أدَّى عبد الله حمدوك اليمين الدستورية رئيسًا للحكومة الانتقالية الجديدة بالسودان، الأربعاء 21 من أغسطس/آب 2019، بعد أن وصل في نفس اليوم إلى العاصمة الخرطوم، ليكون أول رئيس وزراء بعد نجاح الثورة السودانية التي أطاحت بنظام الرئيس المعزول عمر البشير في أبريل/نيسان الماضي.

وكان أعضاء مجلس السيادة الجديد العشر، الذي سيدير البلاد خلال الفترة الانتقالية التي تستمر ثلاث سنوات، قد أدّوا اليمين في وقت سابق أمس، بعد سجال دار بشأن بعض أسماء ممثلي قوى الحرية والتغيير، ومن المتوقَّع أن يشكل حمدوك، الحكومة الأسبوع المقبل، وسط حالة من التفاؤل خيمت على الشارع السوداني.

ترحيب محلي ودولي قوبل به أداء اليمين الدستورية، الذي به يطوي السودان ثلاثة عقود مضت من الرضوخ تحت الحكم العسكري، غير أن أصوات أخرى عبرت عن قلقها إزاء اختيار حمدوك على وجه التحديد لإدارة المرحلة المقبلة، فالخبرات الاقتصادية الكبرى التي يتمتع بها الرجل جراء عمله في المؤسسات المالية الدولية، كما كانت مبعثًا للتفاؤل لدى الكثيرين فإنها في الوقت ذاته تمثل قلقًا لدى آخرين.

السلام ومحاربة الفساد على رأس الأولويات

قدم حمدوك خلال كلمته التي ألقاها عقب أداء اليمين الدستورية تصورًا عامًا لملامح المرحلة الانتقالية، لافتًا إلى أن الأولوية ستكون لإيقاف الحرب وبناء عملية السلام على أسس راسخة في السودان، هذا بخلاف إصلاح المؤسسات ومحاربة الفساد، مضيفًا "سأعمل على تحقيق شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة".

وأضاف الخبير الاقتصادي "من أولويات المرحلة أيضًا العمل على معالجة الأزمة الاقتصادية الطاحنة وبناء اقتصاد قوي يقوم على الإنتاج وليس على المنح والهبات، وإصلاح مؤسسات الدولة وبناء دولة القانون والشفافية"، مؤكدًا "هدفنا كيف سيتم حكم السودان وليس من سيحكم السودان".

رئيس حزب دولة القانون والتنمية محمد علي الجزولي وصف حمدوك على صفحته الشخصية على "فيسبوك" بأنه "مبعوث الرأسمالية المتوحشة"، ملمحًا إلى إجراءات قاسية من المتوقع أن يتخذها رئيس الحكومة الجديد خلال فترة ولايته

لم تغب المرأة السودانية ودورها المحوري في الثورة عن قائمة أولويات حمودك الذي وعد بمنحها فرصة أكبر في حكومته على عكس ما حدث في أثناء تمثيلها في وفد التفاوض من جانب قوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري، وهو ما يعكس تقدير ما قامت به من تعزيز للحراك الثوري الذي قام في نهاية المطاف إلى تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الدولة السودانية.

أما عن آليات اختيار أعضاء الحكومة أشار رئيس الوزراء الجديد أنه سيشكل حكومته من كفاءات بحتة خلال أسبوع من تاريخ اليوم، متعهدًا بالعمل على تحقيق التحول الديمقراطي والتعددية السياسية وبناء مشروع وطني فشل السودانيون في التوافق عليه منذ استقلال البلاد في العام 1956.

كما أوضح أن قوى الحرية والتغيير اختارته أن يكون رئيسًا للوزراء لكنه وبعد أدائه اليمين الدستورية سيكون رئيسًا لكل السودانيين وسيعمل على تحقيق التوافق بما يشمل الحركات المسلحة، منوهًا إلى أن الحكومة الجديدة لا تملك عصا موسى لكنها ستجتهد بقدر الإمكان في تحقيق تطلعات الشعب السوداني وتقليل حدة الفقر والقيام بكل ما في وسعها لتحقيق التطلعات.

قلق وترقب

في الوقت الذي اعتبر فيه الكثيرون أن خبرات حمدوك الاقتصادية وعمله في أكثر من مؤسسة مالية واقتصادية دولية إضافة تعزز السيرة الذاتية للرجل وتبعث على التفاؤل بشأن قدرته على إدارة المرحلة المقبلة وما تحمله من تركة ثقيلة تتطلب قدرات خاصة، فإن هناك على الجانب الآخر من يرى أن هذه الخبرات الطويلة نقطة سلبية تبعث على القلق والخوف.

رئيس حزب دولة القانون والتنمية محمد علي الجزولي وصف حمدوك على صفحته الشخصية على "فيسبوك" بأنه "مبعوث الرأسمالية المتوحشة"، ملمحًا إلى إجراءات قاسية من المتوقع أن يتخذها رئيس الحكومة الجديد خلال فترة ولايته تتعلق بإصلاحات اقتصادية قد يدفع الشعب ثمنها.

فيما أبدى الصحفي السوداني وائل نصر الدين، عضو ائتلاف شباب السودان، تخوفه من تداعيات تعيينه رئيسًا للحكومة على الفقراء من السودانيين، محذرًا إياه في رسالة بعثها إليه على "فيسبوك" قال فيها بعد مباركته بعودته سالمًا إلى أرض الوطن: "نحذره من المساس بمصالح الفقراء ورفع الدعم عن السلع الرئيسية"، واصفًا إياه بأنه "مرشح البنك الدولي".

نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أعربوا عن قلقهم بشأن الإستراتيجية التي يحملها رئيس الوزراء الجديد، لافتين إلى أنه يحمل وصفة ستبعد الدولة عن السوق، كاشفين أن إبعاد الدولة عن السوق في الأساس هو مطلب الشركات متعددة الجنسبات الأول، ومطلب لوبيهات المال والأعمال، ولن تعود على الشعب ولا على البلاد بأي نتيجة تذكر إلا بمزيد من الرضوخ والانصياع والتراجع على المستويات كافة.

في 1995 التحق بشركة مستشارين خاصة في زيمبابوي، ومن ثم عمل مستشارًا في منظمة العمل الدولية في ذات البلد حتى العام 1997، بعد ذلك التحق ببنك التنمية الإفريقي في ساحل العاج، ليبقى هناك قرابة 4 سنوات، قبل أن ينضمّ للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا

"غيابه عن البلاد لفترة طويلة وعمله مع مؤسسات المال الدولية وصناديق الاقتراض بات مصدر قلق لكثير من الشعب السوداني الغارق أصلاً في ديونه"، بهذه الكلمات وثق الناشط السوداني محمد الفاتح شهادته بشأن اختيار شخصية رئيس الوزراء الجديد، كاشفًا أن الاختيار لم يكن عشوائيًا.

الفاتح في حديثه لـ"نون بوست" أشار إلى أن حالة من القلق تساور شريحة ليست بالقليلة من السودانيين بشأن تكرار سيناريو دول مثل اليونان ومصر وزامبيا فيما يتعلق بسياسة الاقتراض، حيث وقعت تلك الدول ضحايا صندوق النقد الدولي وشروطه المجحفة التي أدت بالاقتصاد إلى الهاوية.

وأضاف أن الأزمة التي يواجهها الاقتصاد السوداني ربما تدفع حمدوك بصفته خبيرًا ذا علاقات قوية بالمؤسسات الدولية لانتهاج ذات السياسة التي من المتوقع أن تثقل كاهل البلاد بمزيد من الديون، هذا في في الوقت الذي تفرغ فيه مؤسسات الدولة الوطنية من مضامينها الإنتاجية لحساب سوق جديد من الاستهلاك وفقط.

غير أنه ألمح في الوقت ذاته أن هذا القلق لا يعدوا كونه تخوفًا لم يُثبت تحققه على أرض الواقع، خاصة أن الرجل لن يعمل بمعزل عن فريق عمل متعاون، قادر أن يعيد رسم الخريطة الاقتصادية ككل، بعيدًا عن خلفياته العملية التي ربما يوظفها إيجابيًا في دعم قاطرة التنمية بعيدًا عن الولوج في أنفاق الاقتراض المسدودة.

أعضاء المجلس السيادي يؤدون اليمين الدستورية

خبرة اقتصادية كبيرة

قبل سبتمبر/أيلول الماضي قلما كان يتردد اسم حمدوك على الساحة السياسية السودانية، فالرجل كان معروفًا فقط بخبرته الاقتصادية الكبيرة، غير أن رفضه منصب وزير مالية في حكومة معتز موسى، إبان عهد البشير، كان بوابة الدخول نحو الشهرة وتسليط الأضواء عليه.

يتمتع حمدوك الحاصل على بكالوريوس الشرف من جامعة الخرطوم، وعلى ماجستير ودكتوراه في علم الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية بجامعة مانشستر في بريطانيا، بسجل حافل من الخبرات الاقتصادية، حيث عمل في أكثر من كيان اقتصادي، محلي وإقليمي ودولي.

عمل رئيس الحكومة خبيرًا اقتصاديًا وخبيرًا في مجال إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد وإدارة الأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية، بدايته المهنية كانت عام 1981 حين التحق بالعمل في وزارة المالية السودانية وظل فيها حتى 1987، وابتعث بعدها إلى بريطانيا لنيل الماجستير.

وفي 1995 التحق بشركة مستشارين خاصة في زيمبابوي، ومن ثم عمل مستشارًا في منظمة العمل الدولية في ذات البلد حتى العام 1997، بعد ذلك التحق ببنك التنمية الإفريقي في ساحل العاج، ليبقى هناك قرابة 4 سنوات، قبل أن ينضمّ للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في عدة مواقع حتى أصبح نائبًا للأمين التنفيذي.

بعض المصادر تشير إلى أنه فُصل من العمل بعد انقلاب عمر البشير عام 1989، ضمن حملة قادها نظام الأخير سميت بسياسة التمكين، حيث فصل عشرات الآلاف من وظائفهم تحت مسمى "الإحالة للصالح العام"، ورغم ما أثير بشأن هذه الخطوة، فإنها كانت بداية تعارف الشارع السوداني به.

في الفترة من 2003 وحتى 2008 عمل في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (مؤسسة حكومية دولية مقرها ستوكهولم)، ثمّ شغل في وقتٍ لاحقٍ منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا منذ عام 2011، وبحلول عام 2016 عُيّن من الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، قائمًا بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأممية ذاتها.