوهورو كينياتا أن التوقيع النهائي على وثائق الفترة الانتقالية يمهد الطريق لحلول مستقبلية لقضايا السودان، مضيفًا أن الاحتفال بهذه المناسبة يمثل لحظة مجيدة في تاريخ السودان والانتقال من الصراع إلى الائتلاف، منوهًا في الوقت ذاته على تضامن بلاده مع السودان يدًا بيد.

هذا بينما أعرب الوسيط الإفريقي محمد الحسن ولد لبات عن التزام الاتحاد الإفريقي القوي بالعمل على تطبيق بنود الاتفاق، مؤكدًا توحد القارة الإفريقية وراء دعم الاتفاق، مشيرًا إلى أنه جاء نتيجة إرادة الشعب السوداني، وأن القارة باتت مصرة على الحفاظ على استقلال دولها، ولتعطي من خلال هذا الاتفاق درسًا للعالم في قدرتها على حل مشاكلها وأزماتها.

ممثل الاتحاد الأوروبي وزير خارجية فنلندا، بيكا هافيستو، أشاد بدوره بالشعب السوداني الذي نجح في إسماع صوته للعالم وتحقيق تحول ديمقراطي يؤسس لفترة السلام والمصالحة وتحقيق الاستقرار وإقامة حكومة مدنية، مطالبًا الفرقاء السياسيين بالحوار والاتفاق فيما بينهم، مشيرًا إلى أن الاتحاد الإفريقي يريد مناقشة القضايا الخلافية داخل السودان.

علاوة على ذلك فقد اعتبر الوسيط الإثيوبي محمود درير أن ما تم الاتفاق عليه كفيل بتأسيس مرحلة انتقالية آمنة تفضي إلى تحول ديمقراطي، مبينًا أن السودان يشهد مرحلة مفصلية في تاريخه السياسي، موضحًا أن شعار المرحلة القادمة ينبغي أن يكون المصالحة الوطنية بين كل أبناء الشعب السوداني وقال إن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإعفاءه من الديون الخارجية ستكون أولى الأولويات في المرحلة المقبلة.