تقدمت قوات النظام على حساب قوات المعارضة السورية بريف إدلب الجنوبي بدعم جوي مكثف وصف بالهستيري، ذلك عقب إعادة ترتيب صفوفها مجددًا، ساعيةً إلى السيطرة على مدينة خان شيخون التي تمتاز بأهمية إستراتيجية نظرًا لوقوعها على الطريق الدولي (حلب ـ دمشق)، وفي الوقت ذاته تطبق الحصار على ما تبقى من ريف حماة الشمالي.

تعتبر مدينة خان شيخون بوابة محافظة إدلب من الجنوب، لوقوعها على أوتستراد حلب ـ دمشق الدولي، الذي يحظى بأهمية إستراتيجية دولية، باعتباره حلقة الوصل بين الشمال والجنوب السوري، وشكل الطريق الدولي خلال الأشهر الماضية، عقدة تفاهمات روسية تركية، بين سعي روسي للسيطرة عليه ومحاولة تركية للحفاظ على منطقة آمنة للسوريين، بحسب ما ظهر من اتفاق سوتشي الذي بدا قيد الانهيار.

كيف وصل النظام إلى الخان؟

بسطت قوات النظام مدعومة بالميليشيات الروسية والإيرانية سيطرتها على قرى تل ملح وأبو رعيدة والجبين وحصرايا والزكاة والأربعين وتلتها بريف حماة الشمالي، وكذلك سيطرت على بلدة الهبيط وقرى عابدين ومدايا والصباغية وكفرعين، وتل عاس بريف إدلب الجنوبي الشرقي، كما حاولت التقدم إلى محور سكيك تل ترعي الذي ساهم في تشتيت الخصوم، وتعتبر هذه القرى المحور الرئيسي لتقدم النظام نحو الخان.

حيث تقدمت قوات النظام من المحور الغربي لمدينة خان شيخون واستطاعت السيطرة على حاجز الفقير الذي يبعد عن مركز المدينة نحو كيلومتر، بعد معارك كر وفر انتهت بسيطرة النظام وسط كثافة نارية، واستمرت الميليشيات بالتقدم نحو تل النمر وحاجز النمر على الطريق الدولي الذي يعبر مدينة خان شيخون من الشمال، محاولةً قطع إمداد قوات المعارضة المتمركزة داخل المدينة، وجرت اشتباكات عنيفة في الأحياء السكنية في الشمال الغربي من المدينة، مما أسفر عن وقوع عشرات القتلى والمصابين في صفوف قوات النظام.

طائرات النظام تستهدف رتل تركي في إدلب

سارعت قوات النظام والميليشيات الروسية والإيرانية إلى قطع الطريق الدولي (m5) الذي يعبر أحياء مدينة خان شيخون من الشمال، الإثنين 19 من أغسطس/آب، على خلفية إرسال القوات التركية أرتالًا عسكرية إلى نقطة المراقبة التركية المركزية في مورك، وذلك بعد غارات عنيفة طالت المنطقة لتقف حائلًا دون تقدم رتل الجيش التركي.

وكان الجيش التركي قد أرسل رتلًا عسكريًا مؤلفًا من عربات مدرعة ودبابات تعزيزًا لنقطة المراقبة التركية، بينما ذكرت مصادر أخرى أن الجيش التركي، قادم لإنشاء نقطة مراقبة في محيط خان شيخون، لوقف زحف قوات النظام، إلا أن قصف الأخير أجبره على التوقف في بلدة حيش شمال خان شيخون.

وسيطرت قوات النظام على مدينة خان شيخون صباح الثلاثاء 20 من أغسطس/آب، بعد معارك غير متكافئة، نظرًا لطيران الاستطلاع والكشافات الليلية التي تمتاز بها قوات النظام، التي أبدت فاعليتها بكشف مواقع خصومها، وكذلك الكثافة النارية التي أجبرت المعارضة على الانسحاب من المدينة نحو أطرافها الجنوبية الشرقية.

حيث استخدمت القوات المهاجمة الكثافة النارية ضد فصائل المعارضة، مستهدفةً المراكز المدنية، ومتخذةً سياسة الأرض المحروقة للسيطرة بشكل فعلي على المنطقة، وفي الجهة المقابلة، المعارضة لا تمتلك إمكانات الزخم الناري للرد على قصف الطائرات الحربية وطائرات الاستطلاع التي حققت دورًا مهمًا في كشف خطوط الإمداد ومواقع المعركة، إلى جانب فقدان المعارضة لمضادات أرضية للطيران الحربي.

وتحاول قوات النظام التقدم ليلاً نظرًا لتجهيزاتها العسكرية والابتعاد عن حرب الشوارع التي تفشل دائمًا بها، حيث بدت المعارضة أكثر مرونة في المعركة، ولذلك تعتبر قوات النظام السيطرة على الخان بمثابة تقطيع أوصال المنطقة وبدورها تدفع المعارضة إلى الانسحاب، لكن المعارضة انسحبت من الخطوط الأمامية في ريف حماة الشمالي نحو بلدات كفر زيتا واللطامنة ومورك، وباتت قوات النظام مسيطرة على المواقع التي أخلتها المعارضة في خطوط النار السابقة.

وفي حال وصلت قوات النظام محور سكيك بخان شيخون تكون أطبقت الحصار على بلدات كفرزيتا واللطامنة مورك وقرى البويضة وتل الصوان والصياد واللحايا ولطمين بريف حماة الشمالي، إلى جانب نقطة مراقبة تركية بالقرب من بلدة مورك.

ما بعد الخان؟

بعد سيطرة قوات النظام المدعومة من روسيا على مدينة خان شيخون تكون قد رصدت المنطقة الممتدة نحو محور سكيك التي تبلغ نحو 10 كيلومترات، حيث تمكنها من قطع إمداد المعارضة نحو مورك واللطامنة وكفر زيتا بريف حماة.

خريطة تظهر سيطرة النظام السوري على خان شيخون

هذه الإستراتيجية العسكرية ليست جديدة، فقد نفذتها ورعتها روسيا وشاركت بها ميليشيا إيران خلال سيطرتها على مدينة حلب ومناطق سورية أخرى عبر سياسة الحصار، ولذلك تسعى إلى قضم ريف حماة الشمالي، بشكل متسلسل، إلا أن بوجود نقطة المراقبة التركية في المنطقة بات الأمر أكثر تعقيدًا على ميليشيا النظام التي تنتظر حلولاً روسية مع حليفها التركي.

وتستطيع خلال مدة زمنية قصيرة تهديد المنطقة بالحصار بإخراج المعارضة والنقطة التركية من ريف حماة، وبهذا تكون سيطرتها على مدينة خان شيخون وريف حماة فتحت شهية ميليشيا النظام التي انتقلت حديثًا إلى حرب المدن الكبرى التي تشكل أهمية كبيرة، ومنها نحو الخطوة الثانية من المعركة للسيطرة على بلدة حيش ومدينة معرة النعمان، وذلك للسيطرة على أهم مدن إدلب، للوصول للسيطرة على الطرق الدولية السريعة (m4 ـ m5)، وذلك في حال لم تحصل مواجهة مباشرة بين قوات النظام وتركيا.

يشكل الطريق السريع أهمية كبيرة لروسيا والنظام لتعزيز اقتصاد الأخير المتدهور، وتمتد أهداف روسيا باستعادة المناطق تحت سيطرة النظام

وبشكل طبيعي السيطرة على ريف حماة الشمالي سيؤثر على إستراتيجية المناطق المحررة، ويجعلها تتهاوى تباعًا أمام تقدم النظام الذي يطمح بالسيطرة على المناطق المحررة كافة وليس على الطريق السريع فقط.

ما أطماع روسيا ورؤية تركيا في إدلب؟

تغيرت معالم الخريطة السورية المحررة، إبان التدخل الروسي في سوريا  2015، وباتت بانحسار مستمر، بدءًا من مشاركة قوات النظام في قصف المناطق المحررة نهايةً برعاية اتفاقات مع مختلف المناطق، دون الوقوف عليها بعد تنفيذها، وهذا ما تظهره الأخبار الواردة من ريف حمص وريف دمشق والجنوب السوري.

النظام يتقدم في إدلب

يشكل الطريق السريع أهمية كبيرة لروسيا والنظام لتعزيز اقتصاد الأخير المتدهور وتمتد أهداف روسيا باستعادة المناطق تحت سيطرة النظام، لذلك ترى أن كل الفصائل السورية المعارضة قوى إرهابية يجب القضاء عليها، في إطار سعيها إلى مصالحها في سوريا ومصالح بقاء حليفها نظام الأسد.

يبدو السعي الروسي في أوج مراحله، ضمن عملية ممنهجة بدأها من السيطرة على مختلف المناطق المحررة سابقًا وسط وجنوب سوريا، ليصل إلى العقد الأهم، وهي الحصول على المنافذ البرية لسوريا، وفي الوقت ذاته استغلال التفاهمات التركية الأمريكية بخصوص المنطقة الآمنة لتنفيذ مشاريعها على حساب الوضع التركي الأمريكي المتأزم في شرق الفرات.

ومن ناحية تركيا أظهرت الأحداث الأخيرة في تركيا ضد اللاجئين السوريين، محاولاتها الحصول على مناطق آمنة أو غير مهددة بالقصف، لتأمين عودة السوريين إلى بلادهم، حيث حاولت تركيا طرح إنشاء منطقة آمنة في إدلب إلا أنها لم تنجح أمام سعي روسيا لبسط سيطرتها وحليفها على الشمال السوري.

وكان قد عقد كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتفاقًا في منتجع سوتشي الروسي، لإنشاء منطقة خفض التصعيد في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وذلك بغية حصول تركيا على منطقة آمنة في مناطق الاشتباك ووقف إطلاق النار، إلا أنها باءت بالفشل، أمام المساعي الروسية.

واجتمع وفد روسي تركي الأربعاء 21 من أغسطس/آب على خلفية سيطرة قوات النظام على مدينة خان شيخون، وذلك لمناقشة التطورات ومصير نقطة المراقبة التركية في مورك، إلا أنه لم يتسرب أي شيء من داخل الاجتماع، ولا تبدو معالم الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان.

وتنذر التطورات الأخيرة التي تشهدها محافظة إدلب بانهيار كلي لاتفاق سوتشي الذي نص على إنشاء منطقة خفض التصعيد، وعبرت تركيا عن استيائها من قصف رتل عسكري لها، وأكدت أنها تستمر بدعم نقاط المراقبة التي نصها الاتفاق ويبدو أن اتفاق سوتشي على قائمة الانهيار وتدهور العلاقات التركية الروسية بخصوص سوريا، فهل سيصل اتفاق سوتشي إلى طريق مسدود؟