سطر منتخب مصر للناشئين لكرة اليد واحدة من أنصع الصفحات بياضًا في تاريخ لعبة كرة اليد بتتويجه بطلاً لكأس العالم في البطولة التي أقيمت بمقدونيا، إثر تغلبه على المنتخب الألماني بنتيجة 32-28 في المباراة التي أقيمت مساء أمس، ليكسر بذلك احتكار المنتخبات الأوروبية لقب هذه المنافسة التي أقيمت نسختها الأولى في 2005.

تعد هذه المرة الأولى لمنتخب الفراعنة للناشئين التي يحصل خلالها على لقب البطولة، كما أنه اللقب العالمي الثاني لكرة اليد المصرية بعد حصول منتخب الشباب على اللقب عام 1993 حين أقيمت البطولة في القاهرة، ليصبح المنتخب المصري الأول عربيًا الحاصل على لقبين عالميين: للناشئين والشباب معًا.

يأتي هذا التتويج بعد ثلاثة أسابيع من حصول مصر على المركز الثالث في بطولة العالم للشباب التي أقيمت بإسبانيا، الأمر الذي ربما يعزز آمال الجماهير المصرية في الفوز ببطولة العالم للرجال المقرر أن تستضيفها القاهرة في يناير/كانون الثاني 2021.

أفراح عارمة عمت الشوارع المصرية ومنصات التواصل الاجتماعي بعد هذا الإنجاز الكبير الذي لمس فيه المصريون تعويضًا مرضيًا عن الفضيحة التي خرج بها منتخب كرة القدم من البطولة الإفريقية التي احتضنتها مصر في الفترة من 21 من يونيو - 19 من يوليو الماضي.

الطريق نحو التتويج

نجح المنتخب المصري في إحكام السيطرة على مقاليد المباراة النهائية منذ بداية الدقائق الأولى رغم ما يتمتع به المنافس الألماني من قوة أهلته لتصدر قائمة المرشحين بالفوز بالبطولة، حيث شهدت بداية الماراثون الأول من المباراة تقاربًا في المستوى أسفر عن تعادل الفريقين بثلاثة أهداف لكل منهما، لكن سرعان ما تعدلت الأوضاع لصالح الفراعنة.

ومع مرور الوقت انفرد منتخب المصريون بالتقدم، إذ وصلت النتيجة إلى 6-3، ثم 9-5 ثم 14-8 ثم 15-12 قبل أن ينهي المصريون الشوط الأول  بنتيجة 19-13 بعد 30 دقيقة صعبة، ليستفيق المنتخب الألماني مع بداية الشوط الثاني معدلاً النتيجة إلى 23-20 في أول 15 دقيقة، هذا بينما توقف المنتخب المصري عن التسجيل قرابة 10 دقائق كاملة.

وبينما سادت مخاوف ضياع اللقب من الفراعنة، انتفض اللاعبون مع تألق حارسهم عبد الرحمن حميد، ليرفعوا النتيجة مرة أخرى إلى 27-23، ويبدأ المنتخب في التقدم واستعادة الثقة وتزداد المباراة اشتعالاً، لتصل فيما بعد إلى 29-25 ثم 30-26 قبل 5 دقائق من نهاية اللقاء، ثم 31-27 ثم 32-28 ليتوج المنتخب المصري بطلاً للمونديال.

بهذا الفوز تضيف مصر سادس ميداليتها في البطولات العالمية لكرة اليد

قطع منتخب الساجدين كما يلقب المصريون شوطًا كبيرًا للوصول إلى المباراة النهائية، استطاع خلاله أن يلفت الأنظار بعدما كان خارج قائمة التوقعات بداية البطولة، ففي دور المجموعات فاز على السويد بنتيجة 32-29 ثم الخسارة من فرنسا 28- 24 ثم الفوز على تايوان 36- 25 ثم كندا 47 -20 وأخيرًا المجر 31 -24.

أما في دور الـ16 فنجح في التغلب على نظيره السلوفيني بنتيجة 30–23، ليصعد إلى دور الثمانية محققًا فوزًا غاليًا على منتخب آيسلندا الصعب بنتيجة 35-31، ليجد نفسه طرفًا في المباراة النهائية أمام المنتخب الألماني بعد تخطيه عقبة المنتخب البرتغالي في الدور نصف النهائي بنتيجة 41-36.

الفوز بالبطولة ليس الإنجاز الوحيد لمنتخب الفراعنة، إذ توج لاعب الأهلي والمنتخب أحمد هشام بجائزة أفضل لاعب في البطولة، وكذلك الحارس المتألق عبد الرحمن حميد بجائزة أفضل حارس في البطولة.

بهذا الفوز تضيف مصر سادس ميداليتها في البطولات العالمية لكرة اليد، حيث سبق وتوجت بذهبية كأس العالم للشباب عام 1993 وذهبية دورة الألعاب الأولمبية للشباب عام 2010 وفضية دورة الألعاب الأولمبية للشباب عام 2014، وأيضًا برونزية بطولة العالم للشباب عام 1999 وبرونزية بطولة العالم للشباب عام 2019.

مكافأت هزيلة

حالة من السخرية شهدتها منصات السوشيال ميديا بعد إعلان مكافآت المنتخب المصري المتوج ببطولة العالم، إذ جاءت الأرقام المعلنة عكس ما كان يأمله الكثيرون الذين يرون في هذا الجيل فخرًا لتاريخ بلادهم الرياضي، هذا بخلاف المقارنة غير العادلة مع مكافآت منتخب كرة القدم التي تتجاوز الملايين في الوقت الذي لم يحققوا فيه أي إنجاز ملموس على أرض الواقع.

هشام نصر رئيس الاتحاد المصري لكرة اليد، أعلن عقب الفوز بالبطولة أن مكافأة اتحاد كرة اليد للاعبين عقب تحقيق هذا الفوز تبلغ 1500 جنيه فقط (90 دولارًا) نظرا للإمكانات المتاحة للاتحاد، وهو ما قوبل بهجوم كاسح من العديد من المهتمين بالشأن الرياضي المصري.

وأمام موجة الانتقادات التي تعرض لها الاتحاد، كشف مصدر مسؤول بوزارة الشباب والرياضة عن منح 112.500 ألف جنيه (6 آلاف دولار) مكافأة لكل لاعب بمنتخب الناشئين لكرة اليد بعد التتويج باللقب، الأمر الذي خفف نسبيًا من حدة الهجوم وإن لم يكن مرضيًا لمعظم الجماهير المصرية التي صبت غضبها على منظومة الرياضة في بلادها.

لماذا تتفوق كرة اليد؟

السؤال الأبرز الذي فرض نفسه بعد الفوز ببطولة العالم: لماذا يتفوق المنتخب المصري في كرة اليد رغم الدعم المتواضع وغياب الاهتمام الرسمي وفي ظل التجاهل الإعلامي الواضح، بينما تواصل كرة القدم خذلانها في ظل ما تلقاه من دعم غير مسبوق مقارنة بأي لعبة أخرى؟

محمد عبد الرازق، الناقد الرياضي المصري، يرى أن السبب الأول لتفوق كرة اليد المصرية أنها لم تخضع بعد للتسييس، فالمنتخب المشكل من لاعبين تم اختيارهم على أسس الكفاءة والأداء بعيدًا عن المجاملات، وجهاز فني وطني خالص، يهدف إلى إعلاء راية بلاده عاليًا، لم يهتم إلا باللعبة وتطوير الأداء وفقط.

دروس مستفادة عدة خرج بها المصريون من الفوز بهذه البطولة، فحين يوسد الأمر إلى أهله، وتتنحى المجاملات والواسطة، وتنتفي دوافع التسييس، وتتصدر الكفاءة معايير التقييم، وقتها فقط ستكون منصات التتويج هي النتيجة

وأضاف الناقد الرياضي لـ"نون بوست" أن عدم جماهيرية اللعبة كانت السبب وراء التجاهل الرسمي للدولة طيلة السنوات الطويلة الماضية مقارنة مثلاً بكرة القدم التي تحتل الصدارة الشعبية، ومن ثم يمكن توظيفها لأغراض سياسية تخدم أجندات بعينها، أما الوضع في كرة اليد فيختلف كلية وتفصيلاً.

وأشار  أن اللقطة الإعلامية غير موجودة في منصات كرة اليد، ومن ثم غابت وسائل الإعلام عنها بشكل كبير، متوقعًا أنه بعد الحصول على اللقب العالمي ستسعى الدولة ممثلة في رئيسها ورئيس الحكومة ووزير الرياضة في الانضواء تحت الصورة الكبيرة عبر إعداد تكريم للمنتخب وتقديم بعض المنح والمكافآت.

أما من الناحية الفنية، فأوضح عبد الرازق أن انتفاء تسييس اللعبة - حتى الآن - دفع القائمين عليها للعمل في صمت، فجاءت الاختيارات بعيدة تمامًا عن المحسوبية والواسطة التي تفشت في اللعبات الأخرى، ما أدى في النهاية إلى تكوين منتخب من الأكفاء القادرين على الوصول إلى منصات التتويج، وهو ما كان بالفعل.

احتفاء وفخر

سيطر خبر تتويج الفراعنة باللقب على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، واحتلت الوسوم والكلمات التي لها علاقة بالبطولة أو بفوز المنتخب المراكز العشر الأولى في الأكثر تداولاً بمصر، وبينها "#رجال_اليد_أسياد_العالم"، و"منتخب الساجدين"، حيث غرد الآلاف من كل الجنسيات العربية مهنئين بهذا الإنجاز الذي لا يحسب لمصر وحدها لكن للعرب كافة.

البداية كانت مع نجم فريق ليفربول الإنجليزي اللاعب محمد صلاح، الذي وجه رسالة لمنتخب اليد هنأهم فيها على اللقب، كذلك نجم نادي أستون فيلا الإنجليزي الجديد محمود حسن تريزيجيه، فيما وجه اللاعب المصري أحمد الأحمر أسطورة كرة اليد في التاريخ المصري الحديث، التهنئة لمنتخب الناشئين، وكذلك للجهاز الفني للمنتخب بقيادة لاعبي المنتخب السابقين حسين زكي ومجدي أبو المجد وحمادة الروبي.

دروس مستفادة عدة خرج بها المصريون من الفوز بهذه البطولة، فحين يوسّد الأمر إلى أهله، وتتنحى المجاملات والواسطة، وتنتفي دوافع التسييس، وتتصدر الكفاءة معايير التقييم، وقتها فقط ستكون منصات التتويج هي النتيجة، وعليه بات من الأهمية بمكان أن يعيد القائمون على منظومة الرياضة في مصر النظر في قائمة أولوياتهم الرياضية، وأن يراجعوا خريطة اللعبات صاحبة النصيب الأكبر من الاهتمام الرسمي والشعبي والإعلامي.