في الوقت الذي يعتبر فيه البعض أن ما حدث في المشهد السوداني من الإطاحة بنظام عمر البشير وطي صفحة 3 عقود كاملة من الحكم العسكري أقصى تحد من الممكن أن يواجهه السودانيون، فإن آخرون يرون أن القادم هو الأصعب، والمرحلة الانتقالية المقدرة بـ3 سنوات و3 أشهر، هي المحك الرئيسي لنجاح الثورة من عدمه.

ألغام عدة في طريق الحكومة الجديدة بقيادة عبد الله حمدوك، بعضها ربما ليس هناك قلق من التعامل معها على المدى البعيد، إلا أن أخرى لا بد من تفكيكها في أقرب وقت، خشية أن تنفجر في وجه الجميع، وهو ما يجعل الأشهر القليلة المقبلة ساحة حقيقية لاختبار ما يمكن أن يختلف به قطار الربيع السوادني عن غيره من المحطات العربية الأخرى.

اللغم الأبرز في طريق ثورة ديسمبر يتمثل في "التوافق الوطني"، فرغم أن الثورة قادها تحالف عريض من القوى السياسية والمدنية، لكن حمدوك بلا شك سيصطدم بجبهة داخلية متصدعة على مستوى حلفاء الثورة أنفسهم، فضلاً عن قوى سياسية تشعر بالإقصاء والتهميش.

الرسائل التطمينية التي بعث بها الرجل منذ الوهلة الأولى حين أكد، خلال كلمته عقب أداء اليمين الدستورية، أنه إن كان مرشح الحرية والتغيير فإنه سيعمل لأجل كل السودانيين، يبدو أنها لم تؤت ثمارها سريعًا في ظل تصاعد تيارات معارضة آخذة في التشكل مثل تنسيقية القوى الوطنية التي يقف على رأسها حزب المؤتمر الشعبي وحركة الإصلاح.. فهل ينجح رئيس الحكومة الجديد في تجاوز اللغم الأول؟

تصاعد الأصوات المعارضة

الكثير من القوى السياسية لم تكن راضية منذ البداية عن الحراك الثوري، فضلاً عن عدم مشاركتها في المسار الاحتجاجي، فهي إما داعمة للنظام القديم أو كارهة للتنظيمات الجديدة، ومن ثم أعلنت رفضها للاتفاق بين المجلس العسكري وقوى التغيير، وما يتمخض عنه من سلطة جديدة يرونها لا تعبر عن كل الشعب السوداني.

تلك الكيانات أخذت اليوم منحى جديدًا بانضوائها تحت تحالفات تضم عددًا من الأحزاب والحركات السياسية، بهدف تشكيل تكتل معارض قوي، يهدف إلى إسقاط النظام الجديد، على رأسها ما سمي "ﺗﻨﺴﻴﻘﻴﺔ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻮﻁﻨﻴﺔ للتغيير ﺑﺎﻟﺴﻮﺩﺍﻥ" وهي التي أعلنت ﺭﻓﻀﻬﺎ ﺍﻟﺘﺎﻡ ﻟﻠﻮﺛﻴﻘﺔ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻳﺔ ﻭﺍﻻﺗﻔﺎﻕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻭﻗﻮﻯ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ، ﻭﻣﻌﺎﺭﺿﺘﻬﺎ ﻟﻠﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﻘﺎﺋﻤﺔ.

 ﺍﻟﺘﻨﺴﻴﻘﻴﺔ التي ﺗﻀﻢ ﺃﺣﺰﺍﺑًﺎ ﺃﺑﺮﺯﻫﺎ ﺍﻟﻤﺆﺗﻤﺮ ﺍﻟﺸﻌﺒﻲ ﻭﺣﺮﻛﺔ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﺍﻵﻥ بجانب عدة حركات مسلحة أخرى، ترى أنه قد "تم ﺍﻻﺳﺘﻴﻼء ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺪ ﻣﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻴﻦ" حسبما جاء على لسان القيادي بها، ﻋﻠﻲ ﺍﻟﺤﺎﺝ، ﺍﻷﻣﻴﻦ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﻤﺆﺗﻤﺮ ﺍﻟﺸﻌﺒﻲ، ﻓﻲ ﻣﺆﺗﻤﺮ ﺻﺤﻔﻲ ﺑﺎﻟﻤﺮﻛﺰ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻟﻠﺤﺰﺏ قبل أيام.

أمام هذا المشهد يبقى خيار الوفاق الوطني لغمًا قابلاً للانفجار في أي وقت، الأمر الذي يدفع رئيس الحكومة الجديد إلى وضعه في الاعتبار عند تشكيل حكومته

الحاج أضاف "ﻟﺴﻨﺎ ﻣﻌﻨﻴﻴﻦ ﺑﺄﺩﺍء ﺍﻟﻴﻤﻴﻦ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻱة، ﻭﻻ ﻧﻌﺘﺮﻑ ﺑﺎﻟﻮﺛﻴﻘﺔ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻳﺔ ﺍﻟﻤﻮﻗﻌﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻭﻗﻮﻯ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﻭﻧﺤﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﻌﺎﺭﺿﺔ ﻭﺳﻨﻘﺎﻭﻡ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﺋﻢ ﺣﺘﻰ ﺇﺳﻘﺎﻁﻪ"، مشيرًا ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺫﺍﺗﻪ ﺍﻟﻰ ﺃﻧﻬﻢ ﻟﻴﺴﻮﺍ ﻣﺘﻌﺎﻁﻔﻴﻦ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻤﺨﻠﻮﻉ ﺑﻘﻴﺎﺩﺓ ﻋﻤﺮ ﺍﻟﺒﺸﻴﺮ.

الرأي ذاته ذهب إليه ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﻱ ﺑﺎﻟﺘﻨﺴﻴﻘﺔ ﻓﺮﺡ ﻋﻘﺎﺭ الذي يعتبر أن ﻣﺎ ﺗﻢ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻭﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﻫﻮ ﺍﺗﻔﺎﻕ ﺛﻨﺎﺋﻲ ﻭﺇﻗﺼﺎﺋﻲ، ﻭﺃﺿﺎﻑ "ﺷﺎﺭﻛﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ، ﻭﻻ ﻧﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻘﺼﻰ ﺃﺣﺪ ﺣﺘﻰ ﻧﺤﻘﻖ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻼﺩ"، وهو ما أشار إليه كذلك القيادي عبد القادر إبراهيم، الذي قال: "الاتفاق ثنائي ولا يعبر عنا ولن نلتزم به"، مهددًا بتشكيلهم معارضة قوية للاتفاق حال إصرار التغيير والعسكري على تشكيل حكومة ثنائية.

وأضاف "سوف نعارض الاتفاق سلميًا بالمظاهرات والاعتصامات"، ورأى أن هذا الاتفاق فيه خطورة كبيرة على المشهد السياسي بالبلاد، منوهًا "إذا أصر المجلس العسكري والحرية والتغيير على إكمال الاتفاقية والتوقيع على الوثيقة الدستورية وحدهما سوف تكون هناك تداعيات كارثية"، جازمًا بأن الوضع الأمني (هش) والبلاد تقف على حافة الهاوية، وقال إن أي تصرف غير عقلاني سيجر البلاد إلى ويلات.

فيما طالب الناطق باسم حزب التحرير والعدالة، أحد مكونات التنسيقية، تاج الدين نيام، بضرورة توسعة ماعون المشاركة في الحل السياسي لضمان فاعلية ترتيبات الفترة الانتقالية، مشيرًا إلى أن الأولوية في الوقت الراهن تتمثل في تحقيق السلام والاستقرار بالبلاد.

تنامي تيار المعارضة لم يكن من خارج القوى المشاركة في الثورة وفقط، بل من داخل الكيانات التي كانت طرفًا فاعلاً في الحراك منذ بدايته وهو ما يحمل مؤشرًا سلبيًا بشأن تماسك تلك القوى مستقبلاً، هذا الأمر يجسده الموقف الرسمي للحزب الشيوعي، أحد الأحزاب المنضوية تحت لواء قوى الحرية والتغيير.

الحزب أعلن رفضه للاتفاق الموقع، بجانب عدم المشاركة في كل هياكل الحكومة القادمة، هذا خلاف دعوته لتصعيد النضال، وصولاً للإضراب السياسي العام، وذلك على خلفية ما يراه بشأن ملء الاتفاق بما سماه "الثقوب والنواقص"، نائيًا بنفسه عما سيتمخض عنه من مؤسسات وكيانات سلطوية.

الحزب الشيوعي أعلن عدم مشاركته في أي سلطة خلال المرحلة الانتقالية

وفي بيان له أوضح الحزب مبررات رفضه للاتفاقية السياسة زاعمًا أنها "فارقت قرارات الاتحاد الإفريقي المؤيدة والمدعومة من الاتحاد الأوروبي والترويكا والكونغرس الأمريكي والأمم المتحدة التي تطالب بقيادة مدنية كاملة للحكومة الانتقالية وبناءً على ما تم الاتفاق عليه في السابق"، مشيرين إلى أن "الاتفاق يتعارض مع قرار الاتحاد الإفريقي بتسليم السلطة لحكومة مدنية وانحرف إلى تقاسُم السلطة مع العسكريين، ويتعارض أيضًا مع قرار الاتحاد الإفريقي (854) في حالة عدم تسليم السلطة لحكومة مدنية تفرض عقوبات على البلاد وفردية على المجلس العسكري وعدم الاعتراف به".

كما لفت أنها أغفلت قضية محاسبة مسؤولي النظام السابق وتفكيكها إلى جانب استعادة الأموال المسروقة وإلغاء جميع القوانين المقيدة للحريات وإعادة هيكلة جهاز الأمن والمخابرات وحل جميع "الميليشيات"، في إطار خارج القوات المسلحة وفق ترتيبات الفترة الانتقالية.

طارق عبد المجيد عضو اللجنة المركزية للشيوعي كان قد طالب المجلس العسكري بتسليم السلطة لقوى مدنية نزولاً عند رغبة الشارع السوداني، داعيًا إلى تمثيل محدود للقوات المسلحة في مجلس السيادة في المرحلة الانتقالية، وليس خمسة اعضاء كما جاء في الاتفاق السياسي، كما يرى أن المجلس العسكري هو "نفس اللجنة الأمنية التي شكلها النظام المندحر ويشار إليه بالاتهام في جريمة فض الاعتصام" حسب وصفه.

وأمام هذه التطورات تبقى المخاوف قائمة حيال مستقبل الشراكة بين قوى المعارضة في ائتلافها الكبير حال تشكلت الحكومة الانتقالية الجديدة التي تحوز فيها أحزاب الحرية والتغيير مقاعد مجلس الوزراء طبقًا للاتفاق السياسي، فيما تثور تساؤلات حيال إمكانية أن يتحول حلفاء اليوم إلى أعداء الغد حين يتولون معارضة الحكومة الجديدة باعتبار أنها حادت عن التفاهمات، ومضت للتوافق مع العسكر بدلاً من إقصائهم من المشهد.

"حمدوك على رأس حكومة الحرية والتغيير وهي حكومة ستنفذ برنامج هذا التحالف الذي يخلو من التوافق" القيادي في حزب المؤتمر الشعبي تاج الدين بانقا

خيارات الوفاق

موقف صعب ربما يجد فيه حمدوك نفسه فيه خاصة لو وضعنا في الحسبان موقف الإسلاميين وأنصار المؤتمر والرئيس السابق، وهم الذين ربما يمثلون ضغطًا عليه، خاصة بعدما بدأوا في النزول إلى الشارع عبر مسيرات نددوا فيها برئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان.

المتظاهرون أكدوا أن السلطة الجديدة لا تمثل الشعب السوداني، والنظام السابق لم يكن بعيدًا عن الشارع كما يروج الثوار، لافتين أنه على مدار 30 عامًا كاملة كان الشعب في ظهر سلطة البشير، على حد قولهم، مؤكدين أن الجيش هو المؤسسة الأكثر وطنية التي ترى في الشعب همها الأول.

كما وجه المشاركون في تلك المسيرات والحاملون لصور البشير رسالة لمؤسسة القضاء أكدوا خلالها ضرورة أن تسير محاكمة البشير على أسس قانونية وعادلة، لافتين إلى أن احتجاز الرئيس السابق لمدة خمسة أشهر دون محاكمة افتقاد واضح للحرية والعدالة، مستنكرين مشاركة القضاء في الحراك الثوري.

وأمام هذا المشهد يبقى خيار الوفاق الوطني لغمًا قابلاً للانفجار في أي وقت، الأمر الذي يدفع رئيس الحكومة الجديد إلى وضعه في الاعتبار عند تشكيل حكومته، فالحنكة السياسية تتطلب هنا العودة للوراء قليلاً لمزيد من احتواء القوى السياسية المعارضة التي حتى لم تشارك في المسار الثوري منذ بدايته، فضلاً عن رفقاء الحراك وإن اختلفوا في آليات المعالجة بعد ذلك.

المرحلة القادمة تتطلب جهدًا دبلوماسيًا مضاعفًا، لضمان عدم التصعيد من تيار المعارضة المتنامي، على الأقل تحييد معظمهم عن وضع المزيد من العراقيل أمام السلطة الجديدة في شهورها الأولى، وهذا لن يكون إلا بفتح باب الحوار والجلوس على مائدة المفاوضات للتوصل إلى صيغ مرضية تعلي من شعارات المشاركة للجميع وتجهض مساعي الإقصاء والاستئثار بالسلطة.

أصوات عدة من داخل المعارضة ترى أن حمدوك هو ممثل قوى الحرية والتغيير الذي جاءت به إلى السلطة بعد سنوات من الإقامة خارج البلاد، ومن ثم فهو مجبر على الالتزام بإستراتيجيتها التي تمحورت في الإعلان الدستوري الموقع عليه، وهو ما أكده القيادي في حزب المؤتمر الشعبي تاج الدين بانقا الذي قلل من أهمية حديث رئيس الوزراء بشأن أنه ممثل للسودانيين جميعًا، ويصفه بـ"حديث مغتربين" مرده إلى أن الرجل لم يقرأ الوثيقة الدستورية على ما يبدو.

بانقا في تصريحات له قال إن حمدوك على رأس حكومة الحرية والتغيير وهي حكومة ستنفذ برنامج هذا التحالف الذي يخلو من التوافق، بحسب رأيه الذي أدلى به لـ"الجزيرة"، ناصحًا بفتح وثيقة الدستور للتعديل بهدف استيعاب آراء القوى السياسية الأخرى.

وأشار إلى أن الدستور الحاليّ لا يخول لرئيس الوزراء غير برنامج القوى التي رشحته لهذا المنصب، مضيفًا "إن كان حمدوك جادًا، فعليه أن يطرح أولاً تعديل الدستور"، وهو الذي تعهد في وقت سابق بـ"تمزيق" الوثيقة الدستورية وإسقاط الحكومة الجديدة.

وفي المجمل يمكن القول إن الأشهر الست الأولى من المرحلة الانتقالية ستكون بالونة اختبار حقيقية لمدى نجاح الثورة في تحقيق مطالبها، فقدرة حكومة حمدوك على امتصاص ردة الفعل والتعاطي مع التحديات الراهنة بذكاء وحنكة هي المحك الرئيسي لمواصلة السير نحو مرحلة جديدة من حياة الشعب السوداني، تلك المرحلة التي من الممكن أن تكون بداية صفحة بيضاء يطي بها السودانيون عقود الحكم العسكري أو العودة للمربع رقم صفر مرة أخرى.