لا يكاد يختلف اثنان على أن غنى أي دولة في العالم بالتنوع العرقي يلعب دورًا أساسيًا في تحديد مسيرتها ومصيرها، فإما أن يمهد الطريق لاستقرارها وتميز بنيتها الاجتماعية، وإما أن يجرجرها نحو الحروب الأهلية والاضطرابات الداخلية مثلما حدث مع السودان الذي انقسم عام 2011 إلى قسمين: النصف الشمالي العربي والنصف الجنوبي الأكثر تنوعًا من الناحية العرقية. ومع ذلك، لا يزال لدى جمهورية السودان عدد لا بأس به من الجماعات العراقية التي تمثل المفتاح الرئيسي لفهم الثقافة السودانية.

لكل مجموعة عرقية تاريخها ومنطقتها الخاصة وتتمتع كل أقلية بثقافة فريدة وأسلوب حياة يختلف عن الأخرى، فهم مزيج من السكان الأصليين في مناطق وادي النيل، وآخرون من المهاجرين من شبه الجزيرة العربية. هناك نحو 19 مجموعة عرقية رئيسية وأكثر من 597 مجموعة فرعية تتحدث أكثر من 100 لغة و400 لهجة، ويشكل العرب السودانيون نحو ثلثي السكان في البلاد، في حين تشكل الأعراق الأخرى مثل النوبيين والأقباط نحو 30%، وهنا نذكر المجموعات العرقية الرئيسية فقط، وأبرزها:

السودانيون العرب.. غالبية عظمى وقوة سياسية مهمة

مثل العديد من بلدان شمال إفريقيا الأخرى، يمثل العرب أكبر مجموعة عرقية في السودان بنسبة تصل إلى 70% ويبلغ عددهم نحو 22 مليون وهم مسلمون في الغالب ويتحدثون اللغة العربية المتأثرة باللهجة السودانية وبالتالي تصنف جمهورية السودان كثالث أكبر دولة ناطقة باللغة العربية في المنطقة، على صعيد آخر، تملك هذه الفئة نفوذًا سياسيًا واسعًا في البلاد مقارنة مع الأقليات الأخرى.

جدير بالذكر، أن كثيرًا من عرب السودان من أصل إفريقي لكنهم تأثروا بالعرب من خلال الاختلاط والتزاوج والهجرة عندما جاء العرب عبر البحر الأحمر ومن مصر عبر نهر النيل، كما ينقسمون إلى مجموعة من القبائل العربية مثل جعلين وشيجية ووريكابية والبديرية والرباطاب، ولا توجد فروق ملحوظة بينهم بخلاف الانتماء العشائري.

يشكل العرب السودانيون نحو ثلثي (70%) السكان في البلاد

وغالبًا ما تظهر الملامح العربية على وجوههم، وذلك بحسب مذكرات الرحالة بوكهارت الذي زار السودان في القرن التاسع عشر ووصف سكان قبيلة الميرفاب العربية، قائلًا: "ليست لهم قسمات الزنوج إطلاقًا، فالوجه بيضي، والأنف في كثير منهم إغريقي خالص، وعظم الوجنة لا بروز فيه ولا نتوء، بيد أن في الشفة العليا غلظًا خفيفًا ينحرف بها عن معايير الجمال عند الأوروبيين، ولكن مع هذا بعيدة الشبه بشفاه الزنوج".

وقال عن قبيلة الجعلين، أحد أكبر القبائل العربية في السودان: "ويلوح لي بعد أن تأملت سحن رواد السوق أن هؤلاء العرب جميعًا من سلالة واحدة، إلا أن البدو الجعليين الخلص القادمين من الصحراء الشرقية أكثر بياضًا من سكان ضفاف النيل، ولعل ذلك راجع إلى تحاشيهم الاختلاط بالزنجيات، أو اتخاذ الخليلات منهم، وقد أدهشتني قسمات الكثير من هؤلاء الجعليين، فقد كانت شبيهة كل الشبه بقسمات بدو شرقي شبه الجزيرة العربية، ويزيدون عليهم قصر لحاهم وخفة شعرها".

النوبيون.. شعوب قديمة وموسيقى شهيرة

هم من أقدم شعوب العالم التي تمركزت حول نهر النيل لآلاف السنين وتحديدًا في المنطقة الممتدة من جنوب مصر وحتى شمال السودان، وهي المناطق التي قامت عليها أعظم حضارات العالم مثل حضارة "كرمة" التي وجدت قبل 3 آلاف عام قبل الميلاد. بصفة عامة، ينقسم النوبيون إلى 3 مجموعات: الأولى الفاديجا والكنوز، والثانية الحلفاويين والمحس والدناقلة، والثالثة هم نوبة دارفور البرقد والداجو والميدوب.

تعرف باهتمامها البالغ بالموسيقى والغناء، فلقد نسجت إيقاعات مختلفة ومشهورة على الصعيد المحلي والإقليمي، ومنها الجابودي والدليب والسيرة والنقشبندي والفيجا

تتحدث هذه المجموعات اللغة النوبية التي يصل عمرها إلى ما بين 15 و20 ألف سنة وتنقسم إلى نوعين: الكنزية والفادجية، لكل واحدة عدة لهجات، تختلف بحسب المنطقة، وحتى وقت قريب كانت تكتب اللغة بالحروف اللاتينية أو الإنجليزية والعربية فتختلف فقط في نطقها، لكن مؤخرًا تمكن الدكتور مختار كبارة الباحث في التراث النوبي من اكتشاف مخطوطات وبرديات نوبية مكتوب باللغة النوبية، وبالتالي، تمكن أبناء هذه العرقية من تحديد القواعد النوبية وتحويلها إلى لغة مكتوبة رسمية، وبالجانب إلى ذلك، يستخدم البعض مجموعة متنوعة من اللغات النيلية الصحراوية التي ينتمون إليها.

تُعرف هذه المجموعة بارتباطها الشديد بنهر النيل الذي يذهبون إليه في جميع المناسبات وهي واحدة من العادات الاجتماعية التي ورثوها عن أجدادهم الفراعنة القدامى، كما تشتهر باحترافها صناعة الحديد والنسيج وفن العمارة، يضاف إلى ذلك، اهتمامها البالغ بالموسيقى والغناء، فلقد نسجت إيقاعات مختلفة ومشهورة على الصعيد المحلي والإقليمي، ومنها الجابودي والدليب والسيرة والنقشبندي والفيجا، وعادةً ما يكون الغناء النوبي عبارة عن مطولات تعبر عن تاريخ النوبية وثقافة أهلها.

وكثيرًا ما يتحدثون في أغانيهم عن الحنين إلى الأرض، ففي واحدة من الأغنيات، تقول الكلمات: "ماذا لو عدتي لنا يا نوبتي.. يا نوبة عودي إلينا.. الفرد الذي حبك مثل حبي.. مثل تمر النخيل المتراكم على أراضيكي.. ياما عشنا متجاورين في النوبة القديمة.. يا سلام لو تعودي إلينا أيتها النوبة قبل الغرق.. فإني ألوم عليكي لأنك لم تعودي"، جدير بالذكر، أن الأغاني النوبية لم تساهم فقط في إثراء التراث النوبي، بل ساعدت أيضًا في استمرار اللغة الأم بين الأجيال.

الزغاوة.. بدو السودان


يُعرفون أيضًا باسم بيري، وهي مجموعة عرقية موزعة في بلدان وسط إفريقيا مثل تشاد والنيجر وغرب السودان، وهي مجتمعات شبه بدوية تعتمد في لقمة عيشها على رعي الماشية والأغنام والإبل، وتقسم إلى 3 مجموعات فرعية، لكل منها لهجة خاصة مختلفة عن الأخرى، المجموعة الأولى: كوبي وتعيش في تشاد، المجموعة الثانية: ووجي وتعيش في السودان، أما الثالثة فهي بديات وتعيش بشكل رئيسي في تشاد.

رغم قلة نفوذهم في السودان، فإنهم يسيطرون على تشاد سياسيًا، ويُعرفون هناك بثرائهم ورفاهيتهم الاقتصادية

تشير التقديرات إلى وجود ما بين 75000 و350.000 من الزغاوة، اعتنقوا الإسلام في أربعينيات القرن الماضي، ويتوزعون بشكل أساسي في منطقة دارفور التي ابتليت بالجفاف والتصحر، مما أدى إلى نشوب نزاعات وحروب أهلية على الموارد والماشية المتبقية، وهي الصراعات التي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة الراحل كوفي عنان بـ"حالة إنسانية ذات أبعاد كارثية"، كونها لا تهدد ثقافات الشعوب الأصلية فحسب، بل تهدد وجودها أيضًا، حيث انتهت هذه المحنة بتهجير وتشريد نحو 100 ألف من الزغاوة عبر الحدود مع تشاد.

وعلى الرغم من قلة نفوذهم في السودان، فإنهم يسيطرون على تشاد سياسيًا، ويُعرفون هناك بثرائهم ورفاهيتهم الاقتصادية.

الأقباط.. حضور سياسي قوي


هم مجتمع عرقي ديني موجود في شمال إفريقيا والشرق الأوسط ومصر وليبيا والسودان، وهم أكبر مجموعة عرقية من الطوائف المسيحية في السودان، دخلوا إلى السودان لأول مرة في القرن الرابع الميلادي عندما انتشرت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في دولة النوبة شمالاً، والآن، يشكلون نحو 1% من سكان السودان، ويتحدثون اللغة العربية بعد أن انقرضت لغتهم القبطية الأصلية.

انخرطوا في مجال الصيرفة والإدارة والتعليم والرياضة والصناعة، وأنشأوا أول مدرسة أهلية للبنات عام 1902، ثم المكتبة القبطية في 1908

بحسب دراسة نشرها مركز بيو الأمريكي للأبحاث، في العام 2012، فإن عددهم بلغ نحو 1.4 مليون نسمة، ومنتشرين حاليًّا في المدن الشمالية مثل عطبرة ودنقلا والخرطوم وأم درمان غربي العاصمة ود مدني وبورتسودان.

مهنيًا، انخرطوا في مجال الصيرفة والإدارة والتعليم والرياضة والصناعة، وأنشأوا أول مدرسة أهلية للبنات عام 1902، ثم المكتبة القبطية في 1908، وتبعها ذلك عددًا من الكليات القبطية ومؤسسات المجتمع المدني والحركات النضالية التي حاربت الاحتلال البريطاني في البلاد، وعلى إثر هذه الإسهامات لمع نجمهم في الساحة السياسية تدريجيًا وأحدث حضورهم فرقًا وتأثيرًا واضحًا في المجتمع.

وعقب اختيار رجاء نيكولا عبد المسيح، ضمن مجلس السيادة للفترة الانتقالية في السودان، اتجهت أنظار العالم لهذه الأقلية التي حاز أحد أتباعها واحدًا من أرفع المناصب السياسية في البلاد، وذلك بعد موريس سدة الذي شغل منصب وزير الصحة في عهد جعفر النميري بين عامي 1969 و1985.

يضاف إلى هذه المجموعات الإثنية أقليات أخرى مثل الفور والأنقسنا، مع العلم أن كل مجموعة تتفرع منها مئات القبائل التي لها وزنها الاجتماعي في كل منطقة، وأشهرها قبائل البجا وكردفان والمابات والقبائل النيلية وغيرها المئات من الجماعات التي شكلت هوية السودان وحددت ملامحه الثقافية.