لم تكد ساعات قليلة تمر على توقيع اتفاق المرحلة الانتقالية بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، هذا الاتفاق الذي ألقى بظلاله التفاؤلية على الشارع السوداني، حتى طفت على السطح النتوءات والعراقيل التي ربما تهدد مستقبله، وتضع الآمال التي عقدها الجميع على المحك.

حالة من التباين في وجهات النظر فرضت نفسها على أجواء النقاش داخل قوى الحرية خلال بحثها الأسماء المرشحة للتمثيل في المجلس السيادي المفترض تكوينه من 11 عضوًا، خمسة مدنيين ترشحهم المعارضة، وخمسة عسكريين يرشحهم المجلس العسكري، إضافة إلى عضو مدني آخر يتفق عليه الطرفان.

وما إن أعلنت قوى الحرية والتغيير أسماء مرشحيها الخمس وهم عائشة موسى وصديق تاور وحسن شيخ إدريس ومحمد الفكي سليمان وطه عثمان، إلا وانهالت الانتقادات والاعتراضات من بعض القوى المنضوية تحت لوائها، وذلك على ترشيح الأخير عن تجمع المهنيين، بدعوى أن ذلك "أمر يخالف قرارات التجمع" وفق ما ذهبت شبكة الصحفيين السودانيين.

يذكر أن المهنيين وهو التجمع الذي يقود الاحتجاجات من بدايتها كان قد أعلن أنه لن يرشح أيًا من أعضائه للمجلس السيادي المزمع، الأمر الذي أثار حالة من اللغط، وسط اتهامات بتداعيات سلبية ربما تعرقل الاتفاق حال إقحام نظام المحاصصة الحزبية والسياسية في اختيار ممثلي المعارضة.

مهلة 48 ساعة

تسببت حالة الانقسام التي خيمت على أرجاء المشهد داخل قوى الحرية والتغيير في الفشل في حسم الأسماء المرشحة بشكل نهائي، الأمر الذي دفعها لطلب مهلة قبيل الإعلان رسميًا عن تشكيل المجلس السيادي الذي كان مقررًا له اليوم، الإثنين، وفق المصفوفة الزمنية المرفقة مع الإعلان الدستوري.

وعليه أعلن المجلس العسكري إرجاء إعلان المجلس السيادي لمدة 48 ساعة، حتى تتوافق القوى المعارضة بين مكوناتها على قائمة مرشحيها الخمس للمجلس، فيما أشار رئيس اللجنة السياسية في المجلس، شمس الدين كباشي، حرص الأخير على تطبيق الجدول الزمني الخاص بتحديد توقيت تشكيل هياكل السلطة الانتقالية، موضحًا أن المجلس العسكري و"قوى إعلان الحرية والتغيير" عقدا اجتماعًا مطولاً بالقصر الرئاسي، مساء الأحد، اتّسم بروح المسؤولية والشراكة، وبحثا خلاله في إجراءات تشكيل مجلس السيادة.

كباشي لفت إلى أن كلا الجانبين أكدا التزامهما بتوقيت تشكيل هياكل السلطة الانتقالية المعلنة، مضيفًا: "كل طرف سلّم أسماء مرشحيه الخمس لمجلس السيادة، و"قوى التغيير" تراجعت عن ترشيح بعض الأسماء التي كانت قدمتها لعضوية المجلس، وطلبت منحها مهلة 48 ساعة لتسليم قائمة مرشحيها النهائية".

حالة من الغضب أثارها ترشيح طه عثمان للمجلس السيادي

اضطرابات داخلية

اضطراب كبير شهدته أروقة قوى التغيير خلال الساعات الماضية، وبحسب مصادر خاصة لـ"نون بوست" فإن حالة من الشد والجذب خيمت على الأجواء النقاشية، وصلت في بعض الأحوال إلى انسحاب البعض والتلويح بتدشين مسيرات شعبية رافضة للأسماء المرشحة حال الإصرار على طه عثمان.

حالة من الغضب فرضت نفسها منذ التصريح الصحفي الذي أدلى به القيادي بـ"الحرية والتغيير" ساطع الحاج عن اعتماد 5 أسماء من بينهم مرشح التجمع عثمان، ما دفع بعض الكيانات النقابية المنضوية عن التجمع لإصدار بيانات ترفض هذا الترشح، استنادًا إلى قرار عدم المشاركة السابق.

الأمر انتقل بدوره إلى الشارع حين دشنت الأصوات المعارضة لهذه الخطوة مسيرة في منطقة بري شرق الخرطوم، توجهت إلى مقر تجمع المهنيين للاعتراض على الترشيح، مطالبين بضرورة الالتزام بالقرار السابق، معتبرين أن ما حدث يعد "نقضًا للعهد" سيؤثر بشكل سلبي على طبيعة المرحلة الانتقالية.

وكان التجمع قد أصدر فجر اليوم، الإثنين، بيانًا على صفحته على "فيسبوك" أوضح فيه ملابسات ترشيح طه عثمان، وقال: "اجتمعت اللجنة المفوضة اليوم (الأحد) وناقشت المرشح لمقعد دارفور، وبعد دراسة مستفيضة، رشحت كلاً من البروفيسور موسى آدم عبد الجليل، والأستاذ طه عثمان إسحق، وثبت ممثلو التجمع قرار "تجمع المهنيين"، بعدم مشاركة أعضائه في مجلس السيادة، وامتنع ممثلو التجمع عن التصويت وقبل حسم الترشيحات تلقت اللجنة اتصالاً تليفونيًا من البروفيسور موسى آدم عبد الجليل حيث قدم اعتذارًا عن شغل المنصب"، وتابع البيان: "اتفق بقية المجتمعين على ترشيح طه باعتباره المرشح الوحيد المتبقي، فأصبح ترشيح طه هو قرار اللجنة المفوضة وحسب آلية اتخاذ القرار فيها".

وأضاف التجمع في تبريره لما جرى بأن ما حدث له جانبان، الأول: أن مجريات الترشيح والاعتراض داخل مجلس التجمع تمت بديمقراطية عالية وشفافية ووضوح، وعلى الرغم من أن الأمر يبدو للعيان وكأنه خلاف سلبي، فإنه في واقع الأمر حمل وجه ديمقراطي حميد فقط يحتاج للتجويد وتحسين التجربة بعد ثلاثين عامًا من سيادة الاستبداد.

يبدوا أن الاتفاق الموقع لم يكن نهاية المطاف كما يتوقع البعض، فالعديد من العقبات والتحديات من المرجح أن تعترض آليات التنفيذ، ما قد يهدد السيناريو المأمول الذي فرض نفسه على المشهد في أعقاب توقيع الاتفاق والإعلان الدستوري

والثاني: مع الوضع في الاعتبار تركيبة التجمع المعقدة التي تشمل أجسامًا متعددة وبخلفيات سياسية واجتماعية ومفاهيمية متنوعة، فإن كثير من الاختلاف في وجهات النظر يخضع للوائح التنظيمية التي تحكم عمل التجمع، فهي لوائح ديمقراطية تتيح الاعتراض والتحفظ والسحب أو الترشيح وفقًا لضوابط محددة، وإن كنا في حاجة الآن لإجراء عدد من التعديلات مواكبة للظرف السياسي والموضوعي للتجمع.

وأمام هذه الحالة الجدلية ارتأى عثمان أن ينأى بنفسه عن هذا اللغط معلنًا اعتذاره عن الترشح، وهو القرار الذي فسره التجمع في بيانه بأنه يأتي في إطار الالتزام بالقرار السابق بعدم المشاركة، مناشدًا الشركاء في قوى الحرية والتغيير، العمل مستقبلاً على احترام قرارات التجمع والتعامل بالروح الرفاقية والعمل المشترك دون تدخلات غير مطلوبة.

وعن الاسم المرشح أن يحل بديلاً لعثمان بعد اعتذاره، فأشارت بعض المصادر الدبلوماسية إلى أن المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير اتفقا على تعيين رجاء نيقولا عبد المسيح عضوًا بالمجلس السيادي، وفق ما ذكرت "الجزيرة" وإن لم يعلن رسميًا حتى كتابة هذه السطور عن هذا القرار.

‏مدير البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، الدكتورة أماني الطويل، اعتبرت أن ما جاء في ترشيحات قوى الحرية كان "محاصصة حزبية"، لافتة أن ذلك من شأنه ترجيح كفة المكون العسكري في المجلس، في ظل عدم التناغم الواضح بين الأسماء الممثلة للقوى المعارضة، مضيفة "كنت أتمني مشهدًا آخر".

الطويل على صفحتها على "فيسبوك" أعربت عن الحمل الثقيل المتوقع أن يلقى على عاتق رئيس الوزراء المرشح، عبد الله حمدوك" قائلة: "أعان الله حمدوك علي حالة السيولة الراهنة في المشهد السوداني وقدره على تحديات المرحلة، ونذكر الحرية والتغيير أن موجات الإسناد الجماهيري سوف تنحسر نسبيًا فتذكروا#علم_الثورة وتماسكوا، ويا تجمع المهنيين استعينوا على قضاء حوائجهم بالكتمان يعني الكواليس المتربصون كثر".

وفي المجمل.. يبدو أن الاتفاق الموقع لم يكن نهاية المطاف كما يتوقع البعض، فالعديد من العقبات والتحديات من المرجح أن تعترض آليات التنفيذ، ما قد يهدد السيناريو المأمول الذي فرض نفسه على المشهد في أعقاب توقيع الاتفاق والإعلان الدستوري، وتبقى قدرة الطرفين، لا سيما قوى الحرية على تجنب حدوث أي شقاق أو نزاعات داخلية بشأن تشكيل المجالس والهيئات الانتقالية هو المحطة الأولى لعبور تلك العقبات، إذ إن هناك موجات أخرى من العراقيل يتوقع أن تعترض طريق الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.